سوء الظن

من الكبائر سوء الظن قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )، قال الزجاج هو ظنُّكَ بأهل الخير سوءًا فأمّا أهل الفسقِ فلنا أن نظنَّ فيهم مثلَ الذي ظهرَ منهم اهـ، والإثمُ الذنبُ الذي يستحق صاحبه العقاب. وسوء الظنّ بالله وهو أن يظن بربه أنه لا يرحمه بل يعذبه، وأن يظنّ بعباده السوء بغير قرينة معتبرة، فلا يجوُز أن تظن بمسلم شيئًا قبيحًا بدون قرينة معتبرة كأن تقول إذا حصلت سرقة لعل فلانًا هو الذي سرق، أو تقول لعل فلانًا هو يرتكب الفاحشة، والقرينة المعتبرة كأن يكونَ في غرفة وله في هذه الغرفة مالٌ ومعه شخصٌ ءاخر ليس معه غيره في هذه الغرفة ثم خرج هو من الغرفة وعاد إليها فوجد أن المال قد فُقدَ وكان متيقنًا من أنه لم يدخل هذه الغرفة غيره وغير الذي كان معه فظن بهذا الشخص أنه سرق المال، فينبغي تحسينَ الظن بعباد الله ولا سيما الصالحين وتأويلُ ما يظهرُ منهم بتأويل حسن ما كان إلى ذلك سبيل. وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إيّاكم والظنّ فإنَّ الظنّ أكذبُ الحديث)، فالظنّ الذي ذمه رسول الله هو الظن بلا قرينة معتبرة، أما إذا شهدَ عندكَ عدلان أو فلانًا عمل كذا مما هو شنيع يجوز أن تظنّ به، وأما إن شهِدَ عندك واحدٌ فقط فلا يجوز لك أن تجزم، لكن قال العلماء إذا كانت تُخافُ مفسدة يُعمل بخبر الواحد الثقة ما يؤدي إلى منعها كأن أخبركَ ثقة واحد بأن الجماعة الفلانية تريد أن تعمل مفسدة كذا. ولا يُبنى على إلهام الوليّ حكمٌ في ذلك لأنّ كشف الولي قد يُخطئ ولذلك قال علماء الأصول «إلهام الولي ليس بحجة» وقال الإمام الجنيد رضي الله عنه «ربما تظهرُ ليَ النُّكتةُ من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدَي عدلٍ من الكتاب والسنة« معناه إذا ورد لي واردٌ أنّ فلانًا فعل كذا لا أعتبره حجة. قال النووي في شرح مسلم: المراد النهي عن ظن السوء، قال الخطابي هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس فإن ذلك لا يملك ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه ويستقر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به كما سبق في حديث تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة مالم تتكلم أو تعمد وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر ونقل القاضي عن سفيان أنه قال الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به فإن لم يتكلم لم يأثم. وقال الغزالي: (من ثمرات سوء الظن التجسس، فإنَّ القلب لا يقنع بالظنِّ، ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وهو أيضًا منهي عنه، قال الله تعالى:(وَلا تَجَسَّسُوا)، فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة، ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر؛ حتى ينكشف له ما لو كان مستورًا عنه كان أسلم لقلبه ودينه وقال الغزالي:(من عظيم حيل الشيطان.. وقال القاضي عياض:(ظن السوء بالأنبياء كفر) كالذي يظن بنبي من أنبياء الله أنه سرق أو زنى او نحو ذلك من الفواحش لأنهم معصومين من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها، وفي حديث عن صفية بنت حييّ رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته، ثم قمتُ لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأَيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرَعا في المشي، فقال: "على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا"