المراقبة لله

إنَّ من العقيدة الإسلامية الإعتقاد أنَّ الله تبارك وتعالى موصوف بصفة العلم، وعِلمُ الله تعالى ليسَ كعلم الخَلق بل عِلمُه سبحانه وتعالى ليس لهُ بداية ولا نهاية ولايَخفى عليه شيء، ولما تَكرر في القرآن الكريم كثيراً من صفات الله تعالى و منها العلم كان على المتدَبِر في القرآن أن يَزدادَ تعظيمهُ لله تعالى وأن تشتَدَّ مُراقبتهُ لله بحيث يكون على ذكرٍ دائم أنَّ الله تعالى يَعلمُ بِنَا أينّما كُنا ولا يخفى عليه شىءٌ في الأرضِ ولا في السماء، فَحَريٌ بمنْ ذَكَرَ أنَّ اللهَ تعالى يَعلمُ به أن يَستَحي منَ اللهِ تعالى فلا يَقترف ما لا يُرضى الله العالم به المطلع عليه، والذي لايَغيبُ عن علمهِ شىء في الأرض ولا في السماء، وتأمل قولَ الله تعالى في القرآن الكريم:(( إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً )). وسِعَ أي أحاطَ بكل شىءٍ علما فهو سبحانه وتعالى يَعلمُ ما تُسِرونَ وما تُعلنون، ويَعلمُ وأنتّم لا تَعلمون، واللهُ يَعلمُ المفسِدَ منَ اُلمصلِح، ويَعلمُ ما في أنفُسِكم وما في السمّواتِ وما في الأرض، واللهُ أعلم ُبالذينَ جاهدوا منكم ويعلمُ الصابرين، ويعلمُ تبارك وتعالى من يخافهُ بالغيب، ويعلمُ جلَّ جَلالهُ ما تُبدونَ وما تَكتُمون، ويَعلمُ اللهُ سِركم وجَهرَكُم ويَعلمُ مَا تَكسِبونَ، ويَعلمُ ما في البَّرِ والبَحرِ ويَعلمُ ما جَرَحْتُمّ بالنّهار ومَا عمِلتُم بالليل، ويَعلمُ ما تحمِلُ كُلُ أنثى وما تَغِيضُ الأرحام ومَا تزَدَاد، ويَعلمُ ما تَكسِبُ كلُ نَفسٍ، ويَعلمُ اللهُ ما تُكِنْ صدورهم وما يُعلنون، ويَعلمُ اللهُ مَا يَلجُ في الأرض وما يخرجُ منها، ويَعلمُ ربنا عز وجّل خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدُور، ويَعلم  الله مُتقلبكم ومثواكم ويعلم السرَ وأخفى، وما تفعلوا من خيرٍ يَعلمُهُ الله، وما أنْفَقتُم من نَفقةٍ أو نَذرتم من نَذرٍ فإنَّ اللهَ يَعلمُه، أحَاطَ بكلِ شىءٍ علما وأحصىَ كلَ شىءٍ عَدَدا، لا تَتَحرَكُ ذَرةٌ إلاّ بعلِمهِ، قالَ اللهُ تعالى:(( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ ))، تَأمل في بَعضِ مَعاني هذهِ الآية، الله الله ما أعظمَ قُدرةَ اللهِ، وما أجلَّ صفاتِ الله سبحانه وتعالى، ما تَسقطُ من وَرقةٍ إلا يَعلمُها..!،كلُ شجرةٍ وكلُ نباتٍ في الكون كُلهُ في بطونِ الأوديةِ وأعالي الجبالِ وفي عُمقِ الصَحاري في ليلٍ أو نهارٍ، لو أسقطت ورقة عَلمِهَا  الله عز وجل، بل أعظمُ من هذا !!، قال الله "إلاّ في كِتَابٍ مُبين":أي أنه كَتبَ بقدرته تعالى في اللوحِ المحفوظ قبلَ أن يخَلقَ السماوات والأرض، كتبَ أي أمرَ الملائكةَ أنَّ تَكتُب ما جرىَ في علمِه في اللوحِ المحفوظ وما يجري من حركاتٍ وسكناتٍ في هذا الكون الكبير، كتبَ القلمُ بقدرةِ الله الذي خَلقه كتبَ أنهُ سَتَسقُطُ ورقةٌ من تِلكَ الشَجرة في ظلماتِ الليل، في تلكَ البُقعَةِ من الأرض، وهوَ بعد لم يُخلَق الشجرة، بل لم يُخلق الأرض كلها، لا إلهَ إلاّ هوَ وسِعَ كل شيءٍ عِلماً!!. عِلمُ اللهُ لايَتجدد ولايتطور ولا يَطرءُ عليه إنقِطاع بل اللهُ عَلِمَ الأشياءَ قبل أن تحصل بعلمِه الأزلي الذي لا بدايةَ له وكما قال سيدنا الإمام عليّ رضي الله عنه وكرمَّ وجهُ: إنَّ الله عِلمُ ما كانَ و ما لايَكونُ أنْ لو كانَ كَيفَ كانَ يَكونُ بِعِلمٍ واحدٍ أزليٍ غيرَ حَادِثٍ، أي غير مخلوق رواه عنه السيوطي. ولما جَادلَ فرعون موسى عليه الصلاة والسلام عن القرون الأولى:(( قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلاْولَىٰ ))، قال الله إخباراً عن موسى عليه السلام:(( عِلْمُهَا عِندَ رَبّى فِى كِتَـٰبٍ لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى))، فالعبدُ المخلوق عِلمهُ محدود مُتَطور مُتَجَدِدْ مُتَحَصِلٌ من بَعدِ جَهلٍ وينسىِ العبدُ ما كانَ يَعلمُهُ، كثيرةٌ هيَّ الأمور التي يتعلمها العبدُ المخلوقُ ويحفظُها ويُتقِنُها، فإذا دَخَلَ مَرحلةَ الشَيخُوخَةِ، نَسيَ مُعظَمَها ومن البشر من يفقد كل الذاكرة بالخرف، قال الله تعالى: (( وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً))، لقد كَانَ هذا الإنسان في يومٍ من الأيام عالماً معلماً يُشار إليه بالبنان ويقصدُ ليتُعلمَّ منه، وإذا به يَنسى كثيراً ممّا كانَ يُعلِمُهُ ويحفَظهُ..، فصارَ لا يعلمُ ولا يَستَحضِرُ الكثير مما كان  يحفظ، هذا شأنُ المخلوق، ضعيف، مُعرضٌ للنسيانِ والجهلِ والقُصور والنقص، أمّا اللهُ تباركَ وتعالىَ منزهُ عن صفات الخلق سبحانه وتعالى،  منّ عَلِمَ ذلكَ قَويَّ في قَلبهِ المراقبةُ للهِ تَعالى أي دَوامُّ الخوفِ منَّ اللهِ وبدوامِ الخوف ِوذكرِ اللهِ يقوىَ حَياءُ المرءِ منَّ اللهِ تعالىَ وتَشتَدُ مُراقبَتهُ للهِ تعالى، وما أحوجّنَا إلى هذهِ المُراقبة! ما أحوَجنا إلى هذا الحال والخُلقِ العَظيم في حيَاتِنا حينَّ يَنطلقُ المسلم في بيتهِ وعمَلهِ وفي حِلّهِ وسَفَرهِ، في نهارهِ وليلهِ، وعنَّدَ وجود النّاس من حوله ِأو في الخلوةِ عنهم لا يُخيِفُهُ كاميراتُ مُراقبةٍ ولا عيونُ حُرّاسٍ ولا نَظراتُ أشخَاصٍ من أنّ يَفعَلَ ما لا يُرضى اللهَ تعالى، بل يَذكُرُ ويَتذَكْرُ دَائِماً أنَّ اللهَ مُطلع عَلينّا وأنهُ تَعالى سَيُحَاسِبُ النّاسَ يومَ القِيامَةِ على ما فَعلوا وما قَالوا فهوَّ تباركَ وتَعالى يَسمَعُهم ويَعلمُ بِهمّ هوَّ خَلقَهم تبارك وتعالى، يَقولُ اللهُ تعالى:(( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم))،، يَقولُ اللهُ تعالى مخُبرًِا عن إحاطةِ علمهِ بخلقهِ واطلاعهِ عليهم وسماعهِ كلامهم ورؤيتهِ مكانهم حيثُ ما كانوا وأينَ ما كانوا فيطلع عليهم، ويسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، وملائكته أيضًا مع ذلك تكتبُ ما يَتَناجَونَ بهِ وما يَتخَافَتونَ بهِ مع علمِ اللهِ تعالى به، وسمعهِ لهم من غيرِ أن يكونَ سَمعهُ وبَصرَهُ بآلةٍ وجارحَةٍ كالمخلوقين، بل اللهُ تعالى سميعٌ بَصيرٌ بغيرِ أُذنٍ ولا عَينٍ ولا آلةٍ بلْ سَمعُهُ ليسَ كسمعِنَا وبَصرُه ليسَ كبَصَرِنَا و هو اللهُ تَعالى الذي " ليسَ كمثلهِ شَىء وهوَّ السَميعُ البَصير"، إننّا في أمَسِ الحَاجِة إلى التوجيه والتَذكيرِ على هذا الأمر في حياتِنَا أولاً، وإلى دِراسَةِ وتَعَلم وتعليم أهلينا أسماء الله تعالى وصفاتهِ التى منها: الرقيب، الشهيد، المحيط، العليم، عالمُ الغَيبِ والشَهادةِ، والبيان أنَّ هذهِ الأسماء والصفات لا تُشبِهُ أسماء وصفَاتِ الخلق بل لها مَعاني تَليقُ باللهِ تَعالى، ومن عَرفَ هذهِ المعلومات إزدادَ تَعظِيمُهُ للهِ وازدَادَ خَشيةً للهِ تباركَ وتعالى. وهذهِ الأسماء والصفات هي في كتابِ اللهِ تعالى، ومنْ قَرأَ القُرآن ََمُتأمِلاً في هذهِ الأسماءِ ووقفَ عندَ كُلِ إسمٍ أو صِفَةٍ مُتفِكرًا مُتمـَعّنًا مُتعلِمَاً أدرَكَ ذَلِكَ بَيّنًا واضِحًا، وعَظَمَّ الله تعالى في قلبِهِ، وعَظّمَ أوامرَ اللهَ تَعالىَ في حَاله وزاده التوحيد والتنزيه نوراً في قلبه وخشية في جوارحه. وهذا هو العِلمُ بمعنىَ " لا إلهَ إلاّ الله" قال الله تعالى:(( فاعلمْ أنّهُ لا إلهَ إلاّ الله ))، أي إعلمْ مَعرِفَةَ اللهِ تعالى أنهُ موجود لا يُشبه الموجودات سُبحانَهُ وتَعالى، وبعدَ هذا فالمراقبةُ للهِ من واجبات القلب التى يَبنبغي مَعرفَتها، بالمراقبةِ يُعظِمُ العبدُ حُرمَاتِ اللهِ ويتجَنَب محَارم اللهِ وعلى قَدرِ عَظمةِ هذه ِالمنزلة في قَلبِ العبد يكون تَقواهُ للهِ أكثر فأكثر، فإذا أرادَ أن يَتكلّم بكلمَةٍ نَظرَ لماذا يُخرجها الآن...؟ وهل هي مرضيةٌ عندَ الله وهل يجوزُ له قولها ..؟ وما المصالحُ المترتَبةُ على إخراجها ؟ وهل هيَ في مَرضاةِ اللهِ أو سَخطهِ وغضَبِه ؟ وهل هيَ في مِيزانِ الحسناتِ أو ميزانِ السيئات؟ وهكذا كُلُ أعمَالهِ التي يَعمَلهُا يَنبغي أن يَنظُرَ لها بمثل هذا النظر والفِكر، وهذا هوَ العمل بمقتضى إسمِ اللهِ تعالى " الرَقِيب" وهوَ الحَافِظُ الذي لا يَغِيبُ عنهُ شَيءٌ، و منّ تحَقَقَ عِندهُ ذلك نَظرَ إلى الأعمال التي يعمَلهُا، فيصَحِحُ أولاً مقصدها والمراد منها ونيَتهُ فيها، ويخلصُ فيها لله ربِّ الأرض والسماء، فإذا صححَ نَظر البداية إهتمّ بالأداء وصححهُ على ما يوافقُ الشريعة من مُراعاة الأحكام وفقَ السُنة المطهرة، وهكذا المؤمنُ في صلاتهِ وصدقتهِ وصيامهِ وحجهِ وسائر أعمال البرّ الظاهر منها والباطن وفي إعتقاده بالله تعالى أيضاً يُخلِص ويبتعدُ عن التشبيه والتعطيل وكل مالا يليقُ بالله إلى الله، فليسَ من عقيدة المسلمين ولا من تنزيه الله تعالى نسبةُ المكانِ الى الله و لا نسبةُ الجلوس و التَحيّز والجسم كما يُسمَع من البّعض وهو الإعتقاد بأنَّ الله تعالى يسكنُ السموات تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، فالسموات مخلوقةٌ لم تَكنْ موجودة في الأزلِ وهيَّ وما فيها أحجامٌ و وأجسامٌ وصورٌ وأشكال محدودة وكلُّ ذلكَ من صفات المخلوقين المقهورين وجدوا بعدَ عدَمٍ ولهمّ من شَكّلهُم وصورَهّم وأعطَاهُم وأوجَدَهُمّ، أمّا اللهُ تَعالى وتباركَ فهوَّ الرّبُ الخالقُ الموصوف بالكمال، وهوَّ اللهُ كانَ قبلَ الزمانِ والمكانِ وقبلَ العرشِ والسمواتِ وبعدَ أن خَلقَ الكونَ فلا يحتاجُ لشىءٍ من خَلقهِ ولايُشبهُ من خلقه شيء سبحانه وتعالى عمّا يقولُ الظالمونَ علواً كبيرا، ومتىَ كانَ المؤمنُ يَستَشِعرُ عَظِيم مُراقبةِ اللهِ تعالى صحتْ منهُ النيات، وسَلمَتْ منه الظواهر والبواطن، وكانَ القبول أحرىَ لإخلاصهِ. وقد قال بعضهم:

إذا مَا خَلوْتَ الدَهرَ يومًا فَلا تَقلْ *****   خَلوتُ ولكن قُلْ عَليّ رَقِيبُ

اللهمَّ نَسألُكَ خَشيةً نَتقي بهَا ما حَرمتَهُ عَلينا وتُصلِحَ بها بَواطِنَنَا وظَواهِرنَا يا أرحمَّ الراحمِين.