الله النور الهادي

كلمة النور تكررَ ذكرُها في القرءان الكريم في عدت آيات متنوعة ومعاني مختلفة ومواضيعَ كثيرة جاءت على معنى المخلوق الحِسي المُشاهد كنورِ الشمس والقمر والفجر ونحوه، كما في قوله تعالى:(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ))، دَلت الأيةُ على أنَّ الله تعالى خَلقَ النور والظلام وكان قبلَ خلقهما، وأنهما مخلوقان مُحدثان لهما بداية ولهما حجم وكمية ومقدار قدره الله تعالى، وجاءَ ذِكرُ النور أيضاً في القرءان العظيم على معنى الهداية التى جاءَ بها الأنبياء للناس من كلام الله تعالى والشرائع المنزلة قال الله تعالى: ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ))، أي من ظلمات الكفر والفجور والضلال والشرك إلى نور الإيمان والهداية والرشاد والتوحيد قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))، وقال الله تعالى:(( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ))، وجاءَ في الأحاديث الشريفة الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم تسميةُ الصلاة بالنور ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { الصَلاةُ نور، والصَدَقةُ بُرهان، والصَبرُ ضِياء...} وكذلك جاءَ في دُعائه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجودِه: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي لِسَانِي نُورًا وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا وَمِنْ أَمَامِي نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا اللَّهُمَّ وَأَعْظِمْ لِي نُورًا )،والنورُ في كلام العرب كما يُراد به الأضواء المدركة بالبصر أستعُمل النور مجازاً فيما صح من المعاني; فيقال منه: كلامٌ له نور، ورجلٌ منـور، وذهنٌ منور، وطريقٌ منَور، ومنه: الكتابُ المُنير، ومنه أيضاً قولُ الشاعر:

نَسَبٌ كأنَّ عليهِ منْ شَمسِ الضُحا            نورا ومن فَلقِ الصبَاح عَموداَ

والناسُ يقولون: فلانٌ نورُ البلد ، وشمسُ العصر، وجاءَ تسمية الله تعالى بالنور كما في الأسماء الحسنى على معنى الهادي أو على معنى الُمنير أي خالقُ النور في السموات والأرض إذ أنَّ الله تعالى خلق في السموات ضوءً شديداً كما في الجنة التى وصفها النبي أنها نورٌ يتلألأ، ولايجوز حمله وتفسيره على معنى الضوء الذي له صفةُ الجسم واللون والحجم في حق الله تعالى، فالله تعالى منزهٌ عن ذلك كله، وهو سبحانه وتعالى ليس نوراً بمعنى الضوء فالأضواء مدركةٌ مخلوقة فيها صفةُ اللون والجسم والكمية والشكل والكثافة واللون، والله تعالى لايشبهُ شىء قال الله تعالى:((ليسَ كمثلِهِ شَىء ))، وقد أدعتْ فرقةٌ من المُشَبهة أنَّ الله تعالى نورٌ بمعنى الضوء والعياذ بالله من الكفر والضلال، فالضوءُ مهما قيلَ فيه فلهُ صفة اللون والكمية والشكل، تعالى الله عمّا يقولُ الظالمون علواً كبيرا، وهذا كُلهُ مُحُالٌ على الله تعالى عقلاً ونقلاً وشرعاً على ما نصَّ عليه عُلماء المسلمين قاطبةً، ويروىَ عن الإمام التقي الصالح عبد القادر الجيلاني المعروف بصلاحه أنهُ حصلَ معهُ حادثة فيها العبرة والعظة وهي أنه على ما يروى أنه كان يُصلي في الليل في غرفة فإذا بنورٍ عظيم يملأ المكانَ ويبهرُ البَصَر وصار يصدر من النور صوتٌ يخاطبُ الشيخ عبد القادر بصوتٍ رخيم قائلاً: يا عبدي يا عبدَ القادر أحللَتُ لكَ المُحرمات ورفعتُ عنكَ الفرائض!! فما كانَ من الشيخ عبد القادر إلا أن قال لهذا الهاتف خَسِئتَ يا أبليس!!  فتلاشى الضوء وأنطفأ ثم هذا الهاتف خاطب الشيخ عبد القادر قائلاً يا عبد القادر كيف عرفتني وقد أغويتُ بذلك كثيراً من قبلكَ ؟ فقالَ الشيخ عبد القادر عرفتُكَ بعلمي أي أنا تعلمتُ أنَّ الله لايُشبهُ شىء وأنتَ ضوء ولكَ لون وهيئة و تكلمني بصوت وهذه صفة المخلوق لا الخالق!!! فعرفتُ أنكَ الشيطان تريدُ أن توقعني بالكفر والتشبيه !! ولأني عَلمتُ من القرآن أنَّ الله تعالى لا يُشبههُ شيء فنجوةَ من فتنتك بعلمي!! وهذهِ القصةُ فيها العبرة على أهمية تعلم معني آيات القرآن وفهمه على الصواب مثل فهم معنى كلمة النور في القرآن الكريم، وقد يُشكِلُ على البعض الآية التى في سورة النور وهي قول الله تعالى:(( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))، ظنَّ البعض أنَّ معناها أنَّ الله تعالى نورٌ بمعنى الضوء وهذا من قبيحِ القول في حق الله تعالى !! كيف يُقال هوَ نورٌ بمعنى الضَوء وهو خالقُ الضوء والنـور في السموات والأرض إنمّا المعني الحقيقي للآية كما فسرها حِبرُ الأمة وترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس إبن عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: النور بمعنى الهداية أي أنَّ الله تعالى هادي أهلَ السماء وهم الملائكة وهادي بعض أهل الأرض كالأنس والجن أنتهى كلامُ ابن عباس، والإيمان يسمى بالنور وهذا ظاهرٌ في سياق الآية في قوله تعالى:(( يهدي الله لنوره من يشآء ))، أي يوفِقِ الله للإيمان من يشآء من الجّن والإنس، وذكرَ بعضُ أهل التفسير للآية معنى آخر وهو النور بمعني ( المنِير ) أيّ المنورُ، الله تعالى نـوّرَّ السموات بنورٍ خَلقهُ الله فيها ونـوّرَ الأرض بنور النّهارِ كالشمس والقمر والنّجوم وكِلا التفسيرين صحيحٌ منقولٌ عن العلماء الثقات، وذِكْرُ المصباح والمشكاةِ في الآية تشبيهٌ على صفاءِ نور الإيمان في قلوبِ من هداهم الله لهذا النور، ما أحوجَنا إلى هذا النور، نورِ الهداية والحق قال الله تعالى:(( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ))، نعوذُ بالله أن ينطفئَ نورنا ونعوذ بالله من ظلمة وغفلة في القلب، اللهم نوِّر قلوبَنا بنورِ الإيمان والحقِ والرشادِ والقرآن يا أرحمَ الراحمين .