القمار والمال الحرام

قال الله تبارك تعالى في سورة النساء: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا))، إن من الآفات التي أصبح مجتمعنا يشكو منها أكل أموال الناس بالباطل، أيّ أكل أموال الغير ظلماً وعدواناً كالغصب والخيانة والإحتيال والخداع والغش في المعاملات والقمار، وفي هذه الآية الكريمة ينهانا الله سبحانه وتعالى عن أكل أموال الناس بالباطل بشتى أنواع الطرق والوسائل المحرمة، وقوله تعالى: ( إلا أنْ تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم )، أي أن تكون تجارةً حُرةً شريفةً بأمانةٍ بعيدة عن الغش والخِداع والكذب والإحتيال المحرم، وقد حذرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام من أكل الحرام عموماً بقوله:(( كلُ لحمٍ نَبَتَ من حَرامٍ فالنَارُ أولىَ بهِ )). ولقد حرمَ الله القِمار وسماهُ ميسراً في قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )). ومن حِكَمِ تحريمه أنه أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه في الآية السابقة، لذلك فالميسرُ أو القمار هو من أكبر الكبائر، حيثُ ذكرَ اللهُ القمار مع  بالخمر والأنصَاب والأزلام، والله تعالى يحب من المسلم أن يَكسب معيشته بالطرق المشروعة كالبيع والشراء والفلاحة والصناعة وسائر الحرف والمهن، أما القمار يجعل الإنسان يعتمد على التخمين والصُدفة وما يسمونه الحظ والأماني والأحلام الزائفة ، دونَ ذكر التوكل على الله عز وجل والتوكل عليه في مباشرة الأعمال الدنيوية المشروعة مع الأخذ بالأسباب، كالتاجر يشترى ومُرادهُ الربح متوكلاً على الله في تيسير الرزق ومثله الفلاحون والصنّاع، هذا ومن جهة أخرى فأنه في حكم الشرع الإسلامي لايجوز أخذ المال بطريقة حرمها الشرع ، فلا يجوز أكله بالباطل ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( كلُ المُسلمِ على المُسلمِ حرامٌ، دَمُهُ ومالهُ وعِرضهُ ))، فمالُ المسلم لايحلُ  لغيره إلا عن طريق معاملة شرعية أو عن طيب نفسٍ منه بهبةٍ أو صدقة ، أما أخذهُ منه غصباً عن طريق القمار فهذا هو الحرام وهذا أكل المال بالباطل والعدوان، وحرمَّ الله القمار أيضاً لأنه يورثُ العداوة والبغضاء بين الناس، وإن أظهروا بألسنتهم الرضا فإنهم دائماً بين غالبٍ ومغلوب ، والمغلوبُ وإن سَكَتَ فإنه يَسكتُ عن حقدٍ وعداوة شديد، و يحقد على من خيبَ أمله، ويعادي من فشَلَّ صفقته وقامر معه فأخذ ماله ومال غيره، والخسارة تدفع الخاسر إلى المعاودة لعله يعوضُ في المرة القادمة ما خسرَهُ في المرة السابقة ، وكذلك الغالب تدفعه نشوة الربح إلى التكرار، ويدعوه قليل الربح إلى كثيره، و يزين له الشيطان ونفسه الطماعة فلا يتركه فيؤدي ذلك إلى الإدمان على هذه الآفة وعدم التوبة منها ، وصاحب نادي القمار كالمنشار في كل مرة يأكلُ من الفريقين ، وفي أكثر الأوقات كل مال المتقامرين يتجمع له ، وبعد بُرهةٍ ينتقل الرابح من نشوة النصر إلى غمِّ الإفلاس والخسران ، وهكذا دائماً أبداً بشكل  يشدُ كلاً من الرابح والخاسر إلى طاولة اللعب ويصعب عليه الإفلات منها ، وهذا جزء يسيرٌ من ضرر الميسر على الفرد والمجتمع ، زِد على ذلكَ أنّ المُقامر مشغولٌ عن واجبه تُجاه دينه  فتراه منشغل بالقمار عن اداء الواجبات الشرعية كالصلاة ونحوها، وعن واجبه نحو ذريته وأولاده  فترى المقامر يمنع عياله واهله لينفق على طاولة القمار ، ولا شكَ أنّ من دخلت هذه المعاملة المُنكرة والخصلة المحرمة قلبه فأحبها فقد لايتورع من أجلها أن يبيعَ عرضه وكل ما يملك ، فإنَّ علاقته بهذه الكبيرة تغرسُ في قلبه حب المقامرة بكل شيء وحتى بشرفه وقومه ووطنه في سبيل كسب باطل موهومٍ مزيف لايمكث في يديه أياماً قلال ويعود ليضعه على الطاولة لغيره وهكذا ، وصدقَ الله العظيم حيثُ الجمع بين الخمر والميسر في الآيات التى فيها النتيجة المترتبة عن الخمر والميسر ويبين أضرارها على الفرد والمجتمع والأسرة بقوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون ))، وفي إحدى الولايات المشتهرة بالقمار باتَ يُعرف عندهم أماكنَ كثيرة مرتفعة يُلقى المقامرون أنفسهم منها لينتحروا بعد الإفلاس من كل ما يملكونه فبعدَ أن يلعب المقامر على كل شيء يملكه بما فيها زوجته وسيارته فإذا خسرَ طاولة اللعب صعدَ إلى هذه الأماكن.. لينتحرَ أي ليقتل نفسه والعياذ بالله!!.

ذلك أن المقامر قليل الشَرف والدين والضمير والأخلاق متجرد من الاحاسيس لا هم  له إلا الربح واللعب بأموال الناس، لا يتحرج عن تقديم زوجته وبناته لكسب المال ليلعب به ، ويبيع كلَ شيء تصل إليه يده ليقامر به حتى فراشه الذي ينام عليه، ولا يتورع عن السرقة والكذب للوصول للمال ليقامر به ، وهذه مسائل مشاهدة رأي العين في المقامرين تجده يقترض في أول الشهر وقد يقلل من طعام أطفاله وقد يسأل الناس مدعي الحاجة والفقر كل ذلك من أجل القمار ، ولقد شاهدت من يقف على أبواب المساجد ليشحذَّ بحجة الفقر ويقامر بما يأخذه من الناس بأسم الفقر والمسكنة، لقد أتخذ القمار في البلاد صفات وألواناً  وأسماء متعددة ، فهيئت له النوادي، وبُنيت له المراكز الخاصة به، وأصبح له رواد من الأغنياء والفقراء، وكل هذا من حملات الفساد التى دخلت على المجتمعات ولم تكن فيهم، وقد أطلقوا على القمار أسماء كثيرة فسموها باللوتو واليانصيب و...، ونشروها بين أبناء المسلمين ليستغلوا بها العقول ويستولوا بها على الأموال ، فدخل القمار البلاد الإسلامية بجميع أنواعه، ولربما هناك بعض أنواع القمار محرمة في بلاد غير المسلمين، لكن في بلاد المسلمين مباحة وأبوابها مفتوحة بكل حرية ومزدحمة بالطماعين المتكاسلين والعاطلين، فاشتغل كثيرٌ من الناس بهذه الآفة الخطيرة ( القمار) وتعلقت قلوب الرجال والنساء والأطفال بالربح الخيالي الذي ينتظرونه في كل لحظة عن طريق الميسر والقمار، والمستفيد الوحيد من هذا كله هم أعداء المجتمع الذين لاتشفق قلوبهم على تفكيك الأسر وهدم البيوت من وراء القمار فكم من طلاقٍ وتفريق للأسرة كان ورائه القمار واضراره؟ وكم من سجين قابع سنين في سجنه بسبب القمار؟ ، وكم من أولاد في الشوارع من غير تربية ولا تعليم وكان سبب هذا التشريد أبوهم المقامر الغارق بالديون او المسجون بسببه ، وكم من نساءٍ خرجنَّ للبغاء والفساد بسبب القمار وخسراته، وكم من أرواح أزهقت ونفوس قتلت وخاصة من الشباب بسبب هذا الداء العُضال داءُ القمار والميسر، والجالية التى تغربت عن البلاد ينبغي أن تعي تماماً أن هذا الداءَ يُحمل من هنا وهناك وينشر بين الناس ألا فاحذروا وأقلعوا عن هذه المعاملة المحرمة، فقد غدا السفر الى الولاية المجاورة لنا  عادة عند الكثيرين بل وأخبرت أن الرجل يقامر والمراءة وكذا بعض كبار السن بحجة اللهو وتجريب الحظ ورجاء الربح فلا حول ولا قوة إلا بالله!! وهذا الفعل الشنيع الذي حرمهُ ربنا في كتابه ورسولنا في سنته وأجمع المسلمون على تحريمه حيث يؤدي العمل به إلى أكل أموال الناس بالباطل والإعتداء على أموال الناس وغصبها، والواجب على كل مسلم أن يكسب المال من الحلال ليكسبه من الطرق المشروعة النظيفة الخالية من الشبهة والريبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنَّ اللهَ طيبٌ لا يَقبَلُ إلاّ طَيبا )) معناه الله يحب من العبد أن يأكل من ما أحلَّ الله ويتصدق من حلال ويجتنب كل ما حرمه الله ومنه القمار المحرم بالنصوص الشرعية ويدخل أيضاً ما يكون عن طريق اللهو والمزح كالذين يقامرون على لعب الورق ولو بالقليل أو الكثير ولو مع رضا الطرف الآخر فليس مجرد رضى الشخص يحل مالحرم بل الحرام ما حرمه الله تعالى والحلال ما أحلهُ الله تعالى .