الحشر يوم القيامة

الحشر هو جمع الناس يوم القيامة بعد خروجهم من القبور وسوقهم  إلى الأرض المبدلة كلهم لا يتخلف منهم أحد قال الله تعالى:( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)، فبعدما ينفخ في الصور، ويقوم الناس من قبورهم أجساداً وأرواحاً، بعدها يساق العباد إلى أرض المحشر للفصل والقضاء بينهم، ولتجزى كل نفس بما قدمت، فيجزى كل عامل بما يستحق من الجزاء، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. والحشر يوم القيامة يكون في هيئات وحالات ومشاهد مختلفة منها الحسنة ومنها المفزعة المرعبة، بحسب ما قدم الإنسان من إيمان أوكفر، أوطاعة أومعصية، فمن تلك المشاهد ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن حال بعض الناس العصاة أهل الكبائر أنهم يحشرون حفاة عراة بلا نعل أو خف، ودون ثوب أو لباس، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشَةُ! الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) " الأمر أشد من أن ينظر الى العورات بما هم في فيه من هول الموقف تلك الساعة.

وأما الكفار فإنهم سيحشرون والعياذ بالله على هيئة تختلف عن غيرهم، فهم يسحبون ويمشون في المحشر على وجوههم قال الله تعالى:( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ )، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا نبي الله: كيف يحشر الكافر على وجهه؟! قال: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!". وذلك إهانة لهم على كفرهم بالله تعالى. وهناك صنفًا من الناس يحشرون في هيئة ذليلة مهينة، وهؤلاء هم المتكبرون، الذين كانوا يتكبرون في الدنيا عن قبول الحق والنصيحة والذين كانوا يمشون في كبرهم وتبخترهم واستعلائهم على الناس ولا يتواضعون لله، هؤلاء المستكبرون ورد في صفة حشرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان)، وهذه الحالة المخزية تناسب ما كانوا فيه في الدنيا من تكبر وغرور بأنفسهم فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده. وكذلك الذين يسألون الناس المال وعندهم ما يغنيهم ويكفيهم حاجاتهم بل يكذبون ويدعون الفقر والمسكنة وهم أغنياء، هؤلاء إن لم يتبوا يأتون يوم القيامة للحشر وليس في وجوهم مُزعة لحم يعرفهم الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم)، وأما أهل الإيمان والطاعة فلهم في الحشر صور مفرحة وحالة حسنة فمنهم الأتقياء الذين يحشرون راكبون طاعمون كاسون مطمئنون، روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: إن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حدثني:(أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار). ومنهم أهل الوضوء الذين يحشرون غرًّاً محجلين كرامة من الله تعالى لأوليائه وأحبائه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إن من أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل). والغُرةُ هي الزيادة في غسل الوجه عن موضع الوضوء والتحجيل الزيادة في غسل اليدين والرجلين عن موضع الوضوء هذه المواضع من المسلم تنور له يوم القيامة فيعرف انه من اهل هذه السنة تلك الساعة. وشهداء المعارك الذين قتلوا في سبيل الله يحشرون ودماؤهم تسيل عليهم كهيئتها يوم جرحت في الدنيا تفجر دمًا علامة على رفعتهم وتكريماً لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كل كَلْم يكلمه المسلم في سبيل الله ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دمًا، اللون لون دم، والعرف عرف المسك). قال النووي رحمه الله تعالى " والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى،والحشر يوم القيامة ليس خاصًّا بالإنس، بل سيحشر الإنس والجنّ، بل وحتى البهائم والحيوانات والطيور، وقال تعالى:(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ). فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا وشاتان تقترنان، فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله؟! قال: "عجبت لها، والذي نفسي بيده ليقادنّ لها يوم القيامة". قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الجن والإنس والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجمحاء من القرناء تنطحُها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني ترابًا، فيراها الكافر فيقول: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًاوأول من يقوم من القبر ويحشر هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم:(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر)، ومن أسماء النبي صلى الله وسلم "الحاشر" قال رسول الله صلى الله وسلم:(أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميي)، يعني على أثري، يحشر الناس بعد قيامه صلى الله عليه وسلم، ثم وراءه يحشر الأنبياء والأولياء يحشرون كاسون طاعمون راكبون لا يصيبهم الفزع ولا يلحقهم الخوف ولا يصيبهم أدنى عذاب ولا انزعاج ولا قلق، الله قال عن أوليائه:( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، وأنبياء الله أفضل من الأولياء كلهم فلا يجوز أن يصدق ما يذكره البعض من أن الأنبياء يخافون في المحشر أو يكونون عراة حاشا...!! ومن اعتقد ذلك فقد ضل ضلالاً بعيدا، قال الله تعالى في حق أوليائه:(لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، فكيف بالأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. اللهمَّ احشرنا في زمرة الأولياء والشهداء والصالحين.