الرقية الشرعية

إنَّ الأنسان في هذه الدنيا على أحوال مختلفة ما بين صحة ومرض أي: تارةً في صحّة وتارةً في مرض، ويومًا في فرح ويومًا وأيام في حزن وهم وغم ، وما بين سعيد في الدنيا وما بين شقيٍّ فيها، سنّةَ الله تعالى في خلقه قال الله تعالى:((كل يومٍ هو في شأن)) أي أنَّ أحوال العباد في شؤون مختلفة في كل يوم، الله تعالى يغير حالهم من الصحة للمرض والعكس ، ولكنّ المؤمن يُعالج الأمراض بالعلاج الشرعيّ النافع الذي دلّ عليه كتاب الله وسنّة نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم ، فالعافية والصحة والمرض والحزن والفرح الكلُّ بقضاء الله وقدره، الله يخلق في عباده ما يشاء، والمسلم لاييأس ويضعف أمام البلاء و الأحزان والمصائب ، ولكنّه يتعاطى كلَّ سببٍ نافع وكلَّ علاج يظن به التأثير بمشيئة الله تعالى ، فالذي قدّر الأمراضَ هو الذي شرع وخلق الدواءَ وأذِنَ في الدواء لعلاج ذلك المرض ، والذي قدّر الأحزان والهمومَ هو الذي شرع علاجًا لتلك الهموم والأحزان، هكذا المؤمن حقًّا يعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الأسبابَ ومسبِّباتها، فكلّ سببٍ مخلوق كالدواء وغيره من الله، والله الذي قدّر الأسباب وما تؤثر به، الله هو الذي جعل وخلق في بعض الأدوية شفاء وبعض العقاقير دواء وعافية ونفعاً ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم أشد الناس إتِّكالاً على الله وثِقةً بالله تبارك وتعالى، ومع هذا تعاطى الأسبابَ وتناول الدواء وحضَّ على تعاطي الدواء وقصد بعض الأمور التى فيها شفاء  ونصح بتعاطي بعض ما الهمه الله ان فيه الشفاء صلوات الله وسلامه عليه. فقال معلماً عليه الصلاة والسلام:(( ما أنزلَ من داءٍ إلاّ أنزلَ لهُ شِفَاء ))، رواه البخاري، فالداءُ من الله تعالى، والدواءُ خَلق من الله تبارك تعالى، فهو الذي قدّر هذا وقدّر هذا، فالذي خلق الداءَ هو الذي خلق الدواءَ والشفاء، وجعل الدواء علاجًا لذلك الداء، وإنّ في كتاب الله العظيم  علاجٌ لأمراض في القلوب والأبدان والنفوس، وكذلك المأثور من سنّة  سيد الناس محمّد صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تبارك وتعالى:(( وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا))، وقال الله عن القرآن الكريم:(( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء ))، فالقرآن فيه شفاءٌ لأمراض القلوب، يعالجُها من الشبهات والشهوات والشكوك والهموم والأحزان، وعلاجٌ للأبدان لمَن صَدقت نيّته وعظُمت رغبته وقويت عزيمته وكان على ذكر واعتقاد أن في كلام الله نفع وشفاء وأن الله تعالى بيده الأمور وعليه التوكل في جميع الأحوال. ونبيَّنا صلى الله عليه وسلم شرع لنا أن نعالج أنفسنا بكتاب الله وبالمأثور من سنّته صلى الله عليه وسلم  ففي حديث السيدة أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا أوى إلى فراشه جمع يديه، فقرأ فيهما:(( قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ))، و(( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ))، و(( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلنَّاسِ )) ثلاثًا، ثم يمسح بها رأسه ووجهَه وما أقبل من جسدِه، ثم ينام ولما مرض مرض موته عليه السلام كانت أم المؤمنين السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها تقرأ وتمسح بيده الشريفة تبركاً وذلك من شدة حرصها على التبرك بيده الشريفة. وكان صلى الله عليه وسلم يرقي الحسنَ والحسين رضي الله عنهما فيقول:((أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلِّ عين لامّة )). وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أن صحابي شكا له ألمٍ يجِده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( ضَع يدَك على ذلك الموضِع من جسدِك، وقل: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمِه شيء في الأرضِ ولا في السماء ثلاث مرات، أعوذُ بالله وقُدرته من كلّ ما أجِدُ وأحاذِر سَبعَ مرات ))، وجاء أيضاً في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم مُرشِدًا لأمته إلى ذكرٍ نافع ينفعنا وهو في قوله عليه الصلاة والسلام:(( من قال في صباح يومه ثلاثَ مرّات: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لم يصبه ضررٌ في يومه، ومن قالها عند مسائهِ لم يصِبه ضرَر في ليلته)). وكل ذلك مع شدة التوكل على الله، فإن الله تعالى أمر بالتوكل عليه سبحانه والتوكل على الله هو ثقة القلب بالله تعالى. ثم لما كان التوكل عليه سبحانه وتعالى أمراً لازماً للمؤمنن كان المؤمن المتمكن في مقام التوكل أعلى درجة عند الله. قال الله تعالى:(( وعلى الله فتوكلوا إن كنّتم مؤمنين)) فمن توكل على الله تجنب أن يلجأ إلى ما حرم الله من أعمال فاسدة كعمل السحر والشعوذة والإسترقاء المحرم الذي يكون بكلام لاخير فيه مما هو شرك أو مما هو كلام غير مفهوم المعنى، روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( إن الرقىَ والتمائمَ والتِولَةَ شِرك ))، الرقى التى قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، إنها شرك هي ما كان فيها عبادة غير الله وأما الرقى التى من القرآن أو من ذكر الله فإنها جائزة لابأس بها لأنه صلى الله عليه وسلم رقى نفسه ورقى غيره، صح في ذلك عدة أحاديث، من ذلك مارواه البيهقي عن عثمان بن عفان قال:(( مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد، قال ذلك مراراً ))، فعلمّنا بذلك أن الرقية التى قال عنّها الرسول إنها شرك هي ما كان بكلمات خبيثه من دعوة كوكب أو شمس أو قمر أو دعوة الشياطين فبهذه الرقية التى فيها كلمات كفريه التى تُنافي التوكل على الله، وأما من كان من ذكر الله تعالى فإنه مستحب في فعله ثواب مع النفع الحاصل بالشفاء. وأما التمائم التى قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها شرك فهي خرزات كان المشركون الجاهليون يعلقونها على أولادهم على اعتقاد أنها تدفع ضرر العين بذاتها ما كنوا يعتقدون أن الله يدفع الضرر بها، وليست التمائم التى هي شرك الحرز الذي هو من القرآن أو من ذكر الله كأسماء الله تعالى تعلق على عنق المريض أو المصاب بسحر أو به كثير من الأمراض ، فمن فَسرَ التمائم بهذه الحروز فقد حرم ما أحل الله فلا عبرة بكلام متهور يدعي السلفية ونحوها إذا رأى حرزاَ في عنق شخص يقطعه ويزعم أن هذا شرك ، وقد ثبت أن الصحابة كانوا يكتبون كلمات فيها اسعاذة بالله من الشياطين ثم يعلقونها على أولادهم  الأطفال ، روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأما ماذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور من التولةَ،  فالتولة شىء من السحر إعتادة النساء أن يفعلنه لقصد تحبيب المراءة نفسها لزوجها ونحو ذلك ويشتمل على كلام الكفر والشرك، وكان ذلك من جملة ما يتعاطاه العرب في الجاهلية من السحر وكان هذا معروفا بينهم قبل نزول القرآن مما تعلموه من الشياطين لأجل السحر والشعوذة. فالطريق الجائز الذي ليس فيه معصية لمن أراد إزالة النفرة بينه وبين زوجته أن يدعو الله ويتضرع لجعل الإلفة بينهما أو يقرأ سورة (يس) بهذه النية أو نحو ذلك من الرّقيةُ الشرعيّة والتي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرقي بها، وقد ثبَت عنه صلى الله عليه وسلم أن تلاوة آياتٍ من القرآن سببٌ لإبعاد الشياطين عن الإنسان ، وأن بعضها سبب للشفاء من بعض الأمراض ،ومنها فاتحة الكتاب: (( ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ)) هي أمّ القرآن، وفاتحة الكتاب أفضل سوَر القرآن، فهي رُقية للمرَض وشِفاء من الأمراض لمن يرقي بها نفسَه، فينفث على نفسه بفاتحةِ الكتاب، فيجِد فيها راحة وعافية وشفاءً برحمة أرحم الراحمين سبع مرات أو مرة فإن فيها العافية يإذن الله. روى أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنّ رهطًا من أصحابِ النبيّ  صلى الله عليه وسلم سافروا في سفرةٍ لهم، فنزلوا على حيّ من أحياءِ العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فلُدِغ ( اي اصابه لدغ من عقرب اونحوه) سيّد القوم في الحيّ، فبحثوا عن علاجٍ فلم يجِدوا علاجًا، فقال بعضهم: لو أتيتم أولئك النفَر الذين نزلوا بكم البارحَة فسألتموهم فلعلّ عندَ أحد منهم رقية، فجاؤوهم وقالوا: لُدِغ سيّدنا البارحة، فهل من راق يرقيه؟ وهل مِن دواء؟ فقال أحدهم: نعَم أنا أرقيه، ، فاتّفق معهم على قطيعٍ من الغنَم، فجاء ذلك الصحابيّ، وجعل يقرأ:(( ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ))[سورة الفاتحة]، فقام سليمًا من مرضه، ليس به أيّ وجعٍ ولا أيّ مرض، بفضل الله وببركة قراءة فاتحةِ الكتاب مِن ذلك الصحابيّ الموقن المصدّق، فلمّا أخذوا الغنم قال الراقي: لا تقسموا حتى نأتيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنعرض الأمرَ عليه، فأتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقصّوا عليه خبَرَهم فقال للقارئ: ((وما أدراك أنها رقية؟)) يعني: كأنّه يقول: هي رقية، هذا الصحابيّ ألهَمه الله ذلك الأمر، الله ألهمَه الحقّ، فقال النبيّ: ((وما يدريك أنّها رقية؟! اقسموا واضرِبوا لي معكم بسَهم)) صلوات الله وسلامه عليه. وهكذا أيها المسلمون تداووا بالقرءان واقراوءه على المرضى وتتدبروا معانيه ففيه الشفاء لأمراض ظاهرة وباطنة وفيه النور والبركة والشفاء. اللهمَّ إجعل القرءان الكريم ربيعَ قلوبنا وجلاءَ همومنا واشفِ به أمراضنا يا أرحم الراحمين.