منع الزكاة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

الزكاة واجبة بنص كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع علماء المسلمين، ولطالما قُرن الزكاة في غير ما آية من كتاب الله بالصلاة في مثل قوله تعالى:(وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ)[البقرة:43]. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:   )بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". والزكاة شرعاً هي : " اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص " فمن أنكرَ وجوب الزكاة، فقد كفر، ومن منعها بُخلاً وتهاوناً مع إعتقاد وجوبها عليه، كان فاسقاً مرتكباً إثماً كبيرا، وحكمه في الآخرة، أنه تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاءَ الله تبارك وتعالى عذبه لمدة على منعه للزكاة الواجبة عليه ثم أدخله الجنة بعد ذلك. والذي يؤدي الزكاة كما أمر الله معتقداً وجوبها، راجياً ثواب الله، فليٌبْشر بالخير الكثير، والخلف العاجل والبركة في ماله، قال الله تعالى: ( ومَا أَنفَقْتُمْ مّن شَيء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[سبأ: 39]. وليس هذا المقال لبيان أحكام الزكاة وتفاصيلها وإنما في بيان عظيم ذنب مانع الزكاة بعد استحقاقها عليه، وقد صحَّ في الحديثِ أنّ لاويَ الصدقةِ أي مانعها ملعونٌ على لسانِ الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن حبان وفيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( ..لَاوِي الصَّدَقَةِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ... الحديث)، فمن بخل في دفع الزكاة بعد الوجوب عليه ولم يؤدى المقدار الذي فرضه الله عليه في ماله، سواء كان المال نقداً ذهباً أو فضة أو زروعاً أو من بهيمة الأنعام وبلغت القدر الذي تجب الزكاة فيه ومضى عليها سنة قمرية كاملة أثمَ واستحق عذاب الله الأليم الذي توعد الله به بالنيران لمن بخل بإخراج الزكاة، فالمال الذي لا يُزكى شؤمه على صاحبه بعد الموت شديد وعذابه أليم وسيكون عليه حسرات وشدائد في قبره، ففي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ )- يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ –( يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ) ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *) [آل عمران:180-183])، و"شجاع أقرع" أي ثعبان منحسر شعر الرَّأْس لِكَثْرَة سمه و"الزبيبة"، النقطة السَّوْدَاء فَوق الْعين، وفائدة قوله " انا مَالكَ ".. الحسرة والزيادة في التعذيب حيث لا ينفعه الندم وفيه نوعٌ من التهكموفي الآخرة أعدَ الله تعالى لمانعي الزكاة العذاب الأليم في النار الحامية كما أخبر الله تعالى في القران العظيم قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)[التوبة: 34 – 35 )، فيا من تملك مقدار الزكاة تأمل في هذه الآية واذكر أنَّ ما تكنزُهُ وتمنع حق الزكاة منه يدخل النار ويحمى! ولا يُحمى على الذهب والفضة في نار كنار الدنيا!، إنمّا يحمى عليها في نار جهنم القوية الشديدة التى هي أقوى من نار الدنيا بكثير!، وإذا أحمي عليها لا يكوى بها طرف الجسم أو بقعة صغيرة منه فقط!، وإنما يكوى بها الجسم من كل النواحي الجِباه!، والجنوب!، والظهور!، ولا تترك حتى تبرد وتزول حرارتها!، ولكنها كلما بردت أعيدت فأحميت!، وهذا العذاب ليس في يوم ولا شهر ولا سنة!، ولكن في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة! فهل لك بذلك طاقة...؟!، وجاء في صحيح مسلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) قِيل يا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ قَالَ: ( وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ( أرض واسعة منبطحة )، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ:( وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ( الْعَقْصَاءُ : مُلْتَوِيَةُ الْقَرْنَيْنِ ، وَالْجَلْحَاءُ : الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا ، وَالْعَضْبَاءُ : الَّتِي انْكَسَرَ قَرْنُهَا الدَّاخِلُ ). تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)، فتأمل هذه العذاب المهين! أن تكون الأنعام بأسمن وأثقل ما تكون ثم تطؤ بأقدامها صاحبها وتعضُه بأنيابها جزاء لمنع الزكاة فيها...! فأيهما تختار يا عبد الله..؟! طاعة الله ودفع الزكاة، وتنعم ببركة المال ونماءه، أم تلف المال وزواله، وعذاب أليم شديد تناله في الآخرة؟!!..

قال العلامة الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله في كتابه "البغية" : من المعاصي اليد منعُ الزكاةِ اي تركُ دفعها أو إعطاء بعضها وتركِ بعضٍ، وتأخيرِ إخراجها بعدَ وقتِ الوجوبِ والتمكنِ من إخراجها بلا عذرٍ شرعيٍّ، ولا يجوزُ لمن وجبتْ عليهِ قبلَ رمضانَ كشهر رجب أو شعبانَ مثلاً أن يؤخرَ إلى رمضان، وليسَ رمضانُ موسمًا لإخراجِ الزكاةِ بل موسمها وقتُ حَولانِ الحولِ. وكثيرٌ من الناسِ يؤخرونَ زكواتهم إلى رمضان وهذا حرامٌ من الكبائرِ. الزكاةُ كالصلاةِ لا يجوزُ تأخيرها عن وقتها. وكذلكَ دفعُ ما لا يُجزئ إخراجهُ ولو كانَ أكثرَ قيمةً منَ المُجزئ، ويجوزُ إخراجُ القيمةِ عندَ الإمام أبي حنيفةَ وعليهِ عملُ الناسِ اليومَ. وكذلك يحرمُ إعطاؤها مَنْ لا يستحقها كإعطائِها للجمعياتِ التي تصرفُ الزكاةَ في غيرِ مصارفها، وأما إنْ وكَّلَ المزكي جمعيةً يثقُ بأنها تصرفُ الزكاةَ في مصارفها كانَ ذلكَ جائزًا. إنتهى.

ولا يجوز دفع الزكاة لبناء المساجد والمستشفيات والمدارس فمن دفع من زكاته لبناء مدرسة أو مستشفًى أو لبناء مسجد فليَعلم أَنَّ زكاته ما صحَّت فيجب عليه إعادة الدَّفع للمُستحقِّين. والدليل على أنّه لا يجوز دفع الزكاة لكل ما هو بِرٌ وخير مما عدا الأصنافَ الثمانيةَ وأن المراد بقوله تعالى ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ليس كلَّ أنواع البِرِّ والإحسان من بناء مسجدٍ ومدرسةٍ ومارَستان ونحو ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذَكَرَ الزكاة :« إنَّها لا تحلُّ لغنيٍّ ولا لذي مِرَّةٍ سـويّ» وقوله صلى الله عليه وسلم لرجلين جاءا يسألانه الزكاة وكانا قويين «إِن شِئتُما أعطيتُكما وليسَ فيها حَقٌّ لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسِبٍ» رواهما أبو داود والبيهقي. ولم يقلْ إِنَّ كلمة "وفي سبيل الله" تعمُّ كلَّ مشروع خيريّ أحدٌ من الأئمة المجتهدين إِنَّما ذلك ذكره بعض الحنفيّة من المتأخّرين ممن ليس من أصحاب أبي حنيفة الذين هم مجتهدون بل قوله يخالف أقوال المجتهدين وأصحابِ الوجوه من أهل المذهب فحرامٌ أن يؤخذَ بقول هذا العالِم. وقد بين الله سبحانه وتعالى مصارف الزكاة في كتابه الكريم فقال الله وتعالى: ( إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )، فلا يجوز ولا يجزئ صرف الزكاة لغير هذه الأصناف الثمانية التي بينها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية، ولا يجوز للأغنياء ولا للأقوياء المكتسبين أن يأخذوا منها، فإن أخذوا منها فإنما يأخذون حراماً وسحتاً.

تنبيه: من دفع زكاة ماله لطباعة الكتب أو عقد الندوات أو بناء المساجد أو المستشفيات أو إفتتاح مراكز جمعيات وروابط أو نحو ذلك كما أجازه القرضاوي فلا يصح منه ذلك ولا يجزىء عنه زكاةً، أفتى بعدم صحة الزكاة في خارج المذكورين في آية الزكاة مفتي مصر الفقيه الحنفيّ المشهور محمد بخيت المطيعي الأزهري وكذا وكيل المشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية الشيخ محمد زاهد الكوثري وأقرَّه رحمهما الله، وقبلهما بكثير نقل ابن هبيرة الحنبلي الإجماع على ذلك ذكره في كتاب الإفصاح فَلْيُتَنَبَّهْ، فإن من فعل هذا يأتِي يوم القيامة والزكاة ما زالت في رقبته لم تبرأ منها ذمته، فاتقوا الله أيها الأغنياء وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم تفوزوا بخيرها وبركتها وثوابها في الدنيا والآخرة، وانفعوا بها إخوانكم الفقراء، واذكروا قول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ…. إلى قوله… أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [المؤمنون:4-11]. والحمد لله آولا وآخرا.