القضاء والقدر

إن الإيمان بالقضاء والقَدَر ركنٌ من أركانِ الإيمان، ومسئلة كثر الكلام فيها على غير بيان وكثر السؤال عنها فوقع البعض بالشكوك والأوهام انكر قوم القدر فهلكوا وآخرون قالوا الله قدر الخير ولم يقدر الشر فاشركوا وجعلوا مع الله خالق للشر وأما أهل السنة بإجماع العلماء ونصوص الكتاب والسنة على ما سنذكر من بيان القضاء والقدر، وخلاصة ذلك أنّ يقال: القدرُ هو تقدير الله للكائناتِ حسَب ما سبَق به علمُ الله واقتضَته حكمتُه، وهو ما سبَق به العلم وجرى به القلَم مما هو كائنٌ إلى الأبَد. والإيمان به هو أن تؤمِن أن الله جلّ جلاله قدَّر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياءِ والحوادِث قبل أن تكونَ، وعلِمَ سبحانَه أنها ستَقع في أوقاتٍ معلومة على صفات مخصوصة، فعلِمها سبحانه، وكتبها بكل تفَاصيلها ودقائِقها، وشاءَها وخلَقَها، فهي كائنةٌ لا محالةَ على التَّفصيل والدّقَّة كما شاء ربنا تبارك وتعالى، وما لم يشَأه فإنّه لا يكون، وهو قادرٌ على كلِّ شيء، فإن شاءَه وقَع، وإن لم يشَأه لم يقع، مع قدرته على إيقاعِه. والقدَرُ غَيبٌ مبناه على التَّسليم، قال الله عزّ وجلّ: وَ ((كَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ))[الأحزاب: 38]، وقالَ سبحَانَه: (( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصر)) [القمر: 49، 50]، وفي صحيحِ مسلمٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( وإن أصابَك شيءٌ فلا تقُل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَرُ اللهُ وما شَآءَ فَعلْ )). قال إبن عباس رضي الله عنهما: ( كلُّ شيءٍ بَقدَر حتى وضعُك يدَك على خدِّك). وهذا مذهبُ أهل السنّة والجماعة هو ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسانٍ، وهو أنّ الله تعالى خالقُ كل شيءٍ وربُّه ومليكُه، وأنّه سبحانه ما شآءَ كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في الوجودِ شيءٌ إلا بعِلمِه ومشيئته وقُدرته، لا يمتنِعُ عليه شيء، بل هو قادرٌ على كل شيء، ويعلَمُ سبحانه ما كانَ وما يكون، وقد قدَّر مقاديرَ الخلائق قبلَ أن يخلقهم، قدَّر آجالَهم وأرزاقهم وأعمالهم، وكتبَ ذلك، وكتَبَ ما يصيرون إليه من سعادةٍ وشَقاوة، والعِبادُ مأمورون بما أمرَهم الله به، منهيُّون عما نهاهم عنه. ونؤمن بوعدِ الله ووعيده، ولا حجّةَ لأحد على الله في واجبٍ تركَه أو محرم فعله، بل لله الحجة البالغة، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا هذا باختصار ولو أردت التفصيل والزيادة في المسئلة فذاك تفصيلٌ دقيق لمسئلة القضاء والقدر كُن على معرفةٍ وتدبرٍ وفهم لها والله المستعان:

١) أوَّلاً: ليسَ معنى القضَاءِ والقَدَرِ الإجبارُ والقهرُ[1] وإنما المعنى إظهَارُ ما عَلِمَ اللهُ تعالى أنَّه لا بُدَّ كائنٌ[2]، فالقَدَرُ خيره وشرّه وحُلوه ومُرّه مِنَ الله، لا خالِقَ إلا هوَ سبحانَهُ لا يُسأل عمَّا يفعَلُ وهُم يُسألون.

والقَضَاءُ:معناه لُغَةً وشَرعًا الخلق[3] كما في قولِهِ تعالى: ﴿فقضاهُنَّ سَبْعَ سَمٰوات﴾. و القَدَرُ: معناهُ التَّدبيرُ كما قالَ الإمامُ اللُّغوِيُّ الزَّجاج وغيرُه، قالَ الله تعالى: ﴿إنَّا كُلَّ شَىءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ معناهُ بتدبيرٍ أزلِيّ شامل.

وقد رغَّبَ الله تعالى عبادَهُ بالدُّعاءِ وجعلَهُ بابًا مِنْ أبوابِ الفَرَجِ ولاسيَّما في أيامِ الشِّدة التي يعانيها المسلم، وقد كانَ مِن سيرةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم اللُّجوء إلى ربّهِ في شؤونِه كلّها وبخاصّة حين الشدائد بالدُّعاءِ والرَّجاء لِيَستَنَّ المسلمونَ مِنْ بعدِهِ وهو الذي أرسلَهُ الله لِيُبيّن للناس ما نزَّلَ إليهم مِنْ ربّهم كما هو في كتابِ الله تعالى.

٢) ثانيًا: لا تعارُضَ بينَ القضَاءِ والقدَرِ وبينَ الدُّعاء.

ولا تنافي ولا تعارض بينَ القضاءِ والقَدَر وأنَّ كلَّ شىءٍ بتدبيرٍ أزلَيٍّ من الله وبينَ مشروعيَّةِ أن يدعوَ اللهَ تعالى عبادُه وبينَ أنَّ الإنسانَ مُختارٌ تحتَ مشيئةِ الله لأنَّ القرءانَ يوضِّحُ بعضُهُ بعضًا والحديث يُبيّنُ ما جاءَ في القرءانِ ولا تعارُضَ بينَ الحديثِ وبينَ القُرءانِ بل يؤيّدُ بعضُها بعضًا، وليسَ معنى الدُّعاءِ أنَّ الله تعالى يُغيّرُ مشيئتَهُ بِدَعوةِ الدَّاعي لأنَّ أقوَى علامات الحدوث التغيُّر ولو كانَ الله مُتغيّرًا لكانَ حادِثًا ولو كانَ حادثًا لكانَ مخلوقًا ولم يكُن خالِقًا، ففي سُنَنِ التِّرمذيّعن أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا: (( الدُّعاءُ مُخُّ العبادة ))، وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وقالَ ربُّكُم ادعوني أستَجِبْ لكُم إنَّ الذينَ يستَكْبِرونَ عن عبادَتِي سيدخُلونَ جهنَّمَ داخِرين﴾ قالَ القُرطُبِيُّ في تفسيرِهِ: يفَسّرُ الآيةَ حديثُ التِّرمذيّ وأبي داودَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشير رضي الله عنه: (( الدُّعاءُ هو العبادة ))[4]فالمعنى: وَحّدوني واعبدوني أتقبَّل عبادتَكُم وأغفِر لكم[5] وهو قولُ أكثرِ المُفسّرين.وقيلَ: هو الذِّكرُ والدُّعاءُ والسّؤالُ وأنَّ المعنى "أستَجِب لكم" إنْ شِئتُ كمَا في الأنعامِ: ﴿بل إيّاهُ تدعونَ فيَكشِفُ ما تدعونَ إليهِ إنْ شاءَ﴾ فهو مِنْ بابِ المُطلَقِ والمُقيَّد[6] وهو لا يقضي الاستجابةَ مُطلقًا وإنما المعنى أنه يُجيبُ دُعاءَ الدَّاعين في الجُملةِ[7] وذلكَ بشروطٍ منها ما ذُكِرَ في حديثِ الأشعَثِ الأغبر يَرفَعُ يدَيهِ وفي ءاخرِهِ: ((وأَنَّى يُستجابُ لذلك))[8] كما في مُسلمٍ وغيرِهِ. ا.هـ وقالَ الإمامُ الخطَّابِيُّ في شأنِ الدُّعاءِ: إنَّ الآيةَ مِنَ العامّ المخصوص، وإنه قيلَ: إنَّ معنى الاستجابةِ أنَّ الداعيَ يعوَّضُ مِنْ دعائِهِ عِوَضًا ما فرُبَّما كان ذلك إسعافًا بطلبَتِهِ التي دعا لها وذلكَ إذا وافقَ القضاء، فإن لم يُساعِدْهُ القضاءُ[9] فإنه يُعطى سكينةً في نفسِهِ وانشراحًا في صَدرِهِ وصَبرًا يسهُلُ معه احتِمَالُ ثِقَلِ الوارِدات عليه[10]، وعلى كُلِّ حَالٍ فلا يُعدَمُ فائدةَ دُعائِهِ وهو نوعٌ مِنَ الاستِجابَةِ. ا.هـ. وعن أبي سَعيدٍ الخُدريّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( ما مِنْ مُسلِمٍ يدعو بِدَعْوَةٍ ليسَ فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ إلاّ أعطاهُ اللهُ بها إحدى ثلاثٍ: إمّا أنْيُعجّلَ له دعوتَهُ، وإمّا أنْ يدَّخِرَها له في الآخرة، وإمّا أنْ يصْرِفَ عنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثلَها )) رواهُ أحمدُ والبَزّارُ وأبو يَعلَى بأسانيدَ جيّدة والحاكمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ[11].

۳) ثالثًا: مشيئةُ الله لا تتغيَّر.

يَدُلُّ على ذلك حديثُ مُسلمٍ وغيرِهِ عن ثَوبانَ رضي الله عنه مرفوعًا قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله زوَى لِيَ الأرض فرأيتُ مشارِقَها ومغارِبَها وإنَّ أمَّتي سيبلُغُ مِلْكُها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطِيتُ الكَنزَين الأبيضَ والأحمر، وإني سألتُ ربّي لأمَّتي أنْ لا يُهلِكَها بسَنَةٍ عامّة[12] وأنْ لا يُسلِّطَ عدوًّا مِنْ سِوَى أنفسِهِم فيستَبيحَ بيضَتَهم[13]، وإنَّ ربّيَ قالَ يا محمّد إني إذا قضَيتُ قضاءً فإنهُ لا يُرَدُّ، وإنّي أعطَيتُكَ لأُمَّتِكَ أنْ لا أُهلِكَهُم بسَنَةٍ عامَّة وأنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عدوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهِم فيستَبِيحَ بيضَتَهُم ولو اجتَمَعَ عليهم مَنْ بأقطارِها حتى يكونَ يُهلِكُ بعضُهُم بعضًا))، وفي روايةٍ لِمُسلمٍ: ((وسألتُهُ أنْ لا يجعَلَ بأسَهَم بينَهُم فمَنعَنِيها)). وفي كتَابِ اللهِ تعالى: ﴿ومَا أصابَكُم مِنْ مُصيبَةٍ فبِمَا كسَبَتْ أَيدِيكُم﴾، وفيه كذلك: ﴿ذَلِكَ بأنَّ الله لَمْ يَكُ مُغيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَهَا على قَومٍ حتَّى يُغَيِّروا ما بأنفُسِهِم﴾ وهو ما نَراهُ اليومَ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.

٤) رابعًا: القضاءُ المُبرَم والقضاء المعلّق.

فدَلَّ ما تقدَّمَ على أنَّ الله تعالى لا يُغيّرُ شيئًا مِمَّا شاءَ في الأزَلِ حصولَهُ سواءٌ بدعاءِ سيّدِنا محمّد فمَنْ دونَهُ صلى الله عليه وسلم أو بالصَّدقةِ ويدلُّ على هذا الأمرِ حديثُ البزَّارِ والبيهقيّ: ((لا ينفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَر))[14]، قالَ البيهَقيُّ: معناهُ فيما كتَبَ اللهُ مِنَ القضاءِ المَحتوم[15] كما لا ينفعُ الدُّعاءُ والدَّواءُ في رَدِّ المَوت إنْ جاءَ الأجلُ المحتوم[16]، ثم إنَّ النَّفعَ يكونُ في الحذَرِ والدُّعاءِ والدواءإذا كانَ القلَمُ قد جرَى بإلحاقِ النَّفعِ بأحدِ هؤلاء، والعَبدُ مُيسَّر لِمَا كُتِبَ له أو عليه مِنْ جميعِ ذلك لا يستطيع أنْ يعمَلَ غيرَهُ، وعلى هذا يُحمَلُ حديثُ التِّرمذيّ ابنِ ماجَه: ((لا يَرُدُّ القَدَرَ إلا الدُّعاءُ)) على ما في إسنادِهِ مِنْ لِين[17]، وهو أنَّ الله تعالى قد كتَبَ ما يُصيبُ عبدًا مِنْ عبادِهِ مِنَ البلاءِ والحِرمانِ والموتِ وغيرِ ذلك وأنه إنْ دعا الله تعالى وأطاعَهُ في صِلَةِ الرَّحمِ وغيرِها لَم يُصبْهُ ذلك البلاء ورَزقَهُ كثيرًا وعمَّرَهُ طويلاً[18].ويدُلُّ عليهِ كذلك حديثُ عمرَ في الطَّاعونِ عندَ البخاريَّ حينَ قالَ له أبو عُبيدة: أفِرارًا مِنْ قدَرِ الله؟ فقالَ رضيَ الله عنه: ((نعَم، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ لو كانَ لكَ إبِلٌ فهَبَطْتَ وادِيًا له عَدوَتانِ إحداهُما خِصْبة والأُخرى جَدبَة، أليسَ إنْ رَعَيتَ الخِصبة رَعَيتَها بِقَدَرِ الله، وإنْ رَعَيتَ الجَدْبةَ رعيتَها بقدَرِ الله)) ا.هـ.

وفي صحيحِ مُسلمِ عن يَحيى بنِ يَعْمَر[19] عن أبي الأسودِ الدُّؤلِيّ[20] قالَ: ((قالَ لي عِمْرانُ بنُ الحُصَين[21]: أرأيتَ ما يعمَلُ النَّاسُ اليومَ ويَكْدَحونَ فيه[22] أشَىءٌ قُضِيَ علَيهم ومضَى عليهِم مِنْ قَدَرٍ قَد سَبَق[23] أو فيمَا يُستَقبَلونَ به[24] مِمَّا أتاهُم به نبيُّهم وثبتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقُلْتُ: بل شَىءٌ قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم[25]، قالَ: فقالَ أفلا يكونُ ذلك ظُلمًا؟ قالَ: ففَزِعْتُ مِنْ ذلكَ فزَعًا شديدًا وقُلْتُ: كلُّ شىءٍ خَلْقُ الله ومِلْكُ يَدِهِ فلا يُسأل عمَّا يَفعلُ وهم يُسألون، فقالَ لي: يرحَمُك الله إني لم أُرِد بما سألتُكَ إلا لأحزِرَ عقلَك[26]، إنَّ رَجُلَينِ مِنْ مُزَينَة أتيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسولَ الله أرأيتَ ما يعمَلُ الناسُ اليومَ ويكَدَحونَ فيه أشَىءٌ قُضِيَ عليهم ومَضَى عليهم مِنْ قدَرٍ قد سبَق أو فيما يُستَقبَلونَ به مِمَّا أتاهُم به نبيُّهم وثبَتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقالَ: لا، بل شىءٌ قُضيَ عليهم ومضَى فيهم، وتصديقُ ذلكَ في كتابِ اللهِ عزَّ وَجَل: ﴿ونَفْسٍ وما سوَّاها فألْهَمَها فجورَها وتقواها﴾[27]، ورواهُ البيهقيُّ في كتَابِ القَدَر)) ا.هـ.

٥) خامسًا: جميعُ أفعالُ العِبادِ تحتَ مشيئةِ الله

وهذا ما يدُلُّ عليه النَّقلُ والعَقلُ إذ إنَّ العقلَ يشهَدُ أنَّ للإنسانِ إرادةً لا يستطيعُ أنْ يفعلَ بها كُلَّ ما يُريد إذ إنها تحتَ مشيئةِ الله[28]، وهو ما يدُلُّ عليه قولُ الله تعالى: ﴿وما تشآءونَ إلا أنْ يشاءَ الله﴾، والعقلُ يشهدُ كذلكَ أنَّ للإنسانِ أفعالاً يفعلُها باختِيَارِه تُغايِرُ ما يفعلُهُ بغيرِ اختيارِهِ كحركَةِ النائمِ والمُرتَعِش[29]، فما يفعلُهُ باختِيَارِهِ هو مَحَلُّ التَّكليفِ، وكُلُّ ذلك على أيِّ حالٍ لا يَخرُجُ عن عِلْمِ الله الأزلِيّ الذي لا يتغيّر ﴿ألا يعلَمُ مَنْ خَلَقَ وهو اللَّطيفُ الخبير﴾[30] ولا عن إرادَتِهِ الأزَلِيَّة ﴿فعَّالٌ لِمَا يُريد﴾، فالكُلُّ بإرادتِهِ تعالى وليسَ الكُلُّ بأمرِهِ عزَّ وجلَّ[31]، ويوضّحُ ذلك قولُ الله تعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللهُ فمَا لهُ مِن هاد ومَن يَهدِ الله فما له من مُضِلّ﴾ فمَن اهتَدَى فبِفَضلٍ مِنَ الله عليه، ومَنْ أضلَّهُ الله فَلِسابِق عِلمِهِ تعالى بما يكونُ منه لا تبديلَ لكلماتِهِ تبارَكَ وتعَالى.

فالقَدَرُ ليسَ معناهُ الإجْبار والقَهْر إنما معناهُ إظهَارُ ما سَبَقَ في عِلْمِ الله تعالى مِن استِعدادِ العبد، لا تبديلَ لِحُكمِهِ ولا مُعقّبَ لأمرِه، فالعبدُ ينسَاقُ باختيارِهِ إلى ما عَلِمَ الله أنه يكونُ منه، ولا يجوزُ اعتقادُ أنَّ الله تعالى يُعصى قَهرًا بل الله تعالى لا يَجري في مُلِكِهِ إلا ما يُريد، مَنْ هداهُ فبفضلِهِ ومَنْ أضلَّه فبعدلِهِ لا إلـٰه غيرُهُ ولا خالِقَ سواه، وفي حديثِ البخاريّ عن ابنِ مَسعودٍ وغيرِه مَرفوعًا: أنَّ الولدَ يُكتبُ وهو في بطنِ أمّهِ ذَكرًا أو أنثى وأجله ورزقه وشقي هو أو سعيد والقَدَرُ كما قالَ سيّدُنا عليٌّ رضي الله عنه: (( إنما هو أمرٌ بينَ أمرين لا هو جَبرٌ ولا هو تَفويضٌ)) رواهُ الحافِظُ ابنُ عساكر، أي أنَّ الإنسانَ ليسَ كالرّيشةِ المعلَّقة التي يحرِّكُها الهواءُ يَمنةً ويَسرة مِنْ غَيرِ اختِيَارٍ ولا إرادة كما زَعَمَت الجَبريّة، وليس مُستقِلاً عن مشيئةِ الله تعالى بحيثُ إنه يفعلُ كلَّ ما يريدُهُ كما زَعمَت المعتزلةُ الذين قالَ فيهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما رواهُ أبو داودَ في سُننِهِ: ((مجوسُ أمّتي الذين يقولونَ لا قدَر )) وفي هذا تشبيهٌ بليغٌ لقَولِ المَجوسِ بِمُدبّرين: النور للخير والظلمة للشر، فأشبَهَت القدريّة المجوس في الشركِ بالله تعالى، وهو ما فَهِمَهُ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رضي الله عنه حينَ سُئلَ عن تزويجِ القَدَرِيّ فقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿ولَعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ مِن مشركٍ﴾ رواهُ البيهقِيُّ، ومِثلُ ذلك قالَ الإمامُ الشَّافعيّ في حَفصٍ الفرد صريحًا لقولِ حَفْصٍ بعد أنْ كفَّرَهُ الشافعيّ: "أرادَ الشَّافعيُّ ضَرْب عنقي" كما أفادَه السّيوطي في كتابِ تدريبِ الرَّاوي شرح تقريب النواوي، وهو قولُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل في أبي شُعيب المعتزلي وقد جاءَهُ وهو في السّجن رضي الله عنه يناظِرُهُ كما في كتابِ مِحنَةِ أحمد للمقدسي، وهو قول من لا يحصى من السلف الصالح والأئمة المجتهدين كما ذكر الحافظ اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.

٦) سادسًا: شرح ما جاء في الحديث: من طول العمر.

في فَتحِ البارِي شرحِ الحافِظِ ابنِ حجرٍ العسقلانِيّ لصحيحِ الإمامِ أبي عبدِ الله محمّدِ بنِ إسماعيل البُخارِيّ في بابِ "من بسِط له في الرزق لِصِلَةِ الرَّحِمِ" مِنْ كتابِ الأدَبِ شارِحًا مسألة القضاء المُبرَم والقضاء المعلق عند حديثِ أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ سرَّهَ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِه وأن يُنْسَأ له في أثرِهِ فليصِل رحمِه)) ما نصُّه: ((قوله "ويُنسأ" بضَمّ أوَّله وسكونِ النُّونِ بعدها مهملة ثم همزة أي: يؤخر في أجلِهِ، وسُمّيَ الأجلُ أثرًا لأنه يَتْبَعُ العُمْرَقالَ زُهَيرٌ: والمَرءُ ما عاشَ مَمدودٌ له أملٌ لا ينقضي العمْرُ حتى ينتهي الأثرُ، وأصلُهُ مِنْ أثَرِ مَشيِهِ في الأرضِ فإنَّ مَنْ ماتَ لا يبقَى له حركة فلا يبقَى لِقَدمِه فيالأرضِ أثر. قالُ ابنُ التينِ: ظاهِرُ الحديثِ يُعارِضُ قوله تعالى: ﴿فإذا جاءَ أجلهم لا يستأخرونَ ساعةُ ولا يستقدمون﴾، والجَمعُ بينهما مِنْ وجهينِ أحدهما: أنَّ هذهِ الزيادةَ كناية عن البركةِ في العُمرِ بسببِ التَّوفيقِ إلى الطَّاعةِ وعمارةِ وقتِه بما ينفعه في الآخرِةِ وصيانته عن تضييعِهِ ذلك، ومِثلُ هذا ما جاءَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمارِ مَنْ مضَى مِنَ الأُمَمِ فأعطاهُ اللهُ ليلَةَ القدر، وحاصِلُهُ أنَّ صِلَةِ الرَّحمِ تكونُ سببًا للتَّوفيقِ للطَّاعةِ والصّيانةِ عن المَعصِيَةِ فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لَم يَمت، ومِنْ جُملَةِ ما يحصُلُ له مِنَ التوفيقِ العلم الذي ينتفع به من بعده والصدقة الجارية عليه والخلف الصَّالح وسيأتي مزيد لذلك في كتاب القدر إن شاء الله تعالى. ثانيهما: أنَّ الزيادةَ على حقيقَتِها وذلكَ بالنِّسبةِ إلى عِلْمِ المَلَكِ الموكَّلِ بالعمرِ وأما الأوَّل الذي دلَّت عليه الآية فبالنسبةِ إلى عِلمِ الله تعالى كأنْ يُقالَ للمَلكِ مثلاً إنَّ عُمر فلان مائة مثلاً إنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وسِتّونَ إنْ قطعها "وقد سبقَ في عِلْمِ الله أنه يَصِلُ أو يقطع" فالذي في علمِ الله لا يتقدّم ولا يتأخر، والذي في عِلْمِ المَلَكِ هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثْبِت وعِندَهُ أمُّ الكتاب﴾، فالمَحوُ والإثباتُ بالنِّسبةِ لِمَا في عِلْمِ المَلَك، وما في أمِّ الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه البتة ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأول القضاء المعلق)) ا.هـ. "فتح الباري في شرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني".وعلى ما تقدَّم يدلُّ قولُ الله تعالى: ﴿وإيّاكَ نستَعين﴾ وقولُه تعالى: ﴿إهدِنا الصّراطَ المُستقيم﴾ وقولُه عزَّ وجل: ﴿ربّنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ فهذا كله يدلّ على أنَّ الهدايةَ والزيغ بِيَدِ الله لا بِيَد العبد، فلو كانَ الإنسان مُستَقِلاً بإرادتِهِ عن إرادَةِ الله تعالى فلأيّ غرضٍ يستَعِينُ بالله في صلاتِهِ كلّ يوم سبعَ عشرةَ مرّة، يقرأُ الفاتِحَةَ في كُلِّ ركعةٍ مِنَ الصَّلوات المفروضات سوى السنن والنوافل.

٥) سابعًا: مشيئة العبدِ تابعةً لمشيئةِ الله.

هذا وقد ثبتَ أنَّ الإيمانَ بالقدَرِ بمعنى ما قدَّرَ اللهُ تعالى على العِبَادِ مِنْ خَيرٍ وشرٍّ وحُلْوٍ ومُرٍّ أنه بخلقِ الله تعالى وإرادتِهِ وعلمِهِ لا يتغيَّرُ مِنْ ذلك شىء مِنْ أصولِ الإسلام وهو في كتابِ الله تعالى: ﴿ومنْ يُضلِلِ اللهُ فما له مِنْ هاد ومَنْ يَهدِ اللهُ فما له مِنْ مُضِلّ﴾، وفي حديثِ البخاريّ ومُسلمٍ مرفوعًا: ((اعمَلوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له))[32]، وفيهِ كذلك عن ابنِ مَسعودٍ رضيَ الله عنه مَرفوعًا: ((فوَ الذي لا إلـٰه غيرُهُ إنَّ أحدَكُم ليعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ))[33]حتى ما يكونَ بينَهُ وبينَها إلا ذِراعٌ فيعمَلُ بعمَلِ أهلِ النَّارِ فيدخُلُها، وإنَّ أحدَكُم ليعمَلُ بِعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى ما يكونَ بينَهُ وبينَها إلا ذِراعٌ فيعمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ فيدخُلُها)). وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ المشهور: ((رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفِ))[34] رواهُ الترمذيّ.وفي كتابِ الله تعالى خِطابًا لِرَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقد أحَبَّ لعَمِّهِ أبي طالبٍ الهُدَى[35]: ﴿إنَّك لا تَهدي مَنْ أَحبَبتَ ولكِنَّ اللهَ يَهْدي مَنْ يشاء﴾[36] أي اللهُ تعالى وليسَ العبد، إذ إنَّ مشيئةَ العبدِ تابعةٌ لِمشيئةِ اللهِ وليسَت مشيئةُ اللهِ تابعةًلِمَشيئةِ العبد، يوضحُ ذلك ما في كتابِ الله تعالى: ﴿ولَو أنَّنا نزَّلْنا إلَيهمُ الملائكة وكلَّمَهُمُ المَوتَى وحَشَرْنا عليهم كُلَّ شَىءٍ قُبُلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أنْ يشاءَ الله﴾[37]، وكذلك قولُهُ تعالى حِكايَةً عن موسى: ﴿إنْ هي إلا فِتنتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تشاء وتَهدي مَنْ تشاء﴾[38]، وما في حَديثِ جبريلَ الطويل الذي في ءاخرِهِ: ((هذا جبريلُ أتاكُم يُعلِّمُكُم دينَكُم)) وقد سألَهُ عليه السَّلامُ عن الإيمانِ فقالَ: ((وأنْ تؤمِنَ بالقدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ))[39] وفي روايةٍ: ((وحُلْوِهِ ومُرِّهِ)) وفي روايةٍ: ((وأنْ تُؤمِنَ بالقَدَرِ كُلِّهِ)) ذَكَرَها جميعًا بالإسنَادِ المُتَّصِل الإمامُ البيهقيّ في كتابِ القدر. فما كان وما يكون وما سيكونُ إنما هو بخلقِ اللهِ تعالى وبعلمِهِ الذي لا يتغيّر وبإرادتِه التي لا يَغلِبُها مُغالِبٌ إذ هو تعالى القاهِرُ فوقَ عبادِهِ والغالِبُ على أمرِهِ[40] والحافِظُ للعرشِ وما دونَهُ، جميعُ الخلائقِ مقهورونَ بقدرتِهِ لا تتحرّكُ ذرّةٌ إلا بإذنِهِ ليس معه مدبّرٌ في الخلقِ ولا شريكٌ في المُلك، ﴿لا يُسألُ عمَّا يفعَلُ وهم يُسألون﴾ سبحانَهُ، وهو المُنزَّهُ عن الظُّلمِ ﴿وما ربُّكَ بظَلاّمٍ للعبيد﴾، إذ الظُّلمُ وَضْعُ الشَّىءِ في غيرِ موضِعِهِ كما في القاموسِ للفيروز ءابادي، والظُّلم فِعْلُ الجاهِلِ بعواقبِ الأمورِ واللهُ منزّهٌ عن ذلك إذ هو المُتصرّفُ في مِلكِهِ ولا تَخفَى عليه خافية ولا يُنازِعُهُ في ذلكَ مُنازِعٌ لأنَّ فعلَهُ تعالى لا يخلو مِنْ حكمةٍ إذ لَمْ يَخلُقِ اللهُ تعالى شيئا عبثًا[41]. ثم إنَّ الله تعالى بيَّنَ سببَ إرسالِ الرُّسلِ بقولِهِ عزَّ وجَلّ: ﴿رُسُلاً مُبشِّرينَ ومُنذِرينَ لئلاّ يكونَ للناسِ على اللهِ حُجَّة﴾، وذلكَ منهُ تعالى فَضلٌ وليسَ ذلكَ بواجِبٍعليهِ تعالى، ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاء﴾، ﴿واللهُ يَختَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يشَاء﴾. وذلك لقِيَامِ الدَّليلِ على وجودِهِ عزَّ وجل بما هو مشاهَدٌ مِنْ مخلوقاتِهِ على ما فيها مِنْ تَبايُنٍ[42] ما يدلّ على كمالِ قُدرتِهِ تباركَ وتعالى، ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّمٰواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألباب﴾[43] على أنَّ كثيرًا مِنَ الناس يسألُ بعضُهُم بعضًا: هل الإنسانُ مُخيَّرٌ أو مُسيَّر؟ وهو سؤالٌ الجوابُ عنه سهل إذ يُقالُ: إنَّ الإنسانَ مُختَارٌ تحتَ مشيئةِ اللهِ تعالى، فللعبدِ الكسبُ الذي لا خَلق فيه ﴿لَهَا ما كسَبَت وعَلَيها ما اكْتَسَبَتْ﴾ الكَسْبُ هو توجيهُ العَبدِ قَصدَهُ نَحوَ العَمَلِ فيخلقُهُ اللهُ عندَ ذلك[44]، وللهِ الخَلقُ الذي لا يُشارِكُهُ فيه أحد إذ هو الله الخالقُ لِكُلِّ شىءٍ كما نَصَّ عليهِ القرءانُ: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىء﴾، فمَنْ خاصَمَ في ذلك مِنَ المُعتَزِلَةِ عنِ الحَقِّ كانَ نصيبُهُ ما في صحيحِ مسلم: أنَّ مُشرِكي قُريشٍجاؤوا يُخاصِمونَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في القَدَر فأنزَلَ الله تعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمينَ في ضَلالِ وسُعُر .يومَ يُسحَبونَ في النَّارِ على وجوهِهِم ذوقُوا مَسَّ سَقَر/ إنَّا كُلَّ شَىءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر﴾، وقَدْ كانَ مِنْ أوَّلِ مَنْ ألَّفَ في الرَّدِّ عليهِم سيّدُنا عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ رضيَ الله عنه[45] في رسالِةٍ طويلة سرَدَها الحافِظُ أبو نُعيم الأصبهانِيّ في حِلْيَةِ الأولياء، وفيها قالَ رضيَ الله عنه: ((لو أرادَ اللهُ أنْ لا يُعصَى ما خَلَقَ إبليس )). وفي كتاب شأنِ الدُّعاءِ للإمامِ أبي سُليمانَ الخَطَّابِيّ: ((فإنْ قالَ قائلٌ: فإذا كانَ الأمرُ على ما ذَكَرتُموهُ مِنْ أنَّ الدُّعاءَ لا يدفَعُ ضرَرًا ولا يَجلِبُ نفعًا لَم يكُن جرَى به القضاءُ فما فائدتُهُ وما معنى الاشتِغالِ به؟ فالجوابُ: أنَّ هذا مِنْ جُملِةِ البابِ الذي وَقَعَ التعبُّدُ فيه[46] بظاهرٍ مِنَ العلمِ يجري مُجْرَى الأَمارةِ المُبشِّرة أو المُنذِرَة دونَ العِلَّةِ الموجِبةِ[47]، وذلكَ والله أعلم لِتكونَ المعاملةُ فيه على معنى الترجّي والتعلُّقِ بالطَّمعِ الباعِثَينِ على الطَّلبِ دونَ اليقينِ الذي يَقَعُ معه طُمأنِينَةُ النفس فيُفضي بصاحبِهِ إلى تَركِ العملِ والإخلادِ إلى دَعةِ العُطلة[48]، فإنَّ العملَ الدَّائرَ بينَ الظَّفَرِ بالمطلوبِ[49] وبينَ مَخافَةِ فَوتِهِ يُحَرِّكُ على السَّعيِ له والدَّأبِ فيه، وأما اليقين فيُسَكِّنُ النَّفسَ ويُرِيحُهَا كما اليأس يُبلّدُها ويُطفئها[50]، وقد قضَى اللهُ سبحانَهُ أنْ يكونَ العبدُ مُمتحَنًا ومُعلَّقًا بينَ الرَّجاءِ والخَوفِ اللَّذينِ هُما مَدرَجتا العُبودِيَّة لِيُستُخرَجَ منه بذلك الوظائفُ المضروبَةُ عليه التي هي سِمَةُ كُلِّ عبدٍ، وعلى هذا بُنِيَ الأمرُ في معاني ما نعتقدُهُ في مبادىءِ الأمور التي هي الأقدارُ والأقضِيَةُ مع التِزامِنا الأوامر التي تعبَّدَنا اللهُ تعالى بها ووَعَدَنا عليها في المعادِ الثوابَ والعِقابَ. ولَمَّا عرَضَ هذا الإشكالُ سألَتِ الصَّحابةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرأيتَ أعمالَنا هذه، أشَىءٌ قد فُرِغَ منه أم أمرٌ نستأنِفُهُ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم: ((بل هو أمرٌ قد فُرِغَ منه))[51]، فقالوا ففيمَ العمل إذًا[52]؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: ((اعمَلوا فكلٌّ مُيسّرٌ لِمَا خُلِقَ له))، قالوا: فنَعْمَلُ إذًا. ألا تراهُ صلى الله عليه وسلم كيفَ علَّقَهُم بينَ الأمرين فرَهَنَهُم بسابِقِ القَدَرِ المَفروغِ منه ثم ألزَمَهُمُ العملَ الذي هو مَدرَجةُ التعبُّدِ لِتَكونَ تلكَ الأفعالُ أمائِرَ مُبشِّرة ومُنذِرة فلَم يَبطُلِ الثوابُ الذي هو كالفَرْعِ بالعِلَّةِ التي له كالأصلِ، ولم يَترُك أحدَ الأمرينِ للآخر، وأخبرَ مع ذلك أنَّ فائدَةَ العمَلِ هو القَدْرُ المفروغُ منه وهو معنى قولِهِ صلى الله عليه وسلم: ((فكُلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له)) يُرِيدُ أنهُ مُيسَّرٌ في أيامِ حياتِهِ إلى العَمَلِ الذي سبَقَ لهُ القَدَرُ به قبلَ وَقْتِ وجودِهِ وكَونِهِ، إلا أنَّ الواجِبَ أنْ تعلَمَ فَرْقَ ما بَينَ المُيسَّرِ والمُسَخَّر فتَفَهَّم ذلك.وكذلكَ القولُ في بابِ الرَّزقِ وفي التَّسبُّبِ إليه بالكَسبِ وهو أمرٌ مفروغٌ منه في الأصلِ لا يزيدُهُ الطَّلَبُ ولا يُنْقِصُهُ التَّرْكُ، ونظيرُ ذلك أمرُ العُمُرِ والأجَلِ المَضروبِ فيه في قولِهِ عزَّ وجلَّ ﴿فإذا جاءَ أجَلُهُم لا يستأخِرونَ ساعةً ولا يستَقدِمون﴾، ثم قد جاءَ في الطِّبِّ والعِلاجِ ما جاءَ وقد استَعْمَلَهُ عامّةُ أهلِ الدّينِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ[53] مع عِلمِهِم بأنَّ ما تقدَّمَ مِنَ الأقدارِ والأقضِيَةِ لا يدفَعُهُ العلاجُ بالعقاقيرِ والأدويةِ.فإذا تأمَّلْتَ هذه الأمورَ عَلِمْتَ أنَّ اللهَ سبحانَهُ قد لَطَفَ بعبادِهِ فعلَّلَ طباعَهُم البشريَّة بوَضعِ هذهِ الأسباب ليأنَسوا بها فَيُخَفِّفُ عنهم ثِقَلَ الامتِحَانِ الذي تعبَّدَهم به وليتصرَّفوا بذلك بينَ الرَّجاءِ والخوف[54]، ولِيَستَخرِجَ منهُم وظيفتَيّ الشُّكرِ والصَّبرِ في طَورَيّ السرَّاءِ والضَّرَّاء والشِّدةِ والرّخاء، ومِنْ وراءِ ذلك عِلمُ الله تعالى فيهم، ولله عاقبةُ الأمور وهو العليمُ الحكيم لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا رادَّ لقضائهِ لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهم يُسألون)). انتَهَى كلامُ الخطابِيّ وهو عجيبٌ لِمَنْ تأمَّلَهُ فَرِحمه الله مِنْ إمامٍ بَرٍّ وعالِمٍ بحر. وليُعلم أنَّ مسألةَ القضاءِ والقدَر مِمَّا يُخشَى فيه الزَّلَلُ والزَّيغُ إذ هي مِنْ أدَقِّ مسائلِ التَّوحيدِ التي أوضَحَها أهلُ العلمِ فلَم يتركوا فيها مَجالاً لِشُبهَةٍ لِمُعتَزِلِيّ ولا لِجَبْرِيّ، هذا ومِنَ المُهمِّ التنبيهُ إلى أنَّ القدَرَ بمعنى المَقدورِ المَخلوقِ ينقَسِمُ إلى خيرٍ وشَرّ وحُلوٍ ومُرّ، أما صِفَةُ اللهِ تعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَىءٍ فقَدَّرَهُ تقديرًا﴾ فلا تنقسمُ إلى خيرٍ وشرّ، فالتَّقديرُ والتَّدبيرُ صفتانِ أزَلِيَّتانِ لله تعالى تُفيدانِ أنَّ اللهَ سبحانَهُ دبَّرَ الأشياءَ وقدَّرَها على وَفْقِ عِلمِهِ الأزَلِيّ كما أفادَتِ الآيةُ الكريمة. وأما القَضاءُ هنا فمعناهُ الخَلق كما في قولِهِ تعالى: ﴿فقضَاهُنَّ سبعَ سَمٰوات﴾، ﴿وإذا قضَى أمرًا فإنما يقولُ له كُنْ فيَكون﴾ ومعنى هذه الآية: سرعةُ الإيجاد، أي إذا شاءَ الله وجودَ أمرٍ ما وُجد في الوقت الذي أراد من دونِ ممانعة ولا تأخير.ولله دَرُّ عالِمٍ قُريشٍ الذي مَلأ طِباقَ الأرضِ عِلمًا كمَا نَصَّ عليه حديثُ البيهقيّ وغيرِهِ، أعني الإمامَ محمّدَ بنَ إدريسِ الشافعيّ الذي قال رضي الله عنه حين سُئِلَ عن القدَر:

ما شِئتَ كانَ وإنْ لَم أشأ

وما شئتُ إنْ لَم تشأ لَم يكُنْ
                             خلَقْتَ العِبَادَ على ما عَلِمْتَ

                              ففي العلمِ يجري الفَتى والمُسِن
على ذا منَنتَ وهذا خذَلتَ

وهذا أعنـتَ وذا لَم تُعِن
                                 فمنهم شَقِيٌّ ومنهِم سعيد

                                      ومنهِم قَبيحٌ ومنهُم حسَن
ومنهُم غنِـيٌّ ومنهُم فقيرٌ

وكـلٌّ بأعمـالِـهِ مُرتَهَن

على هذا ليكن إيماننُا بالقدر تصديقا ًوما ذكرت التفصيل إلا لبيان وإن كان ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا ذُكر القدر فأمسكوا" معناه لا تتوغَّلوا في البحث والخوض فيه للوصول إلى سره ، هذا مُنعنا منه لأنه بحرٌ ليس له سفينة ، أما تفسير القدر الذي مرَّ يجب معرفته ، فأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطَّلع على ذلك مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل ، ومهما تكلف بعضهم الخوض في ذلك للوصول إلى سر القدر فلن يستطيعوا لأن الله أخفى عنا ذلك ونهانا عن طلبه . وقول علي رضي الله عنه : "لا جبرٌ ولا تفويض" يريد به أن عقيدة أهل السّنةِ والجماعة هي أن العبد له اختيار ممزوج بجبرٍ وأن العبد مختار تحت مشيئة الله وأننا لا نقول بمقالة الجبرية القائلين بأن العبد لا فعل له بالمرة وإنما هو كالريشة المعلقة في الهواء تأخذها الرياح يمنة ويسرة ، ولا نقول بمقالة المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله ، إنما نحن وسط بين الجبرية والقدرية أي المعتزلة ، ولا تقال هذه العبارة : ( الإنسان مسيَّرٌ أم مخيَّرٌ ) فهذه الكلمة غلطٌ لغةً وشرعاً ، فالناس مسيرون بمعنى أن الله يمكنهم من السير في البر والبحر قال تعالى : [ هُوَ الَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحرِ] [سورة يونس : 22] معناه الله تعالى يمكنكم من السير ، هو الذي يخلق فينا الحركة الاختيارية والحركة غير الاختيارية ، بل يقال العبد مختار تحت مشيئة الله . المختار من الاختيار ، أما مخيَّرٌ من التَّخيير أي الذي يُخيَّر بين أمرين ونحو ذلك فالتخيير هنا لا معنى له وما أكثر من يلهج بذلك من أدعياء العلم والله أعلم وأحكم.

[1] - لأنَّ الجبرَ خلافُ التكليفِ واللهُ قالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وسْعَها﴾ معناهُ أنَّ اللهَ كلَّفَ الإنسانَ بما يُطيقُ، ولو كان الإنسانُ مجبورًا لكان العمل يصدر منه بدون إرادة ولَمَا كان مُكلّفًا، فالإنسان له اختيارٌ في عَمَلِهِ.

[2] - معناه أنَّ الله تعالى يُظهِر ما في استِعدادِ العِبادِ مِنَ الطَّوعِ والإباءِ فيَظهَرُ أنَّ هذا كان استعدادُهُ للشَّر وهذا كان استعدادُه للخير "الله يُظهرُ ذلك".

[3] - ويأتي القضاءُ بمعنى الأمر كما في الآية: ﴿وقضَى ربُّكُم ألا تعبُدوا إلا إيَّاهُ﴾ أي أمَر.

[4] - العبادةُ هنا معناها الحسنات "العبادة هنا معناها الطاعة أي الدعاء فيه ثواب"، وليس معنى الدعاء نداءُ غيرِ الله كما زعم نفاة التوسل.

[5] - معناه الحسنات.

[6] - أي قد يرد في القرءان أو في الحديث لفظ مطلق ثم يَرِدُ في ءاية أخرى أو حديثٍ ءاخر ما يُقيِّدُ هذا المُطلق، مِثالُ ذلك: قوله تعالى: ﴿عِتقُ رقبَة﴾ كلمة "رقبة" لفظٌ مطلق شاملٌ لكلِّ الرقاب وفي ءاية أخرى: ﴿رقبةٍ مؤمنة﴾ فكلمة "مؤمنة" قيّدت اللَّفظ المطلق الذي في الآية السابقة. فهنا قوله تعالى: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ هذا مطلق، ثم الآية التي في سورة الأنعام والتي فيها: ﴿إن شاء﴾ تقييد لذلك الفظ المطلق.

[7] - مثال ذلك ما ورد في الدعاء: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياءِ منهم والأموات"، هذا يسمى دعاءً إجماليًّا ومعناه: يا ربّ اغفر لبعض المؤمنين كل ذنوبِهم ولبعض المؤمنين بعضَ ذنوبِهم، لأنَّ عقيدةَ المسلمين أنَّ بعضَ المؤمنينَ سيُعذَّبون ولن تُغفرَ ذنوبُ كُلّ المؤمنين ففي الحديثِ: ((يخرجُ ناسٌ مِن َالنار بشفاعة محمّد)) رواه البخاريّ.

[8] - معنى "وأنى يُستجابُ لذلك" أي لا يتحقَّقُ مطلوبُهُ لكن له ثواب الدّعاء الحسن، وهذا الحديث في الذي يأكلُ من الحرام ويلبسُ من الحرام وقد غُذِيَ بالحرامَ.

[9] - أي إن لم يشأ الله أن يحصلَ له.

[10] - الله يُعِينُه على البلاء الذي شاءَ أنْ يصيبَهُ ببركةِ الدُّعاءِ الذي دعاه.

[11] - (٢/٤٧٨) من التَّرغيبِ والتَّرهيبِ للحافِظِ المُنذِريّ.

[12] - أي مجاعة.

[13] - أي يُهلِكَهُم.

[14] - معناه إذا شاءَ الله أمرًا فلا بُدَّ أن يحصل مهما كانَ الإنسان حذِرًا.

[15] - يعني القضاءَ المُبرم.

[16] - سيدُنا عليّ رضي الله عنه حذَّرَهُ بعضُ الناسِ مِنْ أُناسٍ يَكيدونَ له قالوا له: احذر فإنَّ أُناسًا يُريدونَ قَتلَكَ، فقال: ((الأجَلُ جُنَّةٌ حصينَةٌ)) أي لا يَخرِقَهُ أحدٌ "لا يستطيعُ أحدٌ أن يُغيّرَهُ".

[17] - بعضُ العلماءِ ضعَّف إسنادَه، أما حديث مسلم الذي مَرَّ ذِكرُهُ أصحُّ إسنادًا منه.

[18] - وهذا القدَرُ المُعلَّق.

[19] - هو من التابعين وهو أوّل من نقطَ المصاحف.

[20] - وهو مِنْ أكابرِ التابعين معروفٌ بأنه مِنْ ثقاتِ التابعين أخذَ الحديثَ عن سيّدِنا عليّ وغيرِهِ، وكانَ هو أوّل واضعٍ للنَّحوِ بإشارَةِ سيّدِنا عليّ.

[21] - وهو مِنْ فُقهَاءِ الصَّحابة المُجتَهِدين المشهورين بالعلم، وهو مِن أولياء الصحابة.

[22] - أي يسعونَ إليه أي أعمالهم حركاتهم وسَكَناتهم.

[23] - معناه هل هو شىءٌ قدَّرَهُ الله تعالى أنه سيحصلُ منهم.

[24] - معناه أم هو شىءٌ جديدٌ لم يسبق به قدَرٌ ولم يسبق في عِلمِ الله في الأزل.

[25] - أي أنَّ حركاتِ العباد وسكناتِهم كلَّها شىءٌ حصل من العبادِ بقضاءِ الله.

[26] - أي لأختَبِرَ فَهْمَكَ.

[27] - هنا الله تعالى أقسمَ بالنفسِ أي الرُّوح "وما سوّاها" أي والذي خلَقَها وهو الله، الله أقسمَ بالرّوحِ وأقسمَ بنفسِهِ "والله له أن يُقسِمَ بما شاءَ من خلقهِ"، "فألهمَها" أي أنَّ الله ألْهَمَ النّفسَ "فجورَها" أي النفس "وتقواها" أي النفس.

[28] - وبيانُ ذلك أنَّ الذي عمره فوقَ التسعين له إرادة، هل يستطيع بهذا الإرادة أن يُرجِعَ جسدَهُ إلى ما كان عليهِ حين كان ابنَ عشرين؟! وهل يستطيعُ المريض بإرادتِهِ التي له أن يُرجِعَ صحَّتَهُ إلى ما كانت عليه قبلَ المَرض؟ لو كان يستطيع لفعلَ ذلك كلُّ مريض ولتعافَى كلُّ مريض.

[29] - أي أنَّ العاقلَ يشهدُ له عقلُهُ أنه يفعلُ أفعالاً باختيارِهِ تختَلِفُ عمَّا يفعلُهُ بدونِ اختيارِهِ، فالإنسان تحصل منه أفعالٌ بإرادتِهِ وتحصل منه أفعالٌ بدونِ إرادَة "لا اختيارَ له فيه" كالموت وكحركة النائم والمرتعش.

[30] - قاعدة مهمة: الخالِقُ لا بُدَّ أنْ يكونَ عالِمًا بتفَاصيلِ ما يَخلُقُه حتى يوجِدَه على الوَجهِ الذي سيكونُ عليه، فالعبدُ لا يعلَمُ بتفاصيل أنفاسِهِ وخطواتِهِ وهل إذا كانَ سيصل إلى مقصودِه أم لا، لأن الذي يخلقُ شيئًا لابد أن يكونَ عالِمًا بتفاصيله حتى يوجدَه على الوجهِ الذي سيكونُ عليه وهو الوجه الذي أرادَه وهذا لله وَحدَه.

[31] - ولا تلازُمَ بين الأمر والمشيئة، فالله تعالى أمر الكُلَّ بالإيمان لكن لم يشأ للكلّ أن يؤمنوا، ولو كان هناكَ تلازم بين الأمرِ والمشيئة لذبحَ إبراهيمُ إسماعيل، فالله أمر إبراهيم بذبحه لكن لم يشأ ذلك.

[32] - معناه: نحن نأخذُ بالأسباب ونعمل لكنْ لن يُيسَّرَ لنا إلا ما شاءَ الله أنْ يكون مِنَّا.

[33] - أي فيما يرى الناس " أي بِحَسَبِ الظَّاهِرِ للنَّاس" يعملُ بعملِ أهلِ الجنة، لأنَّ الذي يَثبُتُ على طاعةِ الله وعلى تقوى الله يُحبَّبُ إليه أمرَ الآخِرَةِ ويُخرَجُ من قلبِهِ حُبّ الدّنيا فيزهدُ فيها ويُحبِّبُ الله إلى قلبِهِ الطاعات فيزيدُ فيها فإذا صارَ تقيًّا عاملاً بالنوافل بُرهَةً من الزمن يصيرُ مِنَ الأولياء ومَن صار وليًّا مِنْ أصفياءِ الله لا ينقَلِبُ كافرًا عدوًّا لله، وفي رواية أخرى لهذا الحديث: "فيما يرى الناس".

[34] - معناه: الأقلام التي تَكتبُ بها الملائكة مِمَّا شاءَ الله أن يكون هذا لن يتغيَّر.

[35] - الرسول لا يُحِبُّ كافرًا ولو كانَ عمَّهُ إنما أحَبَّ له الهداية.

[36] - معنى الآية: "إنك" أي يا محمّد "لا تهدي من أحببتَ" أي لا تخلُقُ الهِدايةَ في قلبِ شخصٍ أحببتَ له الهداية "ولكن الله يهدي من يشاء" أي بمعنى خَلْقِ الاهتداءِ في قلوبِ مَنْ شاءَ الله لهم الاهتداء.

[37] - "ما كانوا ليؤمنوا" أي الكفّار "إلا أن يشاءَ الله" أي إذا شاء الله أن يؤمنوا ءامنوا وإلا لا يؤمنوا.

[38] - الفتنةُ: ما يُمتَحَنُ به، وهذه الآية حكاية عن سيدنا موسى حين ذهب إلى جبلِ الطور لميقاتِ ربِّهِ ومَكَثَ أربعينَ ليلةً فكفرَ بعضُ الناسِ من بني إسرائيل وعبدوا العجلَ الذي صوَّرَه لهم موسى السامِريّ فلما عاد موسى قال هذا، وهذه الآية فيها الردُّ على المعتزلة ومَنْ وافَقَهُم القائلين بأنَّ العبد إن أرادَ أن يهتدِيَ اهتدى ولو كان الله شاءَ خلافَ ذلك وجعلوا مشيئة الله تابعةً لمشيئة العبد.

[39] - لفظةُ القدَرِ أُطلِقت في هذه العبارة ويرادُ بها معنيان: أحدُهُما تقديرُ الله "صفتُهُ" أي أن الله له تدبيرٌ أزليٌّ شامل، والآخرُ المقدور "المخلوق" من خيرٍ وشرٍّ، ذُكرَ القَدَرُ أوّلاً بمعنى تقديرِ الله ثم أُعيدَ الضميرُ إليه بمعنى المقدور، وذلك لأن المخلوق فيه خيرٌ وشر أما صفة الله التدبير لا يوصف بالشر.

[40] - أي لا أحدَ يمنعُ نفاذَ مشيئتِه.

[41] - الذي ينسب إلى الله السَّفَه أي أنه فعلَ فِعلاً لا حِكمةَ فيه يكفر.

[42] - أي اختلاف، مثال ذلك: "الحلوِ والمُرّ" و "السهل والصعب".

[43] - أي أن السمٰواتِ والأرضَ واختلاف الليل والنهار فيها علامات تدلّ على وجودِ الله، وقد قال الرسول بعد أن تلا هذه الآية: ((وَيلٌ لِمَن قرأها ولم يتفكَّر فيها))، قالَ الإمامُ أبو الحسنِ الأشعري: ((يجبُ وجوبًا عينيًّا مَعرِفَةُ الدَّليلِ العقليِّ على وجودِ الله)).

[44] - أي إن شاء.

[45] - المتوفّى سنة ١۰١هـ، وكان مُجدِّدَ القرنِ الأوّلِ الهجري وهو الخليفة الراشد السادس بعدَ الحسنِ بن عليّ.

[46] - أي أنَّ الدُّعاء عبادة.

[47] - أي لا يُوجِبُ أنْ يحصُلَ إن دعا الله.

[48] - ومعناه حتى يبقى مترجّيًا ويبقى في العمل.

[49] - أي حصولِ المطلوب.

[50] - معناه: حتى يبقى العبدُ عاملاً.

[51] - معناه: مقدّر، قد كُتِبَ في اللوحِ المحفوظ.

[52] - أي إن كان قد فُرِغَ منه فيمَ العمل؟

[53] - وهذا لا يُنافي التوكل والإيمان بأنَّ كلَّ شىءٍ بتقدير الله.

[54] - أي يرجو رحمة الله ويخافُ عذابَ الله.