النفقة الواجبة

إنَّ من ما أوجبَ الله على الزوج المُسلم النفقة على زوجته وأولاده. والنفقة من القِوامة التي جعلها الله تعالى في يدِ الزوج في قول الله تبارك وتعالى: (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ))، أي أنَّ الزوج بيده وإليهِ أمرُ النفقةِ وتدبير المَعاش فهو مُلزمٌ بالرجل ولو كانت المراءة غنية لايجب عليها الإنفاقُ بل هوَ على الرجل، فيجبُ على الزوج أن يؤمنَّ لزوجتهِ ما تحتاجُه من النفقة والسُكنىَ والمأكل والمَلبس والمشرب، ولا يتأخر في شيء من ذلك، بل إنّ تضيعَ النفقة بغير عُذر ذنبٌ حذرَ منهُ النبيُ صلى الله عليه وسلم بقوله :((كفىَ بالمرءِ إثماً أنّ يُضيِعَ نَفَقَةَ منْ يَعول )) فيجب أن يؤدي الرجل ما يجب عليه من الإنفاق من غير تقصيرٍ بل يؤدِيَهُ كاملاً، دونَ مِنَّةٍ أو أذىَ ، أو يُظهرَ لها أنَّ كُلَ ما يوفِرهُ ويقدمُه لها مما تحتاجُه تفضُّل منه وإحسان وبر ومعروف وإكرام، والرجل ملزمٌ بها في حدود إمكاناتِه المادية وقدرته المالية وضمنَ القدرِ الذي فرضهُ الشرع  وهو المسكنُ الآئقُ  بها مع النفقة اليومية والكسوة الفصلية، فيجبُ عليه أجرةُ البيت الذي هو عبارة عن غرفة ومنتفعاتها كالمطبخ والخلاء وعليه النفقة اليومية من الطعام وما يتبع ذلك، والمقصود بذلك ما يدفعُ به الضرر عن البدن وليس المراد ما تشتهيه المراءة والأولاد يكون فرض بحق الرجل بل يكون من بابِ الإحسان الذي يُستحب فعله ويؤجرُ عليه، فالرجل حينَ يَسعى ويعمل ويَكِد ويتعب ليوفرُ لزوجته وأولاده ما يحتاجونهُ من مُتطلبات هذه الحياة فإنه يؤجر على أعمالهِ هذه، وتكون قربةً له عندَ الله يُثيبهُ عليها، وينالُ أجره حسنات تُدخرُ له بشرط أن تكونَ نيتهُ خالصة لوجه الله وليس لفخرٍ ولاللتكبر على غيره ولا ليمدَحهُ الناس بل تقرباً إلى الله بما فرضه عليه من أمرِ النفقة من مال حلال. فالزوج حين يُقدمُ النيةَ الحسنة بتوفيره النفقة لأهلهِ حتى يَعفُهم ويَسترهم ويتحَرى المالَ الحلال، يُكتبُ له ثواب ذلك وأجره على حسن قصده ونيته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا أنفقَ الرجلُ على أهله نفقةً وهو يحتسِبُها كانت له صدقة )) فليخلِصِ النيةَ الرجال ليَحصُلَ لهم أجرُ الإنفاق على الأهل، وفي المقابل أيضًا فإنَّ الزوجة حين تقصّرُ في أداءِ حقوقِ الزوج عليها، فلا تُلبي رغبَاتِه المأمورة بها شرعاً من الإستمتاع والزينة وما يتبعُ ذلك، أو تخرج من منزله دون إذنه بلا عُذرٍ وتعكِرُ عليه ما هو حقٌ له وإذا أهملت زوجها بالواجبات التي ألزمت بها تجاهه فإن من حق الزوج أن يمتنعَ عن الإنفاق عليها، ويسقطُ ما لها من حق في ذلك حتى تعودَ إلى رشدها وتعمل على طاعة زوجها، فالنفقةُ إنمّا تجبُ للزوجة بتسليمها نفسها لزوجها وتمكينها منه، وتفريغها نفسها للمقصود من الزواج، فإنها بامتناعها عن ذلك بلا عذر شرعي تكون عاصية، قد فوتت على نفسها خير من الأجر والثواب بنية حسنة واسقطت ما وجب لها من النفقة. وهذه تُسمى الناشِزة وهي التى تمنع الزوج حقه من الإستمتاع لغير سبب، أو تخَشِنَ له الكلام مع رفع الصوت، وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دَعا الرجلُ امرأتهُ إلى فِراشِهِ فأبتْ أنّ تَجِيءَ فبَاتَ غضبانٌ لعنتَها الملائكةُ حتى تُصبح )) وفي لفظ الإمام مسلم، ((كانَ الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها )) يعني بالذي في السماء الملائكة وهذا التأويل تأييده مأخوذ من الرواية الأولى التى ذكر الملائكة فيها فيبطلُ احتجاجُ المشبهة به على إثبات تحيزِ الله في السماء فإنَّ الله موجودٌ بلا مكان ، والمقصود بمن في السماء الملائكة الذين يسكنونها هؤلاء يلعنونَ بعض من في الأرض من الذين يستحقونَ اللعن، ثم إن نفقة الزوج على امرأته وأولاده إنما تكونُ على قدر ما أوجب الله عليه وإن زادَ يكون تطوعاً الله تعالى ويكَتَبُ له من الخير والفضل على إحسانه لأهلهِ، فلا يُطَالَبُ بتوفير ما لا يتحمَل، ولا يُلزمُ بما لا يُطيق، فمن النساء من تحاول إرغامَ زوجها لتوفيرما لايطاق ، بحيث تُكثر طلباتها اليومية، وتشترط أوصافًا معينة لأشياء تطلب منه إحضارها، وهو عاجزٌ عن ذلك، وإن استجابَ لها مرة فقد يعجزُ مرَّات، وربما اقترضَ وتَحَمَّلَ الديون حتى يوفر لها ما تطلبه، وربما حملهُ كثرةُ الإلحاحِ أنّ يَمُدَ يدهُ إلى الحرام ليُلبيَ لها رغباتِها، غير أن المرأة العاقلة الراشدة الرصِينَة هي التي تُراعي أحوال زوجها وتقدِرُ ظروفَهُ، فترضىَ باليسير وتقنعُ بالقليل ولاتنظرُ على ما يظنُ به السعادة فليست السعادة بكثرة الإنفاق والتوسع بالمعاش والأثاث من الفرش واللبس والأكل، بل السعادة مُكَللةٌ بالتقوى والرضى والحب والهناء والقناعة. أما تلك الزوجة التي تُصِرُ على إحضار ما يصعب عليه لقِصَرِ نظرها وعدم تقديرها للعواقب فإنها تتعب زوجها، وتكدر عليه صفو عيشه، فهي ترمي ببصرها إلى النظر في أحوال الأثرياء وما يوفرونهُ لزوجاتهم، مما هو مناسب لأحوالهم؛ إذ من أسهل الأمور عليهم تأمينُ متطلبات المنزل من ضرورات وكماليات، لما يتمتعون به من الغنى والسعة، وهذه التي تدعو زوجها غير القادر إلى أن يأتي بمثل ما يأتي به أولئك تجلبُ الهمَّ والنكَدَ لزوجها بتطلعها إلى من هُمّ أعلىَ من مستواها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدرُ ألاّ تَزدَروا نِعمَةَ اللهِ عليكم)) رواه مسلم، ويتبع في النفقة أنّ الرجل عليه نفقة زوجته وأولاده حتى سن البلوغ وما بعدَ البلوغ يجوز للأب أن يقول للولد أعمل واكف نفسك إن لم يكن به مانع من الكسب كمرض ونحو ذلك، وكذا على الرجل نفقة أبويه إن كانا معسرين ولو كان الأب في صحة جيده لكنه لايعمل أو مُعسِر ليس عنده ما يكفيه فعلى الولد نفقة أبويه الفقيرين .وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الزوجة فقال: (( إستوصوا بالنساءِ خيرا فإنَهُنَّ عَوانٌ عندَكم )) رواه الترمذي وقال الله تبارك وتعالى: (( وعَشروهُنَّ بالمعروف)) أي بلا إيذاءٍ ولا تقصير في الحقوق فالذي يُحسن معاملة  نسائه فهو من أفضل المؤمنينَ أي يحسن إليهن بالعطف والرحمة والإحسان. الرجل الذي يتواضع مع زوجته ويصفح ويعفو ولا يقابل الإساءة بالإساءة ويعاملها بالحكمة والمُداراة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خَيركم خَيركم لأهلهِ وأنا خَيركم لأهلي )) رواه البخاري، ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم أحسن الناس معاملة لنساءه و الرسول عليه السلام علمنا أن نتواضع مع أهلينا التواضع مطلوب، الرجل إذ خدمَ نفسه في البيت بدل أن ينتظر خدمتها هذا عند الله أفضل، الرسول كان يتولى خدمة البيت بنفسهِ يُخيط ثوبه ويخصِفُ نَعلهُ  ويرفع دَلوهُ وهذا من كمال التواضع بين الرجل وأهل بيته، فلا ينبغي أن يُعيّرَ الرجل الذي يخدمُ في بيته ولا أن يُظن أنّ من الرجولة أن يكونَ الرجل آمراً ناهياً في مثل الخدمة بل أكملُ المؤمنين أحسنُهم عِشرة لزوجاتهم، والمراءةُ التى تُبادر للخدمة والتواضع تكون سَبَاقةً للأجر والفضل ومُثابةً عند الله يوم القيامة بالثواب الجزيل والخير العميم ، والله تعالى أعلم وأحكم  .