إثبات عذاب القبر وعَود الروح إلى الجسد

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين أما بعد .

 أعلم رحمنا الله وإياك أن من معاني الشهادة الثانية أي أشهد أن محمداً رسول الله أن يُصدق الإنسان بعذاب القبر ونعيمه وسؤالُ الملكين منكر ونكير عليهما السلام، فمن أنكرَ عذاب القبر كذبَّ القرءان ومن كذبَّ القرءان كفر ، فهذه الآية فيها إثباتُ عذاب القبر وهي صريحةٌ لأنَّ الله تعالى قال: (( ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ))، معناه أنَّ ءال فرعون أي أتباعه الذين اتبعوه على الكفر والشرك يعرضونَ على النار في البرزخ أي في مدة القبر والبرزخُ ما بين الموت إلى البعث يُعرضون على النار عرضاً من غير أن يدخُلوها حتى يمتلئوا رُعباً أولَ النهار مرة وءاخرَ النّهار مرة ووقت الغداة من الصبح إلى الضحى وأما العشيّ فهو وقتُ العصر ءاخر النهار ويوم تقوم الساعة أي يقالُ للملائكة أدخلوا ءالَ فرعونَ أشدَّ العذاب وءالُ فرعون هم الذين عبدوه واتبعوهُ في أحكامهِ الجائرة ليس معناهُ أقاربهُ، ثم هناكَ ءاية أخرى تُثبتُ عذاب القبر؛ فقد قالَ عز وجّل :(( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ )). المعنى أنّ الذين أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى وكفروا بالله العظيم إذا ماتوا يتعذبون في قبورهم وليس المرادُ بـ (معيشةٍ ضنكا) معيشةٌ قبلَ الموت إنما المرادُ حالهم في البرزخ، وكلمة ( ذكري ) هنا معناها الإيمان بالله سبحانه وبالرسول ليس المراد بها الذكر المعروف وهو قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ونحو ذلك. وهذه الآية عُرفَ أنّ المراد منها عذاب القبر من الحديث المرفوع إلى النبي الذي فسر هذه الآية: ( معيشة ضنكا ) بعذابِ القبر رواه ابنُ حبان، وفي هذا دليل أيضاً على أن الميت في القبر بعد عودة الروح إليه يكون له إحساس بالعذاب إن كان من المعذبين للكفر أو للمعاصي الكبائر . وقد قال الرسول صلى الله وسلم : (( القبرُ إما حُفرَةٌ من حُفَرِ النّار أو روضةٌ من رياضِ الجنَة )) ، ولنرجع قليلاً إلى الآيتين السابقتين فيتبين أنهما واردتان في عذاب القبر لكل الكفار أما العصاة المسلمون من أهل الكبائر الذين ماتوا قبل التوبة فهم صنفان : صنف يعفيهم الله من عذاب القبر وصنف يعذبهم ثم ينقطع عنهم ويُؤخّر لهم بقية عذابهم إلى الآخرة. وليعلم أنه لا يقال إن الميت إذا كان يرى في القبر في هيئة النائم ولا يُرى عليه شيء من الاضطرابات ولا يصرخ فإذاً هو ليس في عذاب؛ فقد قال بعد الفقهاء :(( عدمُ الوجدانِ لا يَستَلزِمُ عدمَ الوجود )) فإذا نحنُ لم نرى الشيء بأعيننا فليس معناه أن هذا الشيء ليس موجوداً ؛ فكثير من الأمور أخفاها الله عنّا وبعضها يكشفها الله لبعض عباده .

تأكد عذاب القبر بسبب الغيبة وعدم اللإستنـزاه من البول

 روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن ابن عباس مرّ رسول الله على قبرين فقال: (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم قال بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستًـتِرُ من البول )) ثم دعا بعسيبٍ رطب وهو غصنُ نخلٍ أخضر فشَقَهُ إثنين فغرسَ على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: (( لعلهُ ُيخفَفُ عنهُما )) فهذا الحديث بعدَ كتاب الله حُجّة في إثبات عذاب القبر، الرسولُ مرَ على قبرين فقال: ((إنهُمَا ليُعذبَانِ وما يُعذبَان في كبيرٍ إثمٍ )) ثم قال: (( بلىَ )). أي بحسبِ ما يرىَ النّاس ليس ذنبهما شيئاً كبيراً لكنهُ في الحقيقة ذنبٌ كبير لذلك قال: بلىَ أما أحدُهما فكانَ يمشي بالنميمة وهي نقل الكلام بينَ اثنينِ للإفساد بينهما، يقول لهذا فلانٌ قال عنكَ كذا ويقول للآخر: فلانٌ قال عنك كذا ليوقعَ بينهما الشحناء، وأما الآخر فكانَ لا يَستنْـزِهُ من البول أي كانَ يتلوثُ بالبول وهذا الفعل تلويث لبدن بالبول من المحرمات الكبائر فقد قال عليه الصلاة والسلام: إستَنْـزِهُوا من البولِ فإنّ عامةَ عذاب القبر منه، ومعناه : تحفظوا من البول لئلا يلوثكم ، معناه لا تلوثوا ثيابكم وجلدكم به لأن أكثرَ عذاب القبر منه. هذان الأمران بحسب ما يراهُ الناس ليسا ذنباً كبيراً لكنهُما في الحقيقة عند الله ذنبٌ كبير ، فالرسول رءاهما بحالةٍ شديدة وأنهما يُعذبان وليس من شرط العذاب أن تمسَّ جسده النار ، الله جعل عذاباً كثيراً غير النار في القبر، الرسول رأى ذلك وبعض المؤمنين الصالحين يرون ذلك ويرون النعيم والأدلة كثيرة نذكر منها حديث رواه ابن حبان أن التقي بعد سؤال منكر ونكير عليهما السلام قال الرسول:( ثم يُفسحُ لهُ في قبرهِ سبعونَ ذراعاً في سبعين ذراعاً ). والذراعُ الشرعي من رءوس الأصابع إلى المرفق، حوالي نصف متر وينور له فيه ويقال له: نمْ كنومِ العروسِ الذي لا يوقظهُ إلا أحبُّ أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، كذلك التقي يشمُ من رائحة الجنة ويرى مقعده من الجنة الذي يتبوءه بعد الحساب وذلك أنّ روحه تؤخذ إلى مكان قرب الجنة فيرى مقعده فيعرف فضل الإسلام حين ذلك معرفة عيانية كما كان يعرف في الدنيا معرفة يقينية قلبية . وبعض المتقين يزيدُ في النعيم بأن يُوسَّع قبره مدَّ البصر كما حصل للصاحبي الجليل العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه الذي كان من أكابر الأولياء لما نبشوا قبره بعد دفنه في أرض مسبعة أي يكثر فيها السباع لينقلوه إلى مكان أخر وجدوا قبره يتلاطمُ بالأنوار ، كذلك من النعيم يأتيه من نسيم الجنة لما يُفتح له في قبره بابٌ إلى الجنة كذلك يُملأ قبرهُ خُضرَةً أي يوضع في قبره من نباتُ الجنة الأخضر وهذا النعيم كله حقيقي ليس وهماً ولا خيالاً المسملون يؤمنون بذلك لإخبار نبيهم بذلك، لكن الله يحجب ذلكَ عن أبصار الناس أي أكثرهم، أما أهل الخصوصية من عباد الله الكاملين فيشاهدون. والحكمة في إخفاء الله حقائق أمور القبر وأمور الآخرة ليكون إيمانُ العباد إيماناً بالغيبِ فيعظم ثوابهم، وقد ورد: ( ما رأيتُ منظراً إلا والقبرُ أفظعُ منه )،

عود الروح إلى الجسد في القبر

 واعلم أنه ثبتَ في الأخبار الصحيحة عود الروح إلى الجسد في القبر كحديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الحاكم وأبو عوانه، وفيه ويُعادُ الروح إلى جسده. وأما حديث ابن عباس مرفوعاً :(( ما من أحدٍ يمرُ بقبرِ أخيهِ المؤمن كانَ يعرفهُ في الدُنيا فيُسَلمُ عليه إلا عَرَفَهُ وردَ عليهِ السلام )) رواهُ ابن عبد البر وعبد الحق الإشبيلي وصححه. ونحنُ نؤمن بما ورد في هذا الحديث ولو لم نكن نسمعُ ردّ السلام من الميت لأنَّ اللهَ حجَبَ عنّا ذلك ويتأكد عودُ الحياة في القبر إلى الجسد مزيد التأكد في حق الأنبياء فإنه وردَ من حديث أنسٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام : (( الأنبياءُ أحياءٌ في قبورِهم يُصلون )) رواه البيهقي .

 فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ذكر فتَّاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أتردُ علينا عقولنا يا رسول الله قال: (( نعمْ كهيئَتِكُمُ اليومَ )) قال : فبفِيه الحجر أي سكت، ومعنى الفتَّان الممتَحِنْ ، منكرٌ ونكير سُمّيا بذلك لأنهما يَمتَحِنَانِ الناسَ ولأنهما مخوفَانِ فقد ورد في الحديث الذي رواه ابنُ حبان أنَّ الرسول قال: (( إذا قُبرَ الميتُ أو الإنسان أتاهُ ملكانِ أسودانِ أزرقانِ يقالُ لأحدِهما مُنْكَرٌ وللآخرِ نَكيرٌ فيقولانِ لهُ ما كُنتَ تَقولُ في هذاَ الرجلِ مُحمَد )) ... الحديث ، وقول عمر رضي الله عنه : أتردُ علينا عقولنا يعني السؤال فقال له الرسول : (( نعم كهيئتكم اليوم )) أي يكون الجواب من الجسم مع الروح فقال عمر : فبفيه الحجر ، أي ذاك الخبر الذي لم أكن أعرفهُ وسكت وانقطع عن الكلام معناه ليس له حُجّة على ما كان يظن ، هو كانَّ يظنُ أنه لا تُرَدُ عليهم عقولهم فلما قال له الرسول بأنه تُرد عليهم عقولهم عرفَ خطأ ظنّه. واعلم يا عبدَ الله أنهُ بعدَ دفنِ الإنسان يأتيه ملكانِ أسودانِ أزرقانِ أي لونهمَا ليس من السواد الخالص بل من الأسودِ الممزوج بالزُرقَةِ وهذا أخوفُ ما يكونُ من الألوان حتى يَفزع الكافر منهما، أما المؤمن التقي لا يخافُ منهما، اللهُ تعالى يثبتهُ يُلهمُه الثبات وهما لا ينظران إليه نظرةَ غضب. أما الكافر يرتاعُ منهما وقد سميا منكراً ونكيراً لأن الذي يراهُما يَفزَعُ منهما وهما اثنان أو يكون هناك جماعة كل واحد منهما يسمى منكراً وجماعة كل واحد منهما يسمى نكيراً، فيأتي إلى كل ميت اثنان منهم واحد من هذا الفريق وواحد من الفريق الآخر. وليُعلم أنّ مُنكِر سؤالُ الملكين منكر ونكير عناداً كافر مخالفٌ لكتاب الله وحديث رسول الله .

 أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، حافظوا على طاعةِ ربّكم، استقيموا على إسلامِكم، كونوا واثقين بإيمانِكم، ليكن الإيمان صادقًا، وليكن العمل صالِحًا، فالإيمان الخالِص لله عن صدقٍ ويقين هو الذي ينفَع صاحبَه، فأخلِصوا لله أعمالَكم، وحافِظوا على طاعة ربّكم، وأدّوا فرائضَ الله، واجتنِبوا محارمَه لعلّكم تفلحون، فلا يُنجي العبدَ من تلك الأهوال إلا أعمالُه الصالحة التي أخلصَها لله، اتقِ يا أخِي محارمَ الله، اتَّق ظلمَ العباد، اتَّق أكلَ أموالِهم بالباطل، اتقِ محارمَ الله، وحافِظ على طاعةِ ربّك، واستقِم عليها، عسى أن تكونَ من الفائزين، وتذكَّر الموتَ وما بعدَه، فهو خيرُ واعظ لقلبِك يا أيّها المؤمن، يعظك لكي تستقيمَ على طاعة ربّك، وتسعى في خلاصك ونجاتك، (( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ / إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )). في قبرِك تفارِق الأهلَ والمال والولدَ، وتبقَى في هذا القبرِ وحيدًا، فإن تَكن الأعمال صالحةً ازددتَ بها أُنسًا وسرورًا، وفرِحت بها واستبشرتَ بها، وتمنّيتَ المزيدَ لو تُمكَّن من ذلك، وإن يكن العمل سيّئًا انضاف إلى حزنِك وضيق مكانِك ما الله به عليم ، فلِلَّه كم في هذه القبور من أهوال، كم من منعَّمٍ فيها سعيدٍ مطمئنّ، وكم من شقيٍّ فيها معذَّب، كم من سعيدٍ فيها بأعماله الصالحة التي تجري عليه بعدَ موته، وكم من متألّم من أوزارٍ تحمّلها، ومظالمَ للعباد تحمَّلها، وأموالٍ حرام أكلَها، ومحرَّمات انتهَكَها، فهو اليومَ يعاني من آلامِ تلك المخالفَات ، فلنتَّقِ اللهَ في أنفسِنا، ولنتدبَّر واقعَنا، عسى الله أن يفتَح على قلوبِنا، ويبصِّرَنا في أنفسِنا، ويجعلَنا ممَّن يسارع إلى فعل الخيرات، إنّه على كل شيء قدير. الله يثبتنا عند سؤال الملكين بجاه سيد الكونين سيدنا محمد وبجاه المرسلين والملائكة المقربين والأولياء والصالحين .

وأني سائلاً مسلم قراءَ مقالتى أن يقراء الفاتحة ويترحم على أموات المسلمين.آمين