حكم النذر والوفاء به

 

النذرعبادة كانت في الأمم التى قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم  قال الله تعالى:((إذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))،وأمر الله تعالى السيدة مريم رضوان الله عليها فقال:(( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)، وقال الله تعالى في النذر:((وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ)، وقال  الله تعالى في مدح عباده المؤمنين:(( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا)، وفي الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ، فَلاَ يَعْصِهِ))، رواه البخاري ومسلم، النذرهو إلتزام بقربةٍ شرعية لم تكن واجبةً في أصل الشرع ويحصل بلفظ يشعر بذلك مثل أن يقول الشخص: لله عليَّ أن أتَصَدقَ بمبلغ كذا، أو إن شفىَ الله مريضي فعليَّ صيام ثلاثة أيام، أو نحو ذلك فبهذا تنقلب الطاعة من تطوع إلى واجب ويجب الوفاء به إن حصل المعلق عليه في النذر المعلق.

شروط النذر

ليس كل نذر ينعقد بل هناك نذرٌ لا يجب الوفاء به ولا ينعقد، ومن شروط صحة النذر أن يكون النذر فيه قربة إلى الله  تعالى كصيام أو صدقة وكقراءة قرأن أو ذكر لله تعالى باللسان أو نحو ذلك، فما لم يكن فيه قربة إلى الله تعالى لا ينعقد النذر به، كالذي ينذر مباحاً ليس فيه طاعة لله ولا تقربا إلى الله،روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، قال: « مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه »، وفي هذا الحديث أنَّ النبيَ صلى الله عليه وسلم لم يثبت نذره إلا الصيام وأما الأمور الأخرى فلا وفاء بها لأنها ليس فيها تقرب إلى الله تعالى، ويشترط أيضا في النذر أن لا يكون في معصية الله فمن نذر أن يعصي الله فلا يثبت نذره قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ( لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله)، رواه أبو داود فالذي ينذر أن يضرب مسلماً ظلما لا يثبت نذره وكذلك الذي ينذر أن يشحذّ ويطلب من الناس أموالهم وهو غني لا حق له في الشحاذة والطلب، فلا يثبتُ النذر بمثل هذا وكذلك الذي ينذر إشعال الشموع على قبور الأنبياء والأولياء فإنَّ هذا الفعل محرم ولا يجب الوفاء به لأنَّ إشعال الشموع على القبور ليس من عادات المسلمين وجاء النهيُ بذلك فيي قوله عليه الصلاة والسلام :" لعنَ الله زورات القبور والمتخذات عليها المساجد والسُرج)، أي الضوء. إلا إن كان إشعال الشموع لحاجة كإضاءة المكان لأجل الزوار أو لأجل قراءة يحتاج لضوء الشمعة فيها فهو جائز، وكذلك من النذور الفاسدة أن ينذرَ للوليِّ الميت فيقول نذرت لهذا الولي الفلاني كذا وكذا من المال أو الطعام ولا يقصد به وجه الله فهو حرام ولا يثبت النذر به إلا إن كان فعل عن روح هذا الولي كأن قال نذراً علي أن أتصدق عن روح هذا الوليِّ فهو جائز وقربة إلى الله، وكذلك يشترط في النذر أن لا يكون فيما هو واجب فلا يصح نذر صيام رمضان ولا نذر صلاة الظهر لأنَّ هذا واجب والنذر إلتزام بما هو ليس لازماً في الأصل.

أنواع النذر

النذر ثلاثة أنواع: نذرُ تَبَررْ أي طلب البِرِ من الله تعالى غير معلق بحصول شىء، ونذرٌ لوجه الله تعالى معلقٌ بحصول شىء، ونذر لَجَاَج. النذر غير المعلق هو الذي لا يكون الوفاء به معلقاً على حصول نعمة أو زوال نِقمة كالذي يقول تطوعاً منه لوجه الله تعالى نذراً عليَّ صيام غدٍ أو أن أتصدق بكذا فالوفاءُ به واجب، والنذر المعلق هو نذر قربة يتقرب بها إلى الله تعالى عند حدوث نعمة أو زوال نِقمَةٍ مثل أن يقول: إن يَسرَ اللهُ  ليَّ هذا العمل، نذراً عليَّ لله تعالى أن أتصدق بكذا أو أن شفىَ الله فلاناً فعليَّ أن أتصدق بمبلغ كذا من المال، فهذا الوفاء به واجب عند حصول الأمر الذي علق النذر عليه وهو جائز ولا يُقال فيه ما يقوله البعض إن هذا فيه إشتراط على الله ، بل يسأل الله قضاء حاجته ويعزم على نفسه بالتزام هذه الطاعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ النَّذْرُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ من البخيل)، فالأشياء التى قدرها الله تعالى وشاءها وعلمها في الأزل لابد أن تنفذ على حسب ما سبق في مشيئة الله الأزلية وعلمه لا تتبدل ولا تتغير بهذا النذر ولا بغيره، ومما يدلُ على جواز ذلك ما رواه أبو داود أنَّ امرأة أتتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني نَذرتُ إذا أنصرفتَ من غزوتكَ سالماً أنّ أضرِبَ على رأسكَ بالدف، قال: « أوفيِّ بنذركِ»، وهذا يدل على أنَّ الإنسان يجوز أن يعلق النذر لسلامة إنسانٍ ءاخر ليفيَّ بالنذر. ومعنى أن أضرب على رأسك أي أن أضربَ بالدُفِ في حضرتك فرحاً بسلامتك وشكرا لله وغالباً ما يكون مع الدف مديح وثناء على الله، وهذا يدل عدم الحرمة ولا الكراهة لذلك الأمر، فلو كان حراماً لما أمرها النبيّ بالوفاء إذ لانذرَ في معصية. والنوع الثالث من النذر نذر اللَجَاج بفتح الام والجيم واللجَاج هو الخصومة كأن يقول:إن كلمت فلاناً فللهِ عليَّ أن أصوم يوماً أو صلاة ركعتين مثلاً وهذا لا ثواب فيه لأنه حصل عند الغضب والخصومة والإنسان مخير في هذا النذر بينَ أن يفعل ما ألتزمه وبين كفارة اليمين، والله تعالى أعلم وأحكم.