الرزق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وبعد.

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، فالـرزق شيء مقـدر معلـوم مضروب على الإنسان وهو في بطن أمه لم يخرج للدنيا بعد، فلا يزيدُ رزقه عند خروجه على ما كُتبَ ولا ينقص وذلك تقدير الله تعالى للعباده، روي عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنّ نَفْساً لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتّقُوا الله وأجْمِلُوا في الطَّلبِ، ولا يَحْمِلنَّ أحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ الله، فإنّ الله تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِهِ }.، ومعنى روح القدس: " أي جبريل عليه السلام ومعنى "في رَوعي": أي أخبرني بالوحي" ، نعم هكذا جبريل جاء بوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه لا يموت إبن آدم حتى يستوفي ويأخذ كل ما كَتَبَ الله له من الرزق، لنْ تموتَ نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فلماذا إذاً يَسرقُ السارق، طالما أنَّ رزقه آتيه لا محالة. ولو استقرت هذه الحقيقة في ذهنه لما تجرأ على أن  يعصى الله كالكثير من الناس الذين أجترؤ على أكل الحرام وعلى حسد الناس على ما أعطاهم الله تعالى، فالله تعالى قسّمَّ الرزق حتى للبَهيمة العاجزة الضعيفة قسم لها قوتها الذي يغذيها ومائها التى تشربه قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فكمّ منَ الطير في الدنيا وكم من البهائم وما يَدبُ على الأرض و ما في قعر البحار تأكل لوقتها ولا تدخر لغد!! فاللهُ يرزقها أينّما توجهت وحيثما كانت على مر الأيام والسنين والدهور. وعندما نسمع قول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ، نعلمُ علمَ اليقين أنَّ الله تعالى هو يرزق الحريص الآخذ بالأسباب، والله تعالى هو يرزق المتوكل في رزقه والقوي والضعيف فلا يَغتَرَ قويٌ بقوته أنه مرزوق بقوته ولسانه ومهارته وذكائه، ولا يتوهم العاجز والمريض والضعيف أنه ممنوع من رزقه بعجزه ومرضه وضعفه، يقول الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، فالله تبارك وتعالى قسّمَ للبشر والجن والدواب والطيور والحشرات وجميع الدواب، رزقها فضلاً منهُ وكرماً لا وجوباً عليه سبحانه وتعالى بل محض فضله وكرمه وعطائه تبارك وتعالى، فإنّ الله لاغالب له فهو يفعل ما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ووعداً منه حقاً. ثم كن على يقين قوي أيها المسلم  أنه لايتصور أن يأكل أحدٌ رزقَ غيره أبداً أبداً قال الله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ رزقاً من الله حتى الأسباب الله خلقها فإن تحصيل الإنسان رزق بوسيلة أو بسبب أو بطريقة او بحيلة، فليعلم أنَّ الله هو خالقُ هذه الوسيلة وهذا السبب، كذلك ما أنعمَ الله عليك من النفع فهو رزق منَّ الله به عليك وتكرم، وما أعظم كلمة الإمام الرفاعي رضي الله عنه إذ يقول في شأن الرزق: عَلمتُ أنَّ رزقي لنْ يأكُلهُ غَيري فأطمئنَّ بالي، فعندما يُعلِقُ المرءُ قلبه بالتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب يرتاح فكره وتهدءُ نفسه، وما الذي حَملَ الحاسد على الحسد إلا الغفلة عن ذكر أنَّ الأرزاق بيد الله يُعطي من يشاء ويمنعُ من يشاء لأنه هو تبارك وتعالى خالق كل شئ الأسباب والمسببات والأحوال كلها والعباد كلهم في مشيئته أحوالهم وأرزاقـهم ومحياهم ومماتهم. فسبحان الله الذي وسعَ علمه الأشياء كلها، وسبحان من بخلقه و مشيئته الأنفاس والأعمار والأرزاق تجرى وهو الحكيم العليم يرزق بحكمة يعلمها ويمنع بحكمة هو أعلم بها فله الحكم والقضاء وله الأمر والخلق يفعل ما يشاء ويرزق من يشاء ويمنع من يشاء ، لارادَ لما قضى ولا مانع لما أعطى سبحانه وتعالى رزاق كريم حكيم مقتدر عليم، ثم هناك تنبيه مهم حيث جرى على لسان الكثير قول كلمة الرزق بالهمزة بدل القاف كقولهم رِزء أو قولهم بالدعاء الله يرزء أو "يرزءُوك" أو قولهم عبد الرزاء بالهمز بدل القاف، وهذا تحريفٌ للكلمة يغير المعنى إذ فرقٌ في لغة العرب بينَ معنى الرزق والرزء ،فقل الله يرزقكَ ولا تقل الله "يرزءُكَ" بل قل الله يرزقك أو يعطيك.

فيا من ضاقَ عليك رزقك وعظمَ عليك همُكَ وغمُك وكثرَ عليك دَيّنُكَ، إلزم الدعاء لله الرزاق الكريم الذي لا يُخيبُ سألَهُ ويعطي السائلين، واسأل الله جلّ جلالهُ فهو الكريم الجواد مقّسم الأرزاق بفضله وكرمِهِ وإحسانه ، ولا تظنَّ أنّ الرزق مالٌ فقط..!! بل قد يُعطيك الله نعمة القناعة التى هي كنز لا يفنى، وقد يرزقك الله أولاداً أوعافية أوعلماً وكل هذا رزق من الله تبارك وتعالى، وفي الحديث الشريف أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل يوماً إلى مسجده المبارك فرأى أحد أصحابه فوجده في المسجد في غير وقت صلاة، ونظر إلى وجه ذلك الصحابي فرأى فيه علامات الهَمِّ والغَمِ ، رآه جالسًا في مسجده في ساعة ليست بساعة صلاة، فخاطبه النبيّ الحليم الرحيم الروؤف صلوات الله وسلامه عليه ، وكان بأصحابه أبر وأكرم من الأب بأبنائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا أمامة، ما الذي أجلسكَ في المسجد في هذه الساعة؟، قال: يا رسول الله، همومٌ أصابتني وديونٌ غلبتني أي: أصابني الهمُّ وغلبني الدين واشغل فكري في ردِ الديون لأصحابها، فقال عليه الصلاة والسلام: ألا أدلكَ على كلماتٍ إذا قلتهَنَّ أذهبَ الله همكَ وقضى دينك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحتَ وأمسيتَ: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الهمِ والحزَنْ، وأعوذُ بكَ من العجزِ والكَسل، وأعوذُ بكِ منَ اُلجبنِ والبُخل، وأعوذُ بكَ من غَلبةِ الديّنِ وقهرِ الرجال، قال ابو أمامة رضي الله عنه وأرضاه: فقلتَهُنَّ فأذهبَ الله همي وقضى ديني، ومعنى قهرِ الرجال يعني أن يُذلَني الناس، فبادر أخي إلى هذهِ الفائدة العظيمة النافعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وردِد هذا الدعاء يُفرجّ الله كَربَكَ ويُذهبُ غمَكَ ويقضي دينكَ.

اللهمَّ أغنِنا بحلالكَ عن حَرامِكَ يا أرحم الراحمين.