الميسر والقمار

 

االله تبارك وتعالى حرم القمار وسماهُ ميسراً قال الله تعالى : ( يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )، في هذه الآية تأكُّدُ تحريم الخمر والميسر وقرنُ الخمر والميسر بعبادة الأصنام وجعلهما رِجْسًا من عمل الشيطان الذي لا يأتي منه إلا الشر البَحْت ، وأَمَرَ الله المؤمنين بالإجتناب وجعل الإجتناب من الفلاح فقال: * فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وإذا كان الاجتنابُ فلاحًا فماذا يكون الارتكاب لايكون إلا خسارًا ، وصورة القمار المجمع على تحريمها هي أن يدفع هذا مالاً وهذا مالا ثم يأخذ الرابح مالَ الخاسر أو جزءًا منه والربح والخسارة المقصودان ، والقمار ذنب من الكبائر بصريح القرءان قال الله تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) ، وفي زماننا أطلق على القمار أسماء مختلفه وصور متعددة من أشهرها ما يسمونه بأوراق "اليانصيب" أو " لوتو " أو " الروليت " أو الورق المعروف "بالشدّه" مع إشتراط الربح في المال ونحوه ، ومن القمار ايضاً دفع المال على شرط  فوز لاعب كرة أو على ىسباق الخيل أو السيارات أو مهارشة الديكة والكلاب وما كان على نحوها من رهان على الخسارة والربح من الألعاب المشابهة لذلك كله ،  فما كان فيه اشتراط بين طرفين على أن من فاز يأخذ المال المجموع من البقية فهو قمار وحرام ، ومثله لو اتفقوا بالتراضي على أن الخاسر في اللعب يدفع ثمن البُن أو الطعام أو أجرة النادي مثلا فهو قمار محرم من الكبائر ،  وفي القمار إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس ، فمن غلب واخذ المال فرح بجمع المال ، والمغلوب الخاسر لماله وإن سَكَتَ فإنه يَسكتُ عن حقدٍ وعداوة شديدة على من خيبَ أمله وقامر معه فأخذ ماله ومال غيره ، ألا ترى كيف يعلو الصراخ والسباب وتقع القطيعة بين لاعبي ورق الشدة عند الخسارة ...؟، قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون ). حيثُ الجمع بين الخمر والميسر في الآيات ويبين أضرارها على الفرد والمجتمع والأسرة ، فكم من طلاقٍ وتفريق للأسرة وقطيعة بين الأهل كان وراءه وسببه القمار وأضراره.. ؟ وكم من سجين قابع في سجنه سنين طويلة بسبب القمار؟ وكم من أولاد وبنات في الشوارع من غير تربية ولا عناية كان سبب هذا التشريد الأب المقامر الغارق بالديون أو المسجون بسبب القمار ، وكم من نساءٍ خرجنَّ للزنى والفساد والمجون بسبب ما خسروه في القمار ، وكم من أرواح أزهقت ونفوس قتلت بسبب هذا الداء العُضال القمار والميسر، وخسارة المال تدفع الخاسر إلى المعاودة والمقامرة لعله يعوضُ في المرة القادمة ما خسرَهُ في المرة السابقة ، وكذلك المقامر تدفعهُ نشوة الربح المحرم ويزين له الشيطان ونفسه الطمّاعة إلى المعاودة فيُدمن على هذا الفعل الدنيء ويكرره فيجمع من هنا وهناك ويضع على طاولة القمار ، والمقامر مشغولٌ عن أداء الواجبات الشرعية كالصلاة ونحوها وعن أولاده فيمنع عن عياله وأهله لينفق على القمار، والقمار الجريمة المنكرة والخصلة الخبيثة تغرس في قلب من داوم عليها حب المقامرة فلا يتورع عن بيع كل ما يملك ليقامر مرة بعد مرة ، وهذا الفعل الشنيع الذي حرمهُ ربنا في كتابه ورسولنا في سنته وأجمع المسلمون على تحريمه يؤدي العمل به إلى أكل أموال الناس بالباطل والإعتداء على أموال الناس وغصبها ظلماً وعدوانا ، قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ )، والواجب على المسلم أن يكسب المال من الحلال بالطرق المشروعة النظيفة الحلال كالتجارة والصناعة والفلاحة ونحوها ، قال رسول صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ اللهَ طيبٌ لا يَقبَلُ إلاّ طَيبا )، معناه الله يحب من العبد أن يأكل من ما أحلَّ الله ويتصدق من حلال ويجتنب كل ما حرمه الله كالقمار ونحوه، ومن الخداع والكذب تسميتهم القمار بالعمل الخيري فتراهم يقولون "اليانصيب الخيري" ومرادهم أن الربح الذي يُجنى من القمار يُرصد في مشاريع الخير!!  وهذا أشبه بالميسر التى كانت العرب يفعلونه مراهنة على لحوم الأبل ثم يوزعونها ويتقامرون عليها ، ولا يأكلون من لحومها شيئا ، وإنما يوزعونها على الفقراء والمساكين ،  فحرمها الله وحرم كل أنوع القمار، ولو كانت في الظاهر سبيلا إلى البر والإحسان ، فيا من تحدثه نفسه أن بالقمار يحصل على مال كثير بغير جهد وتعب معتمدا على التخمين وما يسمونه بالحظ والأماني والأحلام الزائفة، إعلم أن الله قد قسم الأرزاق فلا  يصل إليك أكثر مما هو مقسوم لك فخذه من طريق الحلال ولا تغترّ فإن الغالب على المقامرين الخسارة والإفلاس ويجب على من تلوث بهذه المعصية الكبيرة القمار التوبة الى الله بالندم على ما فعل من معصية الله ويجب رد ما أخذه من طريق القمار لأصحابه أو إستسماحهم إن أمكنه . والله تعالى أعلم وأحكم.