الله تعالى فضل بعض الأيام على بعض، وخص أياماً من السنة بخصائص مميزة فجعل الله يوم عرفة أفضل أيام السنة على الإطلاق، وهو يوم التاسع من ذي الحجة من أيام الأشهر الحُرم، وعرفة وعرفات أرض قريبة من مكة يقف الحجاج عليها لإتمام ركن من أركان الحج ، ويوم عرفة من الأيام العشرة المفضلة التى أقسمَ الله بها في القرءان العظيم فقال: ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ )، وهو من الأيام المعلومات المذكورة في قوله تعالى: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ). فهو يوم مشهود جاء فضلهُ في القرءان العظيم بقوله تعالى:( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ )، جاء عن الإمام علي رضي الله عنه قال في الآية: " الشاهدُ ،يوم الجمعة، والمشهودُ: يوم عرفة." ويومَ حجَ النبي الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع كان في خطبته الشهيرة في يوم عرفة الإعلان عن كمال الدين، وإتمام النعمة، كما في حديث عمر بن الخطاب أن رجلاً من اليهود قال له يا أمير المؤمنين آيةٌ في كتابِكم تقرءونها لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال أي آية ؟ قال:( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )، قال عمر "قد عرفنَا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعَرفَة يومَ جمعة ". والوقوف بأرض عرفات للحجاج ركنٌ لايعوض عنه أبداً، وقته بين زوال شمس التاسع من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم العيد ويصح ولو لوقت قليل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( الحجُ عَرَفة ) أي أن أقصر أركان الحج وقتاً الوقوف بعرفة، فمن فاته من الحجاج الوقوف بعرفة فاته الحج معذوراً كان أم غير معذور، لحديث عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلىِّ رضي الله عنه: ( أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: «الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ )، ويوم عرفة هو يوم العِتق من النّار، لحديث عائشة رضي الله عنها أنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ )، والعِتقُ من النار هو النجاة من النار وأهوالها. فظاهر الحديث أنه أكثر يوم في العام يُعتِق الله تعالى فيه خلقاً من النار. وقال بعض أهل العلم الظاهر أن العتق من النار ليس خاصاً بأهل عرفة الحجاج، وإنما هو عام لهم ولغيرهم ، وإن كان يُرجى لأهل عرفة أكثر من غيرهم، حصول المغفرة وإعطائهم ما سألوا ونزول السكينة والرحمة عليهم. ويوم عرفة يوم الدعاء وترطيب الألسن بكلمة التوحيد لاإله الا الله ، لحديث طلحة بن عبيد الله بن كَرِيزٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه)، وهذا الدعاء ليس خاصاً بالواقفين بعرفة فقط، وإن كان القبول منهم أرجى من غيرهم، لتلبسهم بالإحرام، ووجودهم في البقاع المباركة، بل ينبغي أن يُكثر من قولها أهل الأمصار في ذلك اليوم العظيم. وكأن هذا الإكثار من كلمة التوحيد لا إله الا الله في يوم عرفة فيه إستحضار معاني التوحيد أنه لا أحد يستحق نهاية التعظيم إلا الله، لا أحد يستحق أن يُعظم كما يُعظم الله، ومن معاني التوحيد أنَ الله تعالى ذاتٌ متصف بصفات الكمال موجود لا يشبه الموجودات لا يشبه شيئاً من العوالم التى رأيناها والتى لم نرها، لا يشبه الإنسان ولا الجمادات ولا الضوء والظلام، قال الله تعالى:(( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))، وفي يوم عرفة ومع تكرار كلمة التوحيد لا إله إلا الله ، يتأكيد الوفاء بالميثاق والعهد الذي أخذه الله تعالى على البشر حين أخرجهم من صلب آدم عليه الصلاة والسلام أرواح بصور الذَر فاستنطقهم وأشهدهم، قال الله تعالى في القرءان العظيم في سورة الأعراف:(( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ))، وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( إنَّ اللهَ تَعالى أخذَ المِيثَاقَ من ظَهرِ آدمَ عليه السلام بنَعْمانَ (اي بأرض عرفة) يوم عرفة، فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قِبَلًا أرسل لهم مَلك بأمرهِ يُكلمَهم قائلاً :الله يقول " ألستُ بربكم" فأجابوا بَلى شهدنا، قال الله تعالى: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ ، وفي يوم عرفة العظيم يُحقّرُ الشيطان ويُصغُرُ ويُدحَرُ لما يرى من تنزل الرحمة على العباد وقيل يعلم بجموع الملائكة تنزل تدعوا وتستغفر للعباد، فيحصل له الغيظ أنه بعد أن أغواهم بالذنوب العظام ثم اليوم تغفرُ لهم وتُقبل توبتهم، فينغاظ الشيطان من ذلك، كمافي حديث طلحة بن عبيد الله من كريز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ. وإذا كان أهل الموقف من الحجاج قد ظفروا بالوقوف في عرفة ركن الحج الأعظم ونالوا بركته، فإنَّ لأهل الأمصار صوم ذلك اليوم العظيم سُنة سَنها نبينا عليه الصلاة والسلام لغير الحاج ، وصوم يوم عرفة يُكفِرُ سَنتين من الذنوب كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ »، فعظموا يوم عرفة بالأعمال الصالحة، والقربات النافعة، واحرصوا على صيامه مع أهليكم وأولادكم القادرين على الصوم، واكثروا فيه من التهليل والتكبير والذكر فإنه أفضل يوم في السنة كلها، وفضل الله تعالى يَسعُ الحجاج وغيرهم، فلا يحرمنَّ عبدٌ نفسه خير الله تعالى وفضله في ذلكم اليوم العظيم ، نسأل الله تعالى أن يقبل منا ويوفقنا للخيرات فيه، وأن يرزقنا الرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنه سميع مجيب.