قذف المؤمنات

القَذْفُ.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

القَذفُ في اصطلاح الفقهاء هو رمي مسلم او مسلمة بزنا، أو لواط، أو نفي نسب. قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ولقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، ولقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وعدَّ منها قذفَ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ،... والمحصنات الغافلات العفيفات اللاتي لم يمسهنَّ الزنى ولا تُعرفُ عليهنّ الفاحشة. والقذف محرَّمٌ قطعًا وهو معدود من معاصى اللسان الكبائر الموبقات المهلكات. ومن صورالقذف كلامٌ يقال في مسلم أو مسلمة ينسبهم إلى الزنا إما بلفظ صريح واضح أو بلفظ غير صريح بكناية يراد به التهمة بفاحشة الزنا أو اللواط ، و يرجع في معاني الألفاظ إلى العُرفِ المنتشر بين الناس ، وذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمان ، فقد يكون اللفظ كناية عند قوم ، صريحاً عند آخرين ، فيجب أن يراعى ذلك في اختلاف الألسن والبلدان واللغات بين فصيح وعامي ونحوه، والقذف الصريح كأن يقولَ في رجلٍ فلانٌ "زانٍ"، أو في امرأةٍ فلانةٌ "زانيةٌ"، وكذلكَ قولهُ: فلانٌ "لاطَ بفلان"، أو "لاطَ بهِ فلانٌ"، أو فلانٌ "لائطٌ "، أو ما يشبه هذه الألفاظ من كلامات عامية قبيحة تعطي هذه المعاني وتختلف ألفاظها البذيئة السفيهه...! سواءٌ نوى أو لم ينوِ فهو قذف محرم ، وإنْ كانَ كنايةً بأن يكونَ اللفظُ غيرَ صريحٍ كأن يقولَ لشخصٍ "يا خبيثُ"، أو يا "فاجرُ"، أو "يا فاسقُ" وما بمعناه من الألفاظ العامية ونوى بهذا اللفظ القذفَ كان قذفًا محرما.  أما إن كان تعريضًا فقط كقوله لشخصٍ بنيّةِ الذمّ والطّعنِ فيهِ يا "ابنَ الحلالِ"، أو "أما أنا فلستُ بزانٍ"، أو "لستُ ابنَ زانيةٍ" يُعرِّضُ بذلكَ إلى أنَّ المقولَ لهُ ليسَ ابنَ حلالٍ أو أنهُ زانٍ أو أنَّ أمهُ زانيةٌ ونحو ذلكَ فليسَ صريحًا في القذفِ ولا كنايةً ولكنْ كلُّ ذلكَ منَ الكبائرِ يَستحقُّ صاحبهُ التعزير والتأنيب وتلزمه التوبة. ومما كثُرَ ابتلاءُ الناسِ به من المعاصي قولُ الإنسانِ لخادمهِ يا "مُخَنَّث ، أو لخادمتهِ أو زوجتهِ يا " قحبة " ، وللصغيرِ يا "ابن القحبة" أو يا "ولد الزنى"أو يا أخو "الزانية" أو يا "عاهرة" او ياخائنة لزوجها" أو "جعلتِ لزوجك قروناً " أو كمن يتشاجر مع زوجته فيغضب فيرميها بالزنى أويرمى أمها وكذا العكس إن صدر من المرأة تجاه زوجها أو غيره ولا يقتصر القذف على النساء بل كذلك من الكبائر رمى الرجل بالزنا أو باللواط كقول البعض لشاب يا منكوح .. ونحوه مما يسمع جهارأ في الأسواق والبيوت والسيارات ويكتب في الهواتف ونحوها مما يصعب حصره، وكلُّ ذلكَ مهلكٌ من كبائرِ الذنوب، ولو كان على وجهِ المزاح أو الغضب أوكان اعتاده السفهاء كالذين اذا ازعجهم انسان بطريق أو سيارة قالوا فيه يا ابن الزانية وو... فمن لهؤلاء الغافلون أن يقول لهم وقعتم في قذف مؤمنة ورميها بالفاحشة بغير شهود وأدلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه )، فالعِرض: هو موضع المدح والذم في الإنسان "من جسد أو نفس أو حسب أو شرف". والله سبحانه وتعالى توعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، بالعذاب الأليم، فقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } ،(النور 24/19) و لعن الله الذين يتكلمون في أعراض الناس ويقذفونهم بالزنا والفواحش، فقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }(النور 24/23). وأمر الله أن يُجلدوا ثمانين جلدة ما لم يأتوا بأربعة شهداء، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }(4) سورة النــور، وجلد القاذف حد من حدود الله يقيمه الخليفة أو من يقوم مقامه،والمحافظة على الأعراض من الضرورات التى حث الشرع الإسلامي على صيانتها وحفظها وعدم رمى التهم فيها وبشرفها وعفتها، والقذف ذنب يفسق مرتكبه ولا يخرج قائلة من الإسلام إلا إذا استحله كأن علم أنه محرم في الشرع ومع ذلك عاند وقال حلال أن اقول في مسلم يا ابن الزانية مثلا..أو كأن رمي بالقذف خواصِّ الناس ممَّن اصطفاهم الله بالرسالة أو النبوة ونحو ذلك، فإنَّ من قذف نبيًّا أو رسولاً يُعدُّ كفرًا وخروجا عن الإسلام وردة لمن سبق له اسلام، وكذلك قذفُ السيدة الجليلة الطاهرة مريم بنت عمران عليها السلام، وكذا رمى أزواجِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبناته بل وسائر الأنبياء وبناتهم وزوجاتهم وأمهاتهم، فهو كقذف النبي في الحكم ومن وقع في مثل هذا فعليه بالرجوع عنه والنطق بالشهادتين توبة من هذا الكلام الكفري، وأما من رمى مسلماً أو مسلمة بقذف فتوبته أن يرجع عنه ويندم ويستسمح ممن نال من عرضه لو وصله ما قيل فيه، ومن أقام عليه الحاكم حد القذف الشرعي سقط عنه ، فيا ايها المتسلط على أعراض المسلمين إتق الله واذكر انك مسؤول عن كلامك في الآخرة ، وأن حُرمة الأعراض عظيمةٌ في الإسلام كحرمة الدماء والأموال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم )، فيا أيها العابثون بأعراض المسلمين، ألا تخشون العقوبة الدنيوية قبل عقوبة الآخرة ؟!  أما تخشوا أن يسلط الله عليكم من يؤذيكم في أعراضكم كما تؤذون المسلمين والمسلمات في أعراضهم؟! أليس لكم أخوات أو بنات أو خالات أو عمات؟! أفيرضى أحدكم أن يُهتكَ عرضه وتُنتهكَ حرمته وترمى قرابته بالفاحشة؟! بالطبع تقولون لا..!! فكيف ترضونه للناس وأعراضهم ؟! فقذف المؤمنات وإيذاء الممؤمنين عاقبته وخيمة ونهايته أليمة وعقوبته عند الله عظيمة إن لم يتب المرء منه أو يعفو الله عنه ، قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا.فالرجوع والتوبة عن العبث بأعراض المسلمين قبل فوات الأوان بالموت فإن باب التوبة ما يزال مفتوحاً ما دامت الشمس لم تطلع من مغربها، وما دامت الروح لم تبلغ الحلقوم.. فإن عُدتم وتبتم وأصلحتم فهو خيرٌ لكم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، والحمد لله أولاً وآخرا.