أخذ الرشوة وإعطاءها

الرشوة من معاصي اليدين الكبائر ويقال: الرشوة (بالكسر) والرشوة (بالضم)، وارتشىى الرجل أخذ الرشوة من غيره. والرشوة هي أخذُ المال أو دفعه لإحقاقِ باطل، أو إبطال حقٍّ، والرشوة معصية فاحشة كبيرة صاحبُها آكلاً كان أو مُوكِلاً إذا لم يتبْ منها فهو على خطر عظيم في القيامة، فعن عبد الله بن عمرو قال: "لَعَن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم "الرَّاشي والمرتشي"؛ والرِّشوة تبقى محرمة وإن سُمِّيت باسماء متعددة تلبيسًا وتحسينًا لها، فكلُّ مال سواء كان نقدًا أم عينًا، أم منفعة، تُدفع لِمَن له ولاية أو رئاسة أو وظيفة ونحوه سواء بواسطة طَرَف آخرَأم مباشر ليستعينَ بها الراشي على إبطال الحق أو إحقاق الباطل ونحوه فهي رِشوةٌ محرمة وإن سُمِّيت هديةً أو مقابلَ الخِدمة أو إكرامية أو برطيل ونحو ذلك، فهي سُحتٌ يأكلها المرتشي الملعون على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. والحاكم إن أخذ الرشوة ولوحكم بحق فحرام، وأما الإعطاء فإنما يحرم على المعطي إن كان يطلبُ بباطل، فمن أعطى قاضياً أو حاكماً رشوة أو أهدى إليه هدية فإن كان ليحكم بباطل أو يتوصل بها لنيل ما لا يستحقه أو لأذية مسلم فَسَقَ الراشي والمُهْدِي بالإِعطاء، والمُرتَشِي والمُهْدَى إليه بالأخذِ، وكذلك الرّائشُ أي الساعي لسَعيِه وإن لم يقَع حكمٌ منه بعد ذلك. فأمّا إذا كانَ الإِعطاءُ ليحكُمَ له بحَق أو ليَدفع عنه ظُلما أو لينال ما يستحقه فسقَ الآخِذُ فقط ولم يأثَم المُعطِي لاضطِراره للتوصُل لحقّه، وأما الرائشُ في هذه الحالة فإن كان من جهة المعطي الذي لايجوز له الإعطاءُ عَصَى وفَسَقَ وإلا فلا. ومن الرِّشوة هدايا تدفع للموظفين أو العمال أو القضاة أو المحامين لغرض تزيف الحقائق وسواء كانت الهدية صغيرة أم كبيرة فهي حرام من الكبائر، نعم يجوز دفعُها في حالة وقوع الظُّلم على الشخص في دِينه أو دُنياه، ولم يَستطعْ رفْعَ هذا الظلم، وردَّ الحق إلاَّ بالرِّشوة، فيجوز له دفعُها، ويحرُم على المرتشي أخذُها واكلها.

تنبيه: ليس من الرشوة بذل المال لمن يتكلم له مع الحاكم في أمر جائز فإنه أجرة جائزة ويجوز دفع الرشوة للضرورة كدفع الظلم أو لتحصيل حقه. روى عن عطاء وجابر والشعبي والحسن البصري أنهم قالوا " لا بأسَ أن يُصانِعَ الرجل عن نفسهِ ومالِه إذا خافَ الظلم" وقال مجاهد "إجعل مالك جُنَّةً دون دينك ولا تجعلْ دينكَ جُنة دونَ مالك" معناه إجعل دنياك حصناً لدينك أي إحفظ دينكَ بدنياك أي إصرف مالك لحفظ دينك لا العكس. لأنَّ بعض الناس يَبعونَ الدينَ لأجل الدنيا معناه لا تبع دينكَ بدنياك بل العكس. والجُنّةُ الحصنُ، الدرع الذي يتحصن به في القديم كانوا يعملونه من جلد الجمل يكون قاسياً مثل الحجر يرد السلاح عن صاحبه. وقال الإمام أحمد في الرشوة "أرجو إذا كان يدفع الظلم عن نفسه " اي ارجو جواز ذلك، ونص الفقهاء على حرمة قبول الهدية على القاضي حتى لا يتوصل بذلك لتغير الحكم في الخصومات.

 

 وتمام توبةِ مَن وقع في الرِّشوة سواء كان راشيًا أم مرتشيًا أن يرد الحق لأهله ويستسمحهم فما أكل بالرشوة سُحتٌ محرم وأن يندم ويعزم على عدم العودة لذلك، قال الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ }.