التوكل على الله

إنّ من الفتن والنوازل المتلاحقة في أيامنا ما تكاد تطير لها القلوب هَلعًا وجَزعًا، وتنفطرُ لها الأكباد هماً وغماً وكرباًوحزناً، فتنٌ تجعلُ الحليمَ حيران !! هذه الفتن والنوازل والمصائب تحتاج منا إلى مزيد من الصبر والتذكير بالتوكل على الله تعالى الذي بيده الأمر كله سبحانه وتعالى، فإنَّ الله لا يبتلي صفوة عباده إلا لحكمة يعلمها، قال الله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا )). وإذا علمَ المؤمن هذه الحقيقة فإنه لا تتغير ثوابته لمحنةٍ مزلزلة أو حادثة مدوية أو مصيبة محزنةٍ بل يبقى راسخا  متمسكا بدين الله ذاكرا لله بل يحَسنُ الظنَّ بالله ويتوكل عليه سبحانه وتعالى، فإنَّ اللهَ ناصرُ عبده ومتولٍ أمر عباده وهو المدبر لجميع الخلق والله هو الذي يعين على المصائب والنوازل ، فعباد الله الصادقون هم الذين يتوكلونَ على الله في مثل هذه الأزمات، قال الله تعالى:(( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ))، أولئك لا تروعَهم الخطوب وإن عظمت، ولا تزعزعَهُم المصائب وإن كَبُرَت، ولايحركون ألسنتهم إلا بما يرضى الله تعالى، فيعملون بطاعته وهم يعلمونَ أنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين بل يدخرُ الله لهم من الأجر والثواب في الآخرة ما وعدَّ به عباده الصابرين.  وإن حُسنَ التوكل على الله في الأزمات يجعل العبد يتدبّر الآيات ويتبحر في المواقف، فلا يفرح بما أوتي ولا ييأس على ما فاته، فهو يعلم أنه لن يُصيبه إلا ما كتبَ الله له قال الله تعالى:(( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ))، فلا يتكلم إلا بما يرضى الله ولايتسخط ولا يمل بل يَكلُ الأمر إلى الله ويصبر،  لإنّ التوكّل من أجملّ صفات المؤمنين وأرفع درجات السالكين وأعلى مقامات العابدين، قال تعالى:(( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، وكان مقدمة هؤلاء المؤمنين حقًا والمتوكلين صدقا الأنبياءُ والرسل الذين كان حالهم التوكل على الله والثقة بالله تعالى والتسليم لقضائه. والتوكل على الله هو ثقة القلب بالله أنه لانافع و لاضار على الحقيقة إلا الله تعالى، وحقيقة التوكل هو صدق إعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلّها، وتفويض الأمور كلها إليه، والإيمان بأنه لا يُعطي ولا يَمنعُ ولا يضرُ ولا ينفعُ سواه. والتوكل على الله لايُنافي الأخذ بأسباب الحياة ولكن مع اليقين بالله تعالى أنه خالق كل شىء ومدبر للمخلوقين جميعاً فمن كان التوكل في قلبه هانت عليه المصائب والنوائب وجعل الله له من كل هم فرجاً ومن بعد ضيق يُسرا فما أحوجنا إلى التوكل على الله في الأزمات؛ لتتحوّل المصائب إلى مِنَح، وبلايانا إلى حسنات وعطايا، فيجعل الله بعد العُسر يُسرا، وبعد الشدة رخاء وفرجا، اللهم ثبتنا في المحّن واحفظ علينا ديننا وارحمنا برحمتك يا أرحمَ الراحمين . وقد قيل في ذلك:

 

يـا صاحبَ الهـمّ إنَّ الهَمَّ مُنفَرجٌ       أبشـر بِخيْر فإنَّ الفَـارج الله
إذا ابتليـت فثق باللهِ وارضَ بـه       إنَّ الذي يَكشفُ البَلوى هوَ الله
اليـأس يقطعُ أحيـانًا بصـاحبهِ       لا تيـأسنَّ فـإنَّ الكـافيَّ اللهُ
اللَّهُ حسبُـك مِمَّا عذت منه بـه        وأيـنَ أنـتَ ممن حسبـهُ اللهُ
واللَّه مـا لكَ غيْر الله من أحـد        فحسبكَ اللهُ فِي كـلّ لكَ الله

وما أجملَ كلمة المؤمن عند البلايا " حسبيَ الله ونعمَ الوكيل"، أي اللهُ يكفينى ما أهمَني ونعمَ الكافي الله، اللهمَّ يا فارجَ الهمّ وكاشف الغمِّ وناصرَ المظلوم إجعل لنا في أمرنا فرجاً وبدل عسرنا يُسرا إنكَ على كل شىء قدير، اللهمَّ ثبتنا في المِحن واحفظ علينا ديننا وارحمنا برحمتك يا أرحمَ الراحمين .