الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع النبين.

ليس في دين الإسلام ذنب أشد وأقبح من الوقوع في الكفر أو في الشرك بالله تعالى ، فهو أكبر الكبائر على الإطلاق ، وهو الذنب الذي لا يغفرهُ الله لمن مات عليه كما قال الله تعالى:(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا)، وممّا يدلّ على عظم جريمة الكفر أنّه لا يقبل من فاعله عمل عند الله تعالى ولا تكتب له حسنة من الحسنات مع كفره، بل تُحبط أعماله كلّها بمجرد إشراكه بالله، كما أنّ الله حرّمَ على من مات على الكفر دخول الجنة وأوجب له الخلود في نار جهنم، قال الله تعالى:(( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، والكفر إما أن يكونَ كفر شرك أو غير شرك ، فكل شرك كفر وليس كل كفر شركاً . والكفر الذي ليس فيه إشراك كتكذيب الرسول والإستخفاف بالله أو برسوله ، وكفر الإشراك كعبادة غير الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنَّ اللهَ ليغفِرُ لعبدِهِ ما لمْ يَقعِ الحِجَاب " قالوا : وما وقوعُ الحِجاب يا رسول الله ؟ قال : " أن تموتَ النفسُ وهيَ مُشركة " فالكفر بجميع أنواعه هو الذنب الذي لا يغفره الله أي لمن استمر عليه إلى الموت أو إلى حالة اليأس من الحياة برؤية ملك الموت وملائكة العذاب أو إدراك الغَرق ونحوه فذاك ملحق بالموت، فمن أسلم بعد الوقت الذي يقبل فيه فلا يمحو إسلامُه كفرَه . والتوبة من الكفر لا تكون إلا بالنطق بالشهادتين ، فالكفرُ لا يُغفرُ إلا بالدخولِ في الإسلامِ قال الله تبارك وتعالى:(( قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ))، إن ينتهوا أي إن يتركوا الكفر الذي كانوا عليه، فان تركوا الكفر الذي كانوا فيه ودخلوا في الإسلام بالشهادتين يغفر لهم ما قد سلف، وإلا إن ماتوا على الكفر فلا مغفرة لهم قال الله تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ))، ففي هذه الآية النص على أن من مات كافرا لا يغفر الله له .

والكفر إما تشبيه، أو تكذيب، أو تعطيل فالتشبيه: أي تشبيه الله بخلقه كمن يصفه بالحدوث أو الفناء أو الجسم أو اللون أو الشكل أو الكمية أي مقدار ،.فمن وقع في التشبيه فعبد صورة ما أو خيالا تخيله يكون بذلك من الكافرين الخارجين عن ملة المسلمين وإن زعم أنه منهم. لأنَّ الذي يُشبه الله بخلقه يكون مكذّبا لـ " لا إله إلا الله " معنىً ولو قالها لفظا .

وكفر التكذيب: أي تكذيب ما ورد في القرءان الكريم أو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه ثابت وكان مما علم من الدين بالضرورة كاعتقاد فناء الجنة والنار، أو أن الجنة لذّات غير حسية، وأنَّ النار ءالام معنوية ، أو إنكار بعث الأجساد والأرواح معاً أو إنكار وجوب الصلاة أو الصيام أو الزكاة، أو اعتقاد تحريم الطلاق أو تحليل الخمر وغير ذلك مما ثبت بالقطع وظهر بين المسلمين .

والتعطيل: أي نفي وجود الله وهو أشد الكفر. كالملاحدة النافين لوجوده تعالى وهذا أشد الكفر على الإطلاق.

والردة أيضاً معدودة من الكفر والذي هو أشد الذنوب قال الإمام النووي في كتاب روضة الطالبين ما نصه: " الرّدة وهي قطع الإسلام ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر وتارة بالفعل، وتحصل الرّدة بالقول الذي هو كفر سواء صدر عن إعتقاد أو عناداً أو استهزاًء"، وعلى هذا التقسيم كان مفتي بيروت الأسبق الشيخ عبد الباسط الفاخوري. وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة يخرج من الإسلام بمفرده من غير أن ينضم إليه النوع الآخر، فيحصل بالاعتقاد المكفّر لو لم يصحبه قول أو فعل، ومن أمثلة ألفاظ الرّدة: سبّ الله والعياذ بالله قال القاضي عياض في كتاب الشفا: " لا خلاف أنّ سابّ الله تعالى من المسلمين كافر ". ومن الكفر نفي صفة من صفات الله الواجبة له إجماعا كنفي قدرته سبحانه وتعالى وعلمه كمن يقول والعياذ بالله "الله لا يعلم ذلك الشىء على ما هو عليه" أو "الله لا يقدر على ذلك" ومن ذلك أيضاً سبّ النبي أو غيره من الأنبياء والإستهزاء بهم وتكذيبهم. ومن ذلك أيضاً إنكار نبوة نبي مجمع على نبوته كموسى وعيسى وإبراهيم وءادم عليهم الصلاة والسلام، وكلّ كلمة كفرية تصدر من مسلم تخرجه من الإسلام سواء كان مازحاً أو جاداً أوغاضباً، وحكم من يأتي بإحدى أنواع هذه الكفريات هو أن تحبط أعماله الصالحة وحسناته جميعها ، فلا تحسب له ذرة من حسنة كان سبق له أن عملها من صدقة أو حج أو صيام أو صلاة ونحوها. إنما تحسب له الحسنات الجديدة التي يقوم بها بعد تجديد إيمانه قال تعالى:(( وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ))، فإن رجع إلى الإسلام لم ترجع إليه حسناته التي خسرها، وأمّا ذنوبه التي عملها في أثناء الردة وقبل ذلك فإنها لا تمحى عنه برجوعه إلى الإسلام وإنما الذي يغفر له بذلك هو الكفر لا غير، بخلاف الكافر الأصلي فإن ذنوبه تمحى بإسلامه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الإسلامُ يَهدِمُ ما قبلَهُ ". أمّا حسناته التي كان عملها قبل إسلامه فلا تكتب له بعد أن يسلم. وإذا قال الكافر أستغفر الله قبل أن يجدد إيمانه بقوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهو على حالته هذه فلا يزيده قوله استغفر الله إلا إثماً وكفرا، لأنه يكذب قول الله تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ))، وقوله تعالى:(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا))،وروى ابن حبان عن عمران بن الحصين : أتى رسولَ الله رجلٌ (اي من المشركين) فقال يا محمد عبد المطلب خيرٌ لقومه منك كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم فقال رسول الله ما شاء الله معناه رد عليه، فلما أراد أن ينصرف قال: ما أقول ، قال: " قل اللهمَّ قني شَر نفسي واعزم لي على أَرشَد أمري " فانطلق الرجل ولم يكن أسلم ، ثم قال لرسول الله إني أتيتك فقلت علمني فقلت : قل اللهمَّ قني شر نفسي واعزِم لي على أرشَد أمري ، فما أقول الآن حين أسلمتُ قال :" قل اللهمَّ قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري اللهمَّ اغفر لي ما أسررتُ وما أعلنتُ وما أخطأتُ وما عمدتُ وما جهلتُ" ثم إنَّ هذا الحديث الصحيح فيه دليل على أن الإنسان ما دام كافرا لا يجوز له أن يقول اللهمَّ اغفر لي ذنبي لأنه لو كان ذلك جائزا لكان الرسول علمه من الأول الإستغفار اللفظي ولكنه لم يعلمه إلا بعد أن أسلم فبعد هذا تبين لك أيها القارئ إن الشرك والكفر بالله أكبر ذنب يقترفهُ العبد و هو أكبر الظلم وأشده وكل الظلم بالنسبة للكفر كلا ظلم قال الله تعالى:(( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، وفي الحديث الشريف عدَّ رسول الله الكفر في أعظم الذوب وأشدها، ففى الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سُئل‏:‏أى الذنب أعظم ‏؟‏ قال‏:‏"‏أن تجعلَ لله نِداً وهو خَلقكَ‏"!‏‏!‏ والِند المثل‏.‏قال تعالى‏:‏((فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ))، نجانا الله من الكفر والشرك، وننصح لمن قرأ المقال وكان واقعاً في شيء من هذا فليرجع تائباً قائلاً: لا إله إلا الله محمد رسول الله . والله أعلم وأحكم .