العقل السليم شاهد للشرع

إن من أعظم النعَم التي أكرمنا الله بها نعمة العقل الذي أعطانا الله إياه لنمتازَ به عن الحيوانات العجماوات و عن الجمادات الصلبة، فبالعقل يميزُ الإنسان بين الأمور حسنها وسيئها، وبالعقل يُكلَّفُ المرءُ المسلم بتكاليف العبادات فمن بلغ ولا يعقل لايكلف بشىء من العبادات ومرفوع عنه القلم، و بالعقل يتوصل المرء لمعرِفُة  الله خالقِه سبحانه وتعالى، ذَلكمُ العقل الذي يُميزُ الإنسان به بينَ الخير والشر، والهدى والضلالة، إذا إستعَملهُ الإنسان سببًا في سلوك طريق الهدى، والبعد عن موارد الردى، هو العقل الذي يُعدُّ نعمة عظمى، أمتنَ الله بها علينا، قال الله تعالى:(( قُلْ هُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ))، ومن تأملَ حكمة الله تبارك وتعالى في أن يكون الطفل الوليد بلا عقل لأدركَ أثرَ هذه النعمة عليه حينما يوهب شيئًا بعدما مُنِع منه، ليكون الإحساسُ به أشدّ وقعًا، وأجدى نفعًا، قال تعالى:(( وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))، فالعقل ضرورة كبرى من خلال إستعماله في طاعة الله سبحانه واعتقاد دين الإسلام به، والإمتناع عن عن ما يفسده فيفسد المرء نفسه ومجتمعه، فلأجلِ ذا حُرِّمَ كل ما من شأنه أن يكونَ سببًا في زواله أو تضيعه أو تعطيله، كشراب المسكرات والمخدرات ونحوها لما فيها من خطر بسبب تعطيل العقل وتضيعه، ثم إنّ العقل السليم المنور ، هو ذلكم العقل الذي تجردَ عن الهوى، وخَلصَ من التقليدِ الأعمى، فلم يتأثر بالآراء والأفكار المنحرفة التي تدفعهُ للوقوع في الزيغ والضلال، كما أنهُ لم يُعطّل قواهُ بإتباع أعمى، فينجرّ به على انحراف ذريعٍ وزيغ مزيفٍ واهواء باطلة، هذا هو العقلُ السليم، وأما الذين كبّلوا عقولهم وعطلوها عن موارد الخير والحكمة و العلم الصافي، فلم يستعملوا هذه النعمة في معرفة الخالق وتوحيده ومعرفة صفات الله تعالى وعبادته،بل حركوا عقولهم في الدنيا فصنعوا الصناعات الباهرة وأنجزوا بفكرهم صناعات ضخمة ودقيقة وتحتاج إلى إستخدام العقول والفكر والذكاء، غير أنهم عطلوا هذه العقول في قضية الإيمان التى هي أهم وأعظم قضية في حياة الإنسان، فأنك ترى من يصل إلى أعلى المراكز الدنيوية من نيل الشهادات العالية وعمل الإنجازات الضخمة المبهرة ومع ذلك منهم من يُنكِرُ وجودَ الله تعالى أو يشرك بالله ويعمل ما تمجُه العقول السليمة من الأعمال الدنية الرذيلة التى لايقرها دين ولا عقل، فاولئك لم يستعملوا هذه النّعمة في ما هو أهم الأمور، و هو الإيمان بالله وأداء ما أمر والبعد عمّا نهى الله عنه فمثل هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: (( إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ)). ولأجل ذلكَ كان جواب أمثال هؤلاء يومَ القيامة، (( وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ))، وماجاءت به الكُتبُ المنزّلة وما أخبرَ به الرُسل الكرام لايخالف العقل السليم ولايعارضُهُ بل كل ما جاءَ في الشرع موافقٌ للعقل السليم، فاعتقادنا أنّ الله تعالى يستحيلُ عليه الشريك والشبيهُ والمثيل والمكان وكُل صفاتِ الخلق هو مما يَشهدُ به العقل والفكرُ الصحيح ، والإيقان بوجود الله تعالى وأنه خالق كل شيء يشهدُ لذلك العقل السليم أيضاً، فالعقلُ السليم يَشهد أنهُ ما من ضَربةٍ إلا ولها ضاربٍ وما من كتابةٍ إلا ولها كاتب وهذا العالم بما فيه من غرائبَ وعجائبَ ونظام ومخلوقات لابد له من خالقِ وهو الله العظيم الذي خلقَ جميع الخلائق بقدرتهِ، والعقل يشهدُ بالحس أن هذه الخلائق لها بداية، فالواحد منّا يَعرفُ أن له وقتٌ وجِدَ فيه كان قبله معدوم الوجود وأنّ المعدوم بالأصل لايمنعُ أن يعود إلى حالةِ العدم بعد الوجود فكان من ضرورة العقل أن يُقال العبد المخلوق له بداية ونهاية، والله تعالى الخالق القدير لابداية لوجوده ولانهاية لوجوده، هكذا يشهدُ العقل السليم والفطرة، فالمسلمون إعتقادهُم أنّ العقل شاهدٌ للشرع إذ أنّ الشرع لم يأتي إلا بمجوزاتِ العقول ومع ذلكَ هناك أحكامٌ شرعية نعتقدها ونطبقها ولانُدْخِلُ فيها عقولنا وآراءنا لأننّا نجزمُ أنّ فيها الحكمة والمصلحة وإن لم تَضح وتظهر لنا هذه الحكم ومن هنا يرددُ الناس المقولةَ التى تنسب إلى الإمام علي رضي الله عنه: (( لو كانَ الدينُ بالرأي لكانَ مَسحُ الخُفِ من أسفلِه لامن أعلاه )) لأن الخُفَ وهو ما يُلبَسُ في الرِجل لو أرادَ الشخصُ أن يمَسحَ عليه بشروط مُقررة في الشرع يكونُ من الأعلى ولوعمدِنا للفكرِ لكانَّ من الأسفل حيثُ يتأثرُ بالمشي ولكنَّ الوارد عن النبي وسنته المسح من الأسفل فلا دَخل للعقل في الدخول في مثلِ هذا. وينبغي في هذه العجالة المختصره أن أنبِهَ القُراء أنّ العقل صفةٌ راسخةٌ في البشر ولايجوزُ أن يوصفَ الله تعالى بها كما يتسرعُ ولايتورع بعض من يسمونهم كُتاباً إسلامين وينسبونَ هذه اللفظةَ الخاصةَ بالبشر إلى الله تعالى وهذا مذكورٌ في كُتب سيد قطب فقد سمى الله تعالى: (( العقل المدبر )) وهذه العبارة لا يستعلمها المسلمون في حق الله تعالى بل هذا مخالف لأصول الشريعة التي منها أن الله لايوصفُ بصفات البشر عملاً بالآية القرآنية: (( ليس كمثله شيء )) ومخالفٌ للغة العرب التي لا يُمكن فيها إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، والله تعالى أعلم وأحكم.