أحكام المولود

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

قال الله تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ-ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

الله تبارك وتعالى خلق الإنسان على هذه المراحل المذكورة في هذه الآية ثم يخرج المولود إلى الدنيا ليعيش ما كتب الله له من العمر. وجاء في الشريعة الإسلامية الحث على فعل الخيرات والمبرات عقب الولادة شكرا لله تعالى وفرحا بهذا المولود، والرسول الله صلى الله عليه وسلم  أرشدنا إلى ما فيه خير للمولود وللأهل وما فيه إشارة إلى الإلتزام بشكر الله وذكره وفعل الخير فكما هو الحال عند الولادة والمجيء إلى الدنيا كذلك هو الحال عند الفراق والموت والإنتقال من الدنيا. والآداب النبوية الشريفة  جاءت بسنية الأذان عند الولادة، والتحنيك، والعقيقة، والختان، وغير ذلك .

 

الأذان والإقامة في أذن المولود

 

يسن عند أول ولادة المولود أن يقال له في الأذن اليمنى كلمات الأذان ، وفي الأذن اليسرى كلمات إقامة الصلاة ، روى الحاكم عن أبي الرافع قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذنَ في أُذُنِ الحسن بن علي حين ولدته فاطمة " وروى البيهقي في (الشعب) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيان " وأم الصبيان هي التابعة من الجن المسماة عند الناس بالقرينة. وفي فعل هذه السنة أي إسماع المولود كلمات الأذان والإقامة المتضمنة لتوحيد الله تعالى ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم إشارة على أن أول ما يقرع سمع المولود بعد دخوله للدنيا ذكر الله تعالى وكلمات التوحيد وسماع شعار المسلمين، كما أنه يلقن بمثل ذلك عند خروجه من الدنيا إلى الموت وفي ذلك حصول البركة للمولود بهذه الكلمات وهروب الشيطان عنه لأن الشيطان لما يسمع كلمات الأذان يفر ويهرب ويبتعد، وفي هذه السنة أيضا إشارة إلى أن أول ما يستقبل في الدنيا توحيد الله والدعوة إلى إقامة الصلاة وإن كان المولود لا يعي ذلك لكن في ذلك إحياء للسنة النبوية الشريفة .

التحنيك

 

التحنيك هو إدخال طعام حلو كتمر أو عسل إلى جوف الطفل إستبشاراً بأن أول ما يدخل جوفه الحلاوة تفاؤلا بحلاوة أخلاقه، وطريقة التحنيك أن يأخذ المُحَنِكُ (والأولى أن يكون من أهل الخير والعلم والتقى) التمر ويمضغه في فمه ثم يضعه في فم المولود حتى ينزل شئ منه إلى جوف الطفل وهذا يكون في الأيام الأولى من ولادته، روي في البخاري ومسلم من حديث أبي بردة عن أبي موسى قال :"ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة " وزاد البخاري :" ودعا له بالبركة ودفعه إلي ". وروي في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن أبا طلحة ولد له غلام فحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعث به بتمرات ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أمعه شئ، قالوا: نعم تمرات فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ثم مجها في فم الصبي وسماه عبد الله . وفي حديث أسماء رضي الله عنها أنها حملت بعبد الله بن الزبير في مكة ثم خرجت فأتت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء ، قالت ثم أتيت الرسول صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شئ دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت ثم حنكه بالتمرة ثم دعا له وبرك عليه (أي قال اللهم بارك به) قالت ففرح المسلمون فرحا شديدا لأنه أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة ، وكان قيل لهم إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم ، فبطل بمولد عبد الله بن الزبير ما ادعاه اليهود .

العقيقة

 

هي ذبيحة تذبح عن المولود يوم سابعه أو بعد ذلك وهي سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: "الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى ويحلق رأسه" رواه الترمذي . وذهب الإمام أحمد إلى أن معنى "مرتهن" أن المولود لا يشفع لوالديه يوم القيامة ما لم يعق عنه وذهب بعض العلماء إلى غير ذلك . والسنة أن يذبح عن الغلام شاتان وعن البنت شاة . وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة " رواه أحمد . ويصح أن يذبح عن الغلام شاة واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا . ويسن أن يطعم الناس من العقيقة فقراء وغيرهم . ويشترط في العقيقة كما في الاضحية في جنسها وسلامتها من العيب ، ويستحب طبخها وجعلها وليمة وأن تطبخ بحلو كزبيب أو عسل وذلك تفاؤلا بحلاوة أخلاق المولود ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يحب الحلواء والعسل" أخرجه البخاري ومسلم. ويستثنى من طبخها رجل الشاة فإنها تعطى للقابلة لأن فاطمة رضي الله عنها فعلت ذلك بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ويستحب أن لا يكسر لها عظم بل تفك من غير كسر تفاؤلا بسلامة أعضاء المولود ، روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة رضي الله عنها :"ابعثوا إلى القابلة منها برجل وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظما" والسنة أن يقول عند الذبح بسم الله اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان .

 

حلق رأس الصبي والتصدق بوزن شعره

 

يستحب للمولود حلق رأسه ثم يوزن الشعر ويتصدق بوزنه ذهبا أو فضة وذلك في اليوم السابع كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة رضي الله عنها فقال :" زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة" رواه الحاكم . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث العقيقة أنه تذبح عن المولود يوم سابعه قال: " ويسمى ويحلق رأسه" رواه الترمذي . ويستحب أن يجعل على رأس الصبي بعد الحلق شئ من الزعفران لأنهم كانوا في الجاهلية يلطخون رأس المولود بدم العقيقة فأمروا بترك ذلك لما فيه وعوضوا عنه بما هو أنفع للأبوين والمولود. وفي حلق رأس المولود إماطة الاذى عنه وإزالة الشعر الضعيف ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه وأنفع للرأس مع ما في الحلق من التخفيف عن الصبي وفتح مسام الرأس وفي ذلك منافع قوية لعدة اشياء.

 

التسمية للمولود

 

 

التسمية في اليوم السابع كما مر ويجوز التسمية قبل السابع أو بعده ويسن أن يحسن اسمه لحديث :" إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء ءابائكم فحسنوا أسماءكم " رواه أبو داود .وأفضل الأسماء عبد الله ثم عبد الرحمن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " رواه مسلم . وكل اسم مضاف إلى اسم من أسماء الله كعبد القادر ونحوه . وكذلك أسماء الأنبياء ويجوز التسمي بأسماء الملائكة ولا بأس بأي اسم دل على معنى حسن وغير محرم فلا يجوز التسمي بعبد المسيح ولا بعبد النبي ولا مثل ذلك .

 

الختان

 

وهو المعروف عند بعض العوام "بالطهور" وهو قطع الجلد المستدير على أسفل الحشفة رأس الذكر . والختان واجب عند الإمام الشافعي ويحرم تركه على البالغ ، ومذهب الإمام مالك وأكثر الأئمة قالوا إنه غير واجب إنما هو سنة عندهم : ومن هنا ينبغي التلطف بمن يدخل في الإسلام وهو غير مختتن فلا ينبغي أن يكلم بذلك إن كان يخشى منه النفور من الإسلام . والختان من محاسن الشريعة والفطرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الظفر ونتف الإبط وأول من اختتن نبي الله إبراهيم عليه السلام . روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " قال البخاري القدوم : اسم موضوع . وللختان فوائد صحية عديدة زيادة على أمر النظافة والتخلص مما قد يعلق بهذا الموضع من النجاسة .

 

إستحباب تقبيل الأطفال

 

في الصحيحين من حديث أبو هريرة قال : قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس ، فقال الأقرع :إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لا يرحم لا يرحم " . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أتقبلون صبيانكم ؟ فقالوا نعم . قالوا : لكنا والله ما نقبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة " رواه مسلم . هكذا يتبين لك أيها القارئ بعض الآداب والسنن النبوية المتعلقة بالمولود ، على أنه يجب على ولي الأمر بعد أن يكبر هذا المولود ويصل إلى سن سبع سنين مع التمييز أن يعلمه ما أمر الله بتعليمه وأن يأمره بالصلاة ويعلمه أحكامها وينبغي للأهل وقد رزقهم الله هذه النعمة أن يشكروا الله وأن يحرصوا أن لا يطعموه إلا من حلال وأن يلقنونه توحيد الله تعالى وأن الله خالق كل شئ وهو رب كل شئ وهو لا يشبه شيئا عملا بقول الله تبارك وتعالى :"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة " وجاء عن سيدنا علي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية " علموا أنفسكم وأهليكم الخير " أي علم الدين وهذا من الإحسان إلى الأولاد . فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه إساءة كبيرة ، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الأهل وترك تعليمهم فرائض الدين فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم ومجتمعاتهم . قال الله تعالى :" والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما "  . والله أعلم وأحكم .