عاقبة الظلم

الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه . يقول الله تعالى: (( إنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة )) ، ويقول الله تبارك وتعالى: {وما ربُّك بظلاّم للعبيد }، وقال تبارك وتعالى: {وما اللهُ يُريدُ ظُلمًا للعَالمين }،. وقد روى مسلم رحمه الله أن الله تعالى يقولُ في الحديث القدسي: يا عبادي إنّي حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالموا، يا عبادي كُلكم ضال إلاّ من هديتُه، فاستهدوني أهدكم .. إلى ءاخر الحديث. هذا الحديث العظيم فيه من المعني ما فيه النفع العظيم والفوائد الجليلة، ومن معاني ما جاء فيه أنّ الله عز وجل يمنُّ على عباده بنعمه، وله الحمد والمنَّة على كل نعمة. فقوله عز وجل : "يا عبادي إنّي حرمتُ الظلم على نفسي" أي تقدّستُ عن الظلم ، فالظلمُ مستحيلٌ في حق الله تعالى، لأنَّ الظلم معناه التصرف في مِلك الغير بما لا يرضى، والله يتصرف بملكه، فنحنُ وما نملكُ ملك له تعالى، فالله لا يُتصوَّرُ في حقه الظلم . ومن هُنا نهى الفقهاء الإسلاميون عن إستعمال عبارة (الله يظلمُكَ)  لأنَّ الظلم َ مستحيلٌ عليه سبحانه وتعالى بل يقال الله ينتقمُ منكَ اي يأخذ حقي منكَ يوم القيامة بالجزاءِ على ُظلمك ، والظلمُ أنواعٌ كثيرة، وأكبرها وأشدّها على الإطلاق الشركُ بالله والكفر بالله. قال عز وجل في سورة لقمان: (( إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيم)). ومما أوصى به لقمان الحكيم ابنه عدم الشرك بالله، لأنّه يعلم أنَ أكبر الظلم وأشده هو الشرك بالله، والله تعالى قال: (( والكافرونَ همُ الظالمون )) ، أيّ الكاملونَ في الظلم أي أنَّ الكافرين ارتكبوا أشد أنواع الظلم . والويل ثم الويلُ لمن أهلكَ نفسَه بالشرك والكفر لأنّ له الخلود الأبدي في النار لا يخرج منها إن ماتَ على ذلك . وما أعظمَ قول الله تعالى: (( وسَيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ مُنقَلبٍ ينقَلِبون))) وقوله تعالى: (( إنما السَبيلُ على الذينَ يظلمونَ الناسَ ))، والظلم عاقبته وخيمة وسيئة، لقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه: الظلمُ ظلمات يوم القيامة". ومن الظلم أكل أموال الناس بالباطل وأخذها ظلمًا. فقد روى مسلم رحمه الله أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم قال : "أتدرونَ من الُمفلس"؟ قالوا: يا رسول الله: المفلسُ من لا درهمَ له ولا متاع ، فقال : "إنّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وحج وصيام فيأتي وقد شتم هذا، وأخذ مالَ هذا، ونبشَ عن عرض هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطُرح عليه ثم طُرح في النار". فويلٌ للذي يأكل أموال الناس بالباطل ثم يموت من غير توبة فله النار يوم القيامة؛ وقد صَحَ في الحديث : "إنَّ رجالاً يتخوّضونَ في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة" رواه البخاري . وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم معاذَ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن بقوله "واتقِ دعوة المظلوم فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب" معناه يرجى قبولها وليس المعنى ان الله يحتجبُ بالحُجْب كالأجسام، الله منزهٌ عن ذلكَ سبحانه وتعالى . وقد قيل إنّهُ لما حُبِسَ خالدُ بن بَرْمَكْ وولده قال: يا أبتي بعد العزِ صِرنا في القيد والحبس، فقال يا بُنيَّ دعوة المظلوم سرت بليل غفلنا عنها، ولم يغفل الله عنها، والله تعالى يقول: (( ولا تَحسَبَّنَ اللهَ غافلاً عمّا يَعمَلِ الظالمون إنّما يُؤخِرُهمْ ليومٍ تَشخَصُ فيهِ الأبْصَار))،. فما أقبح الظلم وما أشنعه، وسيعلم الظُلام غدًا أي منقلب ينقلبون، في يوم تشيب فيه رؤوس الولدان . ومن الظلم أكلُ مال اليتيم قال الله عز وجل: (( إنَّ الذينَ يأكلونَ أموالَ اليتامىَ ظُلمًا إنّما يأكلونَ في بطونهم نارًا وسيصلونَ سعيرًا ))، ومن الظلم المماطلة بحق عليه مع قدرته على الوفاء، وقد ثبتَ في الصحيح أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "مَطلُ الغَنيّ ظُلمٌ". وفي حديثٍ ءاخر ليّ ُالواجِدِ " ظُلمٌ يُحلُ عِرضُه وعقوبَتُه" أيّ من وجَدَ المال ولم يدفعه للذي لهُ عليه الحق هذا حلتْ شِكايتُه وحبسُه. فمن الظُلم انّ تستأجر الأجير ولا تُوفيّ لهُ أجرتُه وان تقترض المال من الناس وتعد بالوفاء ثم تَتهرب منَ الدفعِ وتكذب وتدعي الإفلاسَ ولاتفي بالعقود ِوالعهودِ !! ومنَّ الظلم أيضاً أن يستأجر إنسانًا ولا يُعطيِه أجرتُه رغم أنه استوفى منهُ العمل لما ثبت في الصحيح، قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقولُ الله تعالى في الحديث القدسي: "ثلاثةٌ أنا خَصمُهم يومَ القيامةِ ومن كُنتُ خَصمُه خَصْمُته، رجلٌ أعطى بيَّ ثم غدَر، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثمنه، ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفى منهُ العمل ولم يُعطه أجرته". ومن الظلم أن يظلم الإنسان زوجتَه فيضربها بغير ِحق، أو يمنعَ عنها النفقة الواجبة، أو يتعدىَ على مالها بغير ِحق أو يمنعُها من تعلم الفرض العيني الدينيّ أو من تأدية الواجب الدينّي الذي عليها كالستر الواجب وأداء الصلوات ونحوه .ومما حُكيّ قولُ بعض العارفين: رأيتُ في المنامِ رجلاً ممن يخدم الظلمة والمكّاسين بعد موته بمدة في حالة قبيحة فقلتُ له: ما حالك ؟ قال: شرُ حال، فقلتُ: إلى أينَ صرت؟ قال: إلى عذاب الله. قلت: فما حالُ الظَلمة عنده ؟ قال: شرُ حال، أما سمعتَ قولَ الله عز وجل: (( وسَيعَلمِ الذينَ ظَلَموا أيَّ مُنْقَلبٍ يَنقَلبُون))، ) ومنَّ الظلم أن يتصدىَ إنسانٌ لتدريسِ الناسِ أمور الدين أو الفتوى بوسائل الأعلام ولا يُعلمهم الحق بل يُشغلهم بخُرفَاتٍ وقصص واهية، أو يُفتي بلا علم، يُحللُ الحرام، ويُحرّم الحلال، ويبيحُ الكفر غير ءابهٍ ، أو يَغشَهم في دين الله كأن يتَسترَ على المفسدين والمنحرفين ، ويا ويل من غش في دين الله ولم يعلم العقيدة الحقة ولم يحذّر من الكفر بل يُجاري الظلمة ويداهنُ على حسبِ المال والجاه، ويُفتي بما يخالفُ القرءان والحديث النبوي فيضلُ ويَضِلَ. والعياذُ بالله تعالى، ولايخفىَ أنَّ من الظلم ما يجري اليومَ من سَفكِ دماء الأبرياء والأطفال ظلماً وعدوانا وكأنَّ المشهدُ صار مؤلوفاً لدى الناس جثثٌ تُعرضُ كل يوم على َمرىءٍ العالم مظالم وغطرسة لم يَشْهَدِ التاريخ لها مثيل، والمظلومونَ لاناصرَ لهم إلا الله، ونعمَّ باللهِ وحسبُنا اللهِ ونعمَ الوكيل، أجارناَ اللهُ من الظلمِ والظالمين وحشرنا مع أحبابِ سيدِ المرسلين محمدٍ عليه أفضلُ الصلاة ِوأتمِ التسليم .