الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

الهمّ هو شعورٌ يعتري المرء فيترك في نفسه الحُزنَ والاضطراب واليأس والمعاناة والضيق في الصدر، ليفقدَ الأنسَ والاستقرار والفأل والهناء وانشراح الصدر؛ فإذا تمكن الهمُّ من المرء لا يهنأ حينَها بنومٍ ولا يَلذُّ بطعام ولا يَستَسيغُ شرابًا وتراه دائم الحزن مكتئب هو الهمّ الذي يُشعِر بطول الوقت والضجر، فساعةُ المهموم طويلة مُملة متعبة مقلقة، والهمُّ يُذيبُ الجسم السمين فيجعلهُ نحيلا هزيلا، وبسببه يشيب الشعر وتعلو الصُفرة والكآبة الوجوه ويُهرِم البدن ويوهنه، هو ذا الهمّ الداءُ يجعل البالَ مشغولاً والفكرَ مُشتتاً مذهولا، وتضيِّقُ على المرء الواسعة بما رحبت ولو سكن قصرًا واسعاً ودار مريحة؛ فيصيرُ صدره ضيِّقًا لا يرى إلاّ السواد في قلبِ البياض وغير ذلك من العوارض التي لا يخلو شخص من تذوقها في العمر مرات ومرات ، ومَن منّا يا ترى الذي عاش عمرَه كلَّه بلا هَمٍّ ولا غَمّ ولا نَكد ومنغِصات، فتلك مصيبةٌ وأمرٌ ما خَلا منه الصالح وغيره. وللأبون همومٌ كثيرة بسبَب حاضِر الأولاد ومستقبَلهم، فهما مهمومَان بكسوة هذا، وتزويج تلك، وتربيةِ ذاك، وتتوالى الهموم وفي الكثير من الأحيان كلمّا كبُرَ الأولاد تكبر هموم بعض الآباء والأمهات، فتلكَ أمٌ قدَّ الهمُ مضاجُعها على ولدٍ انحرف وشَرد أو على فتاةٍ أحبت لها أمها العيش الكريم، فأبت إلا عيش الحضيض الرخيص الدني البعيد من العفّة والشرف، وهذا أبٌ ربى ولده بمُقلِ العين ليراهُ كما يحلم فإذا به يهوي مع ثلةٍ من التائهين الفاسدين، فلا بالدراسة يُنتج، ولا بالحياة مبصر ويعش ليومه فهو في كيفٍ وفرح وأبواه كادَ الهمُّ أن يُمزق قلوبهم ، وهمَّوم البلاد وما يجري فيها من المصائب والنوازل والعباد التى فيها من قتل وتشريد وظلم واستبداد وتهجير وجوع وغلاء ومصائب مُدلهمة كسواد الليل المظلم، وللشباب همومهم وللنساء هموم، ومن بالغُربةِ مهموم للفرقة والعد عن الأهل والخلان، ومن في البلاد بينَ أهلهِ أصابه ما أصاب غيره من الهموم وضيق العيش ، فلا يَطلع نهار إلاّ وهموم النّاس تزيد على واقع الأمة المرير وما يجري في بلاد المسلمين من ظلم وقهر واعتداء لا يترك فكرا مرتاح ولا خبرا مفرحا، فلا حولَ ولا قوةَ الا بالله. هذا ولا يظن ظان أنَّ الهمَّ حِكرًا على ذوي المسكنة والفقر؛ لأنّنا اليوم نرى مهمومينَ أغنياءَ يعيشون في رغد العيش، كمّا أننا نَرى فقراءَ راضينَ بما قسم الله لهم من العيش، وإذا كانَ بعض الفقراء يُصاب بالهمّ من ضيق حالهِ وشدة حاجته، فإننا نَرى مِن الأغنياء من يُصاب بالهمّ بسبب تُخمة بطنهِ وكثرة تنعُمهِ وسِعَةِ أحواله وكثرة انشعاله وامراضه، وما يَنزلُ بالأمة اليوم كفيلٌ أن ينهَمَّ لهُ الكبير والصغير والشاب والعجوز والغني والفقير من ذوي النفوس الطيبة التي تغتم وتنهم لما ينزل بالناس من مصائب وويلات في شتى البقاع المعمورة، ولو رجَع المرءُ إلى نفسِه قليلا و تبّصَر آيات القرءان العظيم لوجدَ أنّ الحوادثَ والخطوبَ وإن شَرّقتْ وغَرّبت فلن يَنالكَ منها أيّها العبدُ المؤمن باللهِ إلا ما كَتبَ لكَ بتقديرِ الله وعلمهِ ومشيئته وحكمته تبارك وتعالى، ولن يُصرف عنكَّ منها إلا مَا كتِبَ أن يُصرَف عنكَّ، فاللهُ هو خَلقَ الخلقَ وقدّرَ عليهم أحوالهم ومعيشتهم وأمورهم وقسَمَّ بينهم الأرزاق والأعمار والآجال والسعادة فالكلُ من الله كان خيراً أو شراً فلا يُعترض على حكمته تعالى، فسَلمّ للهِ أمركَ وتَصبّر وأعلم أنهُ كم من مصيبةٍ كان في طياتها الفَرج، فما يُدريكَ أن ما ينزل فيك وراءهُ الخير الكثير ولو بعدَ حين، فرُبَّ ضارةٍ تراها كانت لكَ نافعة فيها النعم، وربمّا صَحتِ الأجسامُ بالعلَل، وربَّ محنةٍ في طيّتها مِنَح، وكم بَسمَة كانت بعدَ غصّة وألم طويل ، وكم سِعة جاءت بعد عُسر وضيق، وربّ فرحةٍ بعد حزن طويل وغم فعلامَ الهم...ّ أيّها المؤمن بالله المتوكل على الله!؟ فأنتَ لا تدري عواقب الأمور فكم من يتيم ذاقَ مُرَ اليُتم والحرمان ثم صار له عيشٍ رغيد، ورُبّ خيرٍ ظاهرهُ بلاء وباطنهُ خير وهناء ولا عِلمَ لكَ بالعواقب، قال الله تعالى: ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). فعلامَ الهمّ إذن يا عباد الله ؟!عليك أيّها المهموم أن تعالج همّكَ باليقين بالله تعالى أنه يدبر أمور الخلق، وهو الله الذي يصرفُ السوء والله يأتي بالخير كله، ولقد كانَ حالُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّ البلاء كان كثيرا ما ينزل به لأنّ البلاء شعار الأنبياء والصالحين، ففي البلاء لعامة المسلمين رَفعُ الدرجات بالصبر وتكفير السيئات، وأَعظِم به من أجرٍ أن يصبر المرءُ على ما نزلَ به فلا يُعترض على الله ولا يتكلم بما يُسخط الله تعالى كما هو مسموع في أيامنا من الكلام الكفري الفاحش الذي منه قول المُبتلى "الله ظلمني" أو ما شابهه، فالله تعالى لا يظلم أحداً ولا يجوز نسبة الظلم الى الله تعالى: (ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)، فاللهُ يَفعلُ في خلقهِ ما يَشاء وفعلُ الله تعالى لحكمة إمّا نَعلمُها أو غابت عنّا فله الحكمُ ولهُ القضاء، قالَ الله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ثم عليك أيّها المبتلى أن تُرطِبَ لسانكَ بذكرِ الله تعالى، وكمّ في القرءان العظيم والسنة من أذكار جاءَ الخبر أنَّ فيها تفريجاً للكروب والهموم، فقد كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح يتعوَّذ بالله من الهمّ والحَزَنْ (والحَزَنْ بالفتح الأمر الصعب الشاق على النفس)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: مَنْ قالَ إذا أصبَحَ وإذا أمْسىَ:" حَسبِي اللهُ لا إلَه إلا هوَ عليه توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم، سَبَعَ مَرات كَفَاهُ اللهُ مَا أهمّهُ، وإنّ زوال الهمّ بكثرةِ الاستغفار ولزومِه كما قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لزِم الاستغفار جعلَ اللهُ لهُ من كلِّ ضيقٍ مَخرجَا، ومنْ كلِّ همٍّ فرَجا، ورزقَه من حيث لا يَحتَسِب). وخذ هذه الوصفة من الحديث الشريف لزوال الهمَّ والكرب ففي الحديث الشريف أنه دَخل رسول الله المسجدَ ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له: أبو أُمَامَة، فقال: يا أبا أمامة، ما لي أراكَ جالسًا في المسجدِ في غير وقت الصلاة؟!)) قال: همومٌ لزِمتني وديونٌ يا رسولَ الله، قال: أفلا أعلِّمك كلامًا إذا قلتَه أذهبَ اللهُ همَّكَ وقضىَ عَنكَ دينَك؟)) قال: بلى يا رسولَ الله، قال: قل إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من الهمّ والحَزن، وأعوذُ بِكَ من العَجز والكسَل، وأعوذُ بكَ من الجبن والبُخل، وأعوذُ بِكَ من غلَبةِ الدين وقهرِ الرجال، قال أبو أمامه: ففعلتُ ذلك، فأذهبَ الله همّي وقضى عني ديني، فبدلَ اللجوء الى المُهدئات والمسكنات والمفرحات لغير ضرورة يلجئ الى هذه الأذكار العظيمة النافعة المجربة التي فيها الثواب الجزيل والخير في الدنيا والأخرةويا من همّكَ الهمّ ونالَ منك، أعلم أن ذكر الحبيبِ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه سبَبٌ في الأنسِ وكفاية الهمّ ، وأنعم بالصلاة على الرسول من مُفرحة للقلب تنزل الطمئنية بها على القلوب وتنشرح بها الصدور؛ فقد قال رجل للنبيّ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن جعلتُ صلاتي كلّها عليك أي: أصرف بصلاتي عليك جميعَ الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي، قال:إذن يَكفيكَ اللهُ تبارك وتعالى ما أهمّكَ من دُنياكَ وآخرتكَ. فأكثر أيّها المهموم من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذ أمور الدنيا بأسهل ما يكون وليكن همّكَ لآخرتكَ ونجاتك يوم القيامة، اللهمَّ أذهب الهمّ وفَرِجْ الكرب واقض الدين وارحم فأنتَ خيرُ الراحمين.