إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً

تأمل في آيات من القرآن الكريم وفي خبر من قصص المرسلين ومع قصة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام مع الطاغية فرعون العنيد الظالم الذي يحكم مصر في وقتها، وإن كانت القصة معروفة لدى الكثير إلاّ أنه لنا في هذه الظروف العصيبة وقفة مختصره مع شىء من المعاني الجليلة في هذا القصص القرءاني العظيم، فقد ذكر الله تعالى قصته في مواضع متعددة من القرأن الكريم لنأخذ العِبر منها قـال تعالـى:(( لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلالْبَـٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ))، فنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام أرسله الله إلى فرعون بالآيات والسلطان المبين، أرسله ربه إلى الطاغية المتكبر فرعون الذي كان يدعي الألوهية من كفره وجبروته، فدعاه سيدنا موسى إلى توحيد الله رَبِّ الأرض والسماء، وحده لاشريك له وإلى عبادته،  فقال فرعون وما رب العالمين؟ قال ربُ السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، فقال فرعون لمن حوله ألا تستمعون..! قال ربكم ورب آبائكم الأولين، ولما عجز فرعونُ عن ردِّ الحق لجـأ إلى ما يلجأ إليه العاجزون المتكبرون من الإرهاب والظلم والبطش واللؤم والكيد والخداع والمكر، فتوعدَ  فرعون موسى بالإعتقال والسجن قال الله تعالى في ذلك: (( لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ))، وعلى عادت الطغاة تحومُ حولهم بطانة السوء ومشورة الفساد وزمرة المفسدين وعصابة الطغاة، قال له قومه مُحرضينَ له على الفتك بموسى ومن معه، كما جاء في القرءان الكريم من قوله تعالى: ((وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَوَ))، وبأسلوب الطغاة والجبابرة في كل العصور قال فرعون المتكبر كما أخبر الله عنه في القرءان الكريم:(( ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأرْضِ ٱلْفَسَادَ))، فالطغاة غالباً يعتبـرون أنفسهم هم المصلحون، وهم الغيورون على مصالح شعوبهم، ويعتبرون المعارضين لظلمهم وطغيانهم مفسدين يجب إخماد أنفاسهم ولا يرون سبيلا إلا التخلص منهم، وبعد مدة أقامها موسى عليه السلام في مصر، يدعو فرعونَ وقومَه بآياتِ اللهِ إلى الحقِّ، فلم يزدادوا إلا عتواً وفساداً وإعراضاً وعناداً واستكباراً... أوحى الله إلى موسى أن يَسري بقومه ليلاً من بلاد مصر قال الله تعالى:(( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ ))، فلمَّا علمَ فرعون بخروج موسى بقومه غاظه ذلك، واشتدَ غضبه، فأرسل في في المدائن وحشر الناس واستنفرهم لقتال موسى عليه السلام قال الله تعالى:(( فَلَمَّا تَرَاءا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ))، قالوا البحر من أمامنا فإن خضناه غرقنا، وفرعونُ وقومُه من خلفنا، إن وقفنا أدركنا وقتلنا، فقال موسى عليه السلام مقولة القائد الواثق بربه المتوكل على الله الشجاع المستنصر بالله رب العالمين ما ذكره الله عنه في القرأن:(( قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ))، كلا إنّ معي ربي معناه: لن يحصلَ ما تقولون الله معي أي ينصرني ويؤيدني بنصرٍ من عنده فهي معيةُ النُصرَةِ والكلائةِ لا معيةَ التحيزِ والحلولِ تعالى الله عن أن يَنحلَ بمكانٍ أو يحويهِ مكان، فالمعيةُ في القرءان على وجوه هناك معية ُ أي لفظُ (مع) على معنى النصر، الله معنا أي ينصُرنا، وتأتي على معنى العلم والإحاطة بكل شىءٍ علما كقوله تعالى:((وهوَمعكُم أينمَا كُنْتُم))، فلما قال موسى إنّ معي ربي سيهدين، أمره الله بضرب البحر بعصاه فانفلق البحر أثني عشر طريقاً، وصار الماء السيال بين هذه الطرق كالجبال المتماسكة بقدرة الله الذي خلقه، فلما تكامل موسى وقومه خارجين، وتكامل فرعون بجنوده داخلين في الماء، أمر الله البحر أن يعود إلى حاله فانطبق على فرعون وجنـوده، فكانـوا من المُغرقين، قـال تعالى:(( وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِى هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ ))، وهكذا أهلك الله الطاغية الباغي فرعون الذي جمع بين الكفر بالله وبين إدعاء الألوهية وظلم الناس، الله أرسل إليه النذير ليأمره بالإيمان ويبين له أن الله هو المعبود بحق الذي يستحق العبادة وهو الذي له الصفات التى ليست كصفات غيره وأن الألوهية لا تكون للبشر بل هي لرب البشر الله تعالى، فأبى فرعون وادعى الرشاد والهدي لأهله، وهذا ما ذكره الله في القرءان الكريم:(( فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ))، وفرعون كان يرى أن رأيه وأن الكل عليه أن يقول هو الرأي السديد، قال الله مخبراً عنه: (( مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ))، وكذلك قال الله تعالى عن فرعون:(( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ ))، وقال سبحانه:(( فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ))، وعنه وعن جنوده يقول الله تعالى:(( وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ))، فكان الإنتقام من الله تعالى بالغرق بتسليط الماء اللطيف الرقيق لهلاك أشد الطغاة وأعتى الجيوش في زمانه وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وهكذا كانت نهاية الظالم فرعون وجنده ومن اتبعه من الطغاة المتكبرين، ألا فليعتبر الطغاة والجبابرة أنَّ الله يُهلكهم من حيث لايدرون وأنَّ الظلم مهمَا طالَ لابُدَ أن ينصرَ الله المظلومين وأنَّ الظالم إن لم يرجع عن غَيهِ وضلاله فله عاقبة الخزي والهلاك في الدنيا والآخرة والله تعالى أعلم وأحكم.