الخيانة

هذه الكلمة صارت لما تُقال يَذهبُ فكر السامع إلى أنها فقط في المعاشرة المحرمة وكثير من النساء والرجال يحملونها على أن فلاناً خانَ الزوجة وذهب إلى غيرها، وتركوا أموراً  كثيرة معدودة من الخيانة فما هي الخيانة التى حذر منها الشرع ؟. الخيانةُ أمرٌ مذموم في شريعة الله تعالى تُنكرُها الفطرة السليمة وترفضها إنَّ الله لا يحب الخائنين، وإن الله لا يهدي كيد الخائنين، وإنَّ الله لا يحبُ كل خَوان كفور، و إنّ الله لا يحب من كان خواناً أثيماً، فمن الخيانة النفاق فالخائن المنافق لا يحبهُ الله وهو الذي يُبطنُ الكفر ويظهر الإيمان، وهذا الخائن الذي يَندسُ بين الناس على أنه ناصح لهم محب أمين هادي ، و هو غير ذلك غَداراً يُريد بهم سوء وشراً وفتنة، هذا وإن اندَس بين الناس، وإن عرف كيف يُرتب أموره بحيث لا يفتَضحُ أمامَ عباد الله، فأين يذهب يوم القيامة؟ ألم يُفكر في الفضيحة في ذلك اليوم!! سوفَ يُفضَح يوم القيامة أمام الناس زيادة في النكاية به، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان:(( لكلِ غَادر لواءٌ يومَ القيامة ،يُقال:هذهِ غَدرة فلان))، فكل من كانت ولايتهُ أعمّ وأشمل ثم خانَّ من تحت ولايته، فلاشكَّ بأنَّ جُرمَ هذا أكبر من جُرم من هو أقل منه في الولاية والنفزذ والسلطة. والله تعالى يقول:(( وتخونوا أماناتِكم)) خيانةُ الأمانات حرام بأنواعها وصورها، وهذه تشملُ ما يتعلق بحقوق كل ذي حَق، نحن مستأمنون عليه. فليحذر الموظف من خيانة الأمانة بتعاطي الرشوة ، وليحذر أصحاب المناصب والمراكز ولاسيما التى ترفع راية الدين والصلاح والأمانة من التخوض في المال العام دون وجه شرعي فإنها خيانة للأمانة وأعظم بها من خيانة ممقوتة جريمتها التصرف بالمال باسم الدين والدعوة وعلى إسم الله أو كتاب الله فتلك مصيبة عظمى، يقول عليه الصلاة والسلام:(( إنَّ رجالاً يَتخَوضونَ في مال الله بغير حق فلهمُّ النّارُ يومَ القيامة ))، فالمال الذي يُجمع باسم أعمال البر والخير يجب المحافظة عليه بالأمانة الشرعية والدقة والورع ، فوضعه بغير محله وصرفه على غير الوجه الذي دُفع لأجلهِ خيانةٌ  وأيّ خيانة، والمراءة التى تُستأمن على مال الزوج فتهدرهُ بغير حق ولا منفعة خيانة لما أتمنت عليه، والرجل كذلك مؤتمنٌ على أهله فليحذر من خيانة الأعمال . وليحذر كل الذين أُسنِدَت إليهم أمورُ المسلمين أوهم تسلطوا عليها من خيانة ، فمن الخيانة أن يُفتى من لاعلمَ له في الدين في أمور الحلال والحرام، ومن الخيانة أن يُمدح من يدعى الفتوى أمام الناس ويزكيه بما ليس فيه وكذا العكس، بل من أشد الخيانة خيانة الأمانة الشرعية وهي أن يُستأمنَ الرجل على الدين فيتخذهُ سُلماً للوصول إلى المناصب والأموال، وليست الخيانة محصورة بالمعنى المتعارف اليوم بين الزوج والزوجة، من علاقة محرمة أو إتصال بأجنبي فإنها نوع من الخيانة للأمانة أنما معناها أعمّ وأشمل فهناك خيانة بالقول وبالعمل كأن يوهمَ الناس أنه أهل للأمانة وهو ليس كذلك أو يخون بالعهود فليس من شيَم المسلم أن يؤتمنَّ فيخون بل تلك صفة المنافق. وليحذر كلُ راعٍ مسؤول عن رعيتهِ من خيانة ما إستؤمن عليه. والخيانة من صفات المنافقين ، والأمانةُ من صفات المؤمنين ، فاختَر أي الطريقين شئت واسلك، وتخيّر أي الوصفين تريد في زمرة صفات أهل النفاق أم في غيرهم؟. قال صلى الله عليه وسلم:(( لا إيمانَ لمن لا عهدَ له ،ولا دينَ لمن لا عهد له ))[رواه الإمام أحمد]. ومعنى لا إيمان لمن لا عهد له في هذا الحديث أي لايكون مؤمنا كاملاً من لم تكن عنده صفة الأمانة. وإنه لا صلاحَ لمجتمع إنتشرت فيه الخيانة وضاعة فيه الأمانة، ولا كرامة ولا مرؤة لأناسٍ صارت الخيانة من أعمالهم وسلوكهم وعادتهم التى وسموا بها، وهل يمكنُ لخونة أن يصلحوا وضعاً ، أو أن يقيموا أساساً ، أو أن يشيدوا عمراناً وحضارةً أو أن ينصروا دعوة، وأما من كان يعلم من نفسه الأمانة فليتولى الأمانات فهذا النبيّ الصديق يوسف عليه السلام عندما طلبَ من ملك مصر أن يجعله على خزائن الأرض، وهو في مصطلحنا المعاصر وزيراً للمالية.كان يعلم من نفسه أنه ليس بخائن، ولا يمكن أن تخطر الخيانة بفكره أبداً وهو النبيّ المعصوم الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جمعياً قال: "إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، وأعظم ما تكون به الخيانة إذا كانت خيانة لعباد الله المؤمنين؛ بأكل أموالهم بالباطل ظلمًا وعدوانًا، وما نسمعه اليوم ونراه من تفشي الكذب والخداع والغش والتزوير والسرقة والإختلاس وكثرة شهادة الزور وقول الزور والمطلُّ بالحقوق وانتشار الرشوة ونفاق وقلب وطمس للحقائق وتسلط الخونة على الناس في كثير من المجالات فهو حصيلة الخيانة من أصحاب النفوس الضعفية وأهل الجهل والنفاق ، ومانشهده اليوم من تلميع وتصدير مفتي العصر  وشيوخ  الهوى على الفضائيات وبين المجتمعات ليغيروا الحقائق ويبدلوا الثوابت من أقبح الخيانات حيث فيه إيهام وغش للناس وهدم للقيم وتحريف للصواب ، والرجل إن أوهمَ الناس أنه أهلاً للتقوى والورع والإستقامة والعلم والفتوى ثم راح يفتى بغير ما أنزلَ الله ويقول ويفعل القبائح فقد خانَ من إئتمنه ، والفتاوى الشاذة من الخيانة وتضليل النّاس عن الصواب كل هذا من أعظم الخيانة للأمانة الشرعية، حتى أصبح الكثيرون اليوم لا يعبؤونَ بالأمانة، ولا يقيمون لها وزنًا، ترى الصديق يخونُ صديقهُ والعامل يخونُ صاحب العمل والمسؤول يخونُ من دونه والزوج أحيانا ًيخون أهل بيته  والبنت تخون أهلها!، فقد قلة التقوى والأمانة بين الناس واستفحل الغش والخيانة، فكما الأب مؤتمن على أولاده وزوجته والزوجة كذلك والخطيب مؤتمن على ما يتكلم به لينفع النّاس ويرشدهم لا لليزيغهم ويكلمهم بما لافائدة فيه في وقت هم أمس الحاجة به إلى معرفة أمور الدين والحلال والحرام، والبائع مؤتمنٌ على ما يَبيع من غير خيانة وغش وكذا الكاتب مؤتمنٌ على ما يكتب لينفع الناس لا ليُملى السطور ويظهر فصاحته للناس من غير معنى مهم أو فائدة، ولذا كانت الوصية بخطاب النّاس على قدر عقولهم ، وكان لكل مقام مقال ولكل فنٍ رجال !! من هذا المنطلق أبينُ لمن سألَ عن سبب كتابتي دائماً للمواضيع الشرعية التعلمية لا الإنشائية الأدبية الشعرية فمن الخيانة أن يُستأمن الشخص على نصح الناس ولو في زاوية من الصحيفة فيسردُ لهم القصص بغير معنى ولا فائدة، واليوم الناس شبعوا  وملوا سياسة وفناً وطرباً ، فأحوج ما يحتاجونه اليوم التذكير بالأمور الشرعية العقائدية لذا أُكرر وأعيد على النّاس الدروس الإسلامية الصحيحة العلمية النافعة لا على التطرف والغلو والجهل والكلام بما حفظه الناس عن السياسة والمجتمع. ونصيحتي للناس أن يبحثوا عن الأمين ليس في البيع والشراء فقط بل في السؤال عن أمور الدين والإتباع في أمور الشرع فالرجل الأمين في الفتوي الذي شأنه أن يقول في ما لايعرف لاأدري وأن يكون همه النصيحة بالأمانة الشرعية وعنده العلم الكافي والشفقة على الناس من ان يقعوا في ما حرمَّ الله تعالى هذا الأمين المؤتمن على الفتوى والنصيحة.