دفن الميت

أَقَلُّ الْقَبْرِ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ بَعْدَ رَدْمِهَا رَائِحَةً أَيْ ظُهُورَهَا مِنْهُ فَتُؤْذِي الْحَيَّ وَسَبُعًا أَيْ نَبْشَهُ لَهَا فَيَأْكُلُ الْمَيِّتَ فَتُنْتَهَكُ حُرْمَتُهُ، ولا يكفي مَا لَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجُعِلَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْحَفْر، وَسُنَّ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ قَامَةً وَبَسْطَةً بِأَنْ يقوم رجل معتدل بَاسِطًا يَدَيْهِ مَرْفُوعَتَيْنِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في قتلي أحد: احفروا أو أوسعوا وَأَعْمِقُوا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَوْصَى عمر رضي الله عنه أن يعمل قَبْرُهُ قَامَةً وَبَسْطَةً وَهُمَا أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٍ. وَلَحْدٌ (بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا) وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَسْفَلِ جَانِبِ الْقَبْرِ الْقِبْلِيِّ قَدْرَ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ أَفْضَلُ مِنْ شَقٍّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ. والشَقُّ أَنْ يَحْفِرَ فِي وَسَطِ أَرْضِ الْقَبْرِ كَالنَّهْرِ وَتُبْنَى حَافَّتَاهُ بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ بَيْنَهُمَا وَيُسَقَّفُ عليه باللبن أو غيره. وروى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قال في مرض موته اِلحَدُوا لي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما الأرض الرَّخْوَةُ فَالشَّقُّ فِيهَا أَفْضَلُ خَشْيَةَ الِانْهِيَارِ، ويسن أَنْ يُوَسَّعَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَأَنْ يُرْفَعَ السَّقْفُ قَلِيلًا (أي اللَّحْدُ والشَّقُّ) بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ. وَأَنْ يُوضَعَ رَأْسُهُ (أي الميت قبل دخول القبر) عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ أَيْ مُؤَخَّرِهِ الَّذِي سَيَصِيرُ عند أسفله رجل الميت ،وَأَنْ يُسَلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي صلى على جنازة الحارث ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ وَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، وَأَنْ يُدْخِلَهُ الْقَبْرَ الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وقد مرَّ ذِكْرُهم فَلَا يُدْخِلُهُ وَلَوْ أنثى إلا الرجالُ متى وُجِدوا لضعف غَيْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا، وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ أَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِ بِنْتٍ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ لَهَا مَحَارِمُ مِنْ النساء كفاطمة ، لكن يسن لَهُنَّ أَنْ يَلِينَ حَمْلَ المرأة مِنْ مُغْتَسَلِهَا إلَى النَّعْشِ وَتَسْلِيمُهَا إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ وَحَلُّ ثِيَابِهَا فِيهِ (أي شِدَادها)، والْأَحَقُّ فِي أُنْثَى زَوْجٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ في التقديم فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَنْظُورَهُ أَكْثَرُ ، فَمَحْرَمٌ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ،ويقدمُ ابن العم على ابن الخال وابن العمة. وبعدهم أجنبيٌ صالح. وَسُنَّ كَوْنُهُ أَيْ الْمُدْخِلُ لَهُ الْقَبْرَ وِتْرًا وَاحِدًا فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ الدَّافِنِينَ لَهُ كَانُوا ثَلَاثَةً وَأَبُو دَاوُد أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَةً وَسُنَّ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ عِنْدَ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ من الميت شيء فيظهر مَا يُطْلَبُ إخْفَاؤُهُ ، وَالستر لِغَيْرِ ذَكَرٍ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى آكَدُ احْتِيَاطًا ، وَأَنْ يَقُولَ مُدْخِلُهُ بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاتِّبَاعِ وَلِلْأَمْرِ بِهِ، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُمَا ، وفي رواية على سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يُوضَعَ فِي الْقَبْرِ عَلَى يَمِينِهِ كما في الاضطجاع عند النوم ، وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْمُصَلِّي فَلَوْ وُجِّهَ لِغَيْرِهَا نُبِشَ (وإن كانت رجلاه إلى القبلة)،أو لها (أي القبلةِ) عَلَى يَسَارِهِ كُرِهَ وَلَمْ يُنْبَشْ ، وَأَنْ يُسْنَدَ وَجْهُهُ وَرِجُلَاهُ إلَى جِدَارِهِ أَيْ الْقَبْرِ وَظُهْرُهُ بِنَحْوِ لَبِنَةٍ كَحَجَرٍ حَتَّى لَا يَنْكَبَّ وَلَا يَسْتَلْقِيَ ، وَيُرْفَعُ رَأْسُهُ بِنَحْوِ لَبِنَةٍ وَيُفْضَى بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ إلَيْهِ أو إلى التراب ، وأن يسد فَتْحته (بفتح الفاء وسكون التاء) بلَبِنٍ (وهو ما يعمل من الطين ويبنى به) أو نحوه كَطِينٍ (أو حجر أو خشب) بِأَنْ يُبْنَى بِذَلِكَ ثُمَّ تَسُدُّ فُرَجُهُ بِكِسَرِ لَبِنٍ وَطِينٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي صِيَانَةِ الْمَيِّتِ مِنْ النَّبْشِ ومن مَنْعِ التراب والهوامِّ. ، وَكُرِهَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ فُرُشٌ (أي بساط) وَمِخَدَّةٌ وَصُنْدُوقٌ (ويقال له تابوت) لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضَاعَةَ مَالٍ ، أَمَّا إذَا احتيج إلى صندوق لنداوة أو نحوها كَرَخَاوَةٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا يُكْرَهُ ، وَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِالصندوق إلَّا حِينَئِذٍ ، وَجَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ دَفْنُهُ لَيْلًا مُطْلَقًا وَوَقْتَ كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَمْ يَتَحَرَّهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَرَّاهُ فَالمعتمد الكراهة، روى مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِنَّ وَأَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا وَذَكَرَ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ وَالطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَالسُّنَّةُ لِلدَّفْنِ غَيْرُهُمَا أَيْ غَيْرُ اللَّيْلِ وَغَيْرُ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَدَفْنٌ بِمَقْبَرَةٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِغَيْرِهَا لِيَنَالَ الْمَيِّتُ دُعَاءَ الْمَارِّينَ والزائرين وَكُرِهَ مَبِيتٌ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَحْشَةِ (بأن يبقى معظم الليل أو ينام)، ويحرمُ على المعتمد، دفن اثنتين من جنس أو جنسين ولو مع محرمية، ابتداءً (من الابتداء يدفن اثنان) ودواما مطلقًا (بأن يفتح القبر ويوضعَ ثانٍ) بقبر بمحل واحد إلَّا لِضَرُورَةٍ كَكَثْرَةِ الْمَوْتَى لِوَبَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فيقدم في دفنها إلَى جِدَارِ الْقَبْرِ أَفْضَلُهُمَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ إلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ لَا فَرْعٌ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى أَصْلٍ مِنْ جِنْسِهِ ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الأبوة والأم على البنت وإن كان أَفْضَلَ مِنْهَا لِحُرْمَةِ الْأُمُومَةِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْأُنُوثَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى أُمِّه

وَلَا يقدمُ صَبِيٌّ عَلَى رَجُلٍ بَلْ يُقَدَّمُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وحيث جمع بين اثنتين جعل بينهما حاجز من تُرَابٍ، وَسُنَّ لِمَنْ دَنَا مِنْ الْقَبْرِ بِأَنْ كَانَ عَلَى شَفِيرِهِ كما عبر به الشافعي ثلاثُ حثَيَاتِ ترابٍ بيديه جميعا. لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بإسناد جَيِّدٍ. وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى:{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ}ومع الثانية: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}ومع الثالثة:{وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} ،فَسُنَّ أَنْ يُهَالَ عَلَيْهِ بِمَسَاحٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا إسْرَاعًا بِتَكْمِيلِ الدَّفْنِ وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى تُرَابِ الْقَبْرِ لِئَلَّا يَعْظُمَ شَخْصُهُ فَتَمْكُثُ جَمَاعَةٌ عِنْدَهُ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التثبيت، لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ وأَنْ يُرْفَعَ الْقَبْرُ بِدَارِنَا شِبْرًا تَقْرِيبًا لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ وَيُحْتَرَمَ وَلِأَنَّ قَبْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ نَحْوَ شِبْرٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ تُرَابُهُ شِبْرًا زِيدَ على تراب القبر ليرتفع شِبرًا كما قال بعض العلماء. أمَا لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ بِدَارِ الْكُفَّارِ فَلَا يُرْفَعُ قَبْرُهُ بَلْ يُخْفَى لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لَهُ إذَا رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إلى بلادهم وَأَلْحَقَ بِهَا بعض العلماء: الْأَمْكِنَةَ الَّتِي يُخَافُ نَبْشُهَا لِسَرِقَةِ كَفَنِهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ أَوْ لنحوهما وتسطيحه (أي أن يكون مستويًا بعد رفعه شبرًا) أولى من تسنيمه، كَمَا فُعِلَ بِقَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وكره جلوس (كراهة شديدة) ووطء عليه (أي الدوس بالقدم) للنهي عنها بلا حاجة رَوَاهُ فِي الْأَوَّلِ مُسْلِمٌ وَفِي الثَّانِي التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي مَعْنَاهُمَا الِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ، بِلَا حَاجَة، فَإِنْ كان لحاجة بأن لا يصل إلى ميته ولا يَتَمَكَّنَ مِنْ الْحَفْرِ إلَّا بِوَطْئِهِ فَلَا كَرَاهَةَ وكره تجصيصه أَيْ تَبْيِيضُهُ بِالْجَصِّ وَهُوَ الْجِبْسُ وَكِتَابَةٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكُتِبَ اسْمُ صَاحِبِهِ أَمْ غَيْرُهُ فِي لوح عند رأسه أم فِي غَيْرِهِ، وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ كَقُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ لِلنَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثَةِ رَوَاهُ فِيهَا التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مُسْلِمٌ وَخَرَجَ بِتَجْصِيصِهِ تَطْيِينُهُ ، وَحَرُمَ الْبِنَاءُ بِمَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ بِأَنْ جَرَتْ عَادَةُ أهل البلد بالدفن فيها كما لو كانت موقوفة ولأن البناء يتأبد بَعْدَ انْمِحَاقِ الْمَيِّتِ فَلَوْ بُنِيَ فِيهَا هُدِمَ الْبِنَاءُ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَنَى فِي مِلْكِهِ فلا يهدم وَسُنَّ رَشُّهُ أَيْ الْقَبْرِ بِمَاءٍ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَمَرَ بِه صلى الله عليه وسلم فِي قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْمَعْنَى فِيهِ التَّفَاؤُلُ بِتَبْرِيدِ الْمَضْجَعِ وَحِفْظِ التُّرَابِ وَيُكْرَهُ رَشُّهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ (لما فيه من إضاعة المال، ولم يحرم لكونه لغرض) وَيستحبُّ وَضْعُ حَصًى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسُنَّ أَيْضًا وَضْعُ الجريد والريحان ونحوهما وسنَّ وَضْعُ حَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ عِنْدَ رَأْسِهِ وَجَمْعُ أَهْلِهِ بِمَوْضِعٍ أي بِسَاحة واحدةٍ مِنْ الْمَقْبَرَةِ، (أي يدفنون بساحة واحدة) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ حَجَرًا أَيْ صخرة عند رأس عثمان بن مظعون وَقَالَ أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

زيارة القبور

وَتستحب زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ لِرَجُلٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا أَمَّا زِيَارَةُ قُبُورِ الْكُفَّارِ فَمُبَاحَةٌ وَقِيلَ مُحَرَّمَةٌ وَلِغَيْرِ الرَّجُلِ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى مَكْرُوهَةٌ لِقِلَّةِ صَبْرِ الْأُنْثَى وَكَثْرَةِ جَزَعِهَا وَأُلْحِقَ بِهَا الْخُنْثَى احْتِيَاطًا وقال أبو حنيفة بسنِّ الزيارة للإناث لحديثِ مسلمٍ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها سألت النبي ما تقول في الزيارة فعلمها ولو كان مكروها لم يأذن لها.أَمَّا زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُسَنُّ لَهُمَا كَالرَّجُلِ وَمِثْلُهُ قُبُورُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَأَنْ يُسَلِّمَ زَائِرٌ فَيَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ أَبُو دَاوُد اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَأَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ وَيَدْعُوَ لَهُ بَعْدَ تَوَجُّهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَهُوَ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ وَأَنْ يَقْرُبَ مِنْ قَبْرِهِ كَقُرْبِهِ مِنْهُ فِي زِيَارَتِهِ حَيًّا احْتِرَامًا لَهُ.وَحَرُمَ نَقْلُهُ قَبْلَ دَفْنِهِ مِنْ مَحَلِّ مَوْتِهِ إلَى مَحَلٍّ أَبْعَدَ مِنْ مَقْبَرَةِ مَحَلِّ مَوْتِهِ لِيُدْفَنَ فِيهِ إلَّا مَنْ بِقُرْبِ مكة والمدينة وإيليا أَيْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا يَحْرُمُ نَقْلُهُ إلَيْهَا بل تختار لِفَضْلِ الدَّفْنِ فِيهَا، وَحَرُمَ نَبْشُهُ قَبْلَ الْبِلَى عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ بَعْدَ دفنه لنقل وغيره كَتَكْفِينٍ وَصَلَاةٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَدَفْنٍ بِلَا طُهْرٍ مِنْ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَجِبُ طُهْرُهُ ما لم يتغير أَوْ بِلَا تَوْجِيهٍ لَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ كذلك فَيَجِبُ نَبْشُهُ تَدَارُكًا لِطُهْرِهِ الْوَاجِبِ وَلِيُوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ كَدَفْنٍ فِي مَغْصُوبٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ وَوُجِدَ مَا يُدْفَنُ أَوْ يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ فَيَجِبُ نَبْشُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ لِيُرَدَّ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ مَا لَمْ يَرْضَ بِبَقَائِهِ أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَالٌ خَاتَمٌ أَوْ غَيْرُهُ فَيَجِبُ نَبْشُهُ وإن تغير لأخذه سَوَاءٌ أَطَلَبَهُ مَالِكُهُ أَمْ لَا أَمَّا بَعْدَ الْبِلَى فَلَا يَحْرُمُ نَبْشُهُ بَلْ تَحْرُمُ عِمَارَتُهُ (في الأرض المسبلة) وتسوية التراب عليه لئلا يمتنع الناس منا لدفن فِيهِ لِظَنِّهِمْ عَدَمَ الْبِلَى. والله أعلم وأحكم.