كذبة نيسان

 العجيب أن تتأصل العادات السيئة في مجتمعاتنا فتصير وكأنها من تراثيتنا وإرثنا وهي في الحقيقة قد تكون من أشد ما نهينا أن نتصف به، ومنها الكذب الذي عمت البلية فيه على الألسن، الكذب الخصلة الذميمة والقولة الباطلة التى لاينبغي لمسلم أن يتلفظ بها فضلاً من أن يتخذها عادة بل يعمل لها مواسم وتتناقل من جيل إلى جيل، فلنعلم أنَّ الكذب حرام في ديننا بجميع ألوانه التى يصنفها البعض كذبة بيضاء وأخرى سوداء وكذبة بالمزاح وأخرى في الجِد وتلك في أول نيسان وتلك في غيره فكل هذه الأصناف من الكذب حرامٌ حرامٌ حرامٌ!! ومن الكذبِ ما يُعرَفُ عندَ الناس بِـ" كِذْبَةِ أبريل" أو نيسان"، إلا أنَّ هذهِ العَادةٌ ليست في ثقافة المسلمين ولا من عرفهم، وللأسفِ أنَّه يُقلِدُ فيها البعضُ الجهلةِ في وسائلِ الإعلامِ ومواقعِ الإنترنت بحجة المِزاح والمرح والتسلية، وهم بذلك يحيون سنة غير المسلمين ويشجعون الناس على الكذب الصريح المحرم، ويخالفون أخلاقَ المؤمنينَ وسنةَ خاتمِ المرسلينَ عليه الصلاة والسلام، ولطالما سمعنا بكوارث وبلايا حصلت من وراء الكذب في أول نيسان!، فينبغي الحَذرُ والتحذيرُ من هذه العادة القبيحة وعدمُ المشاركةِ بشيءٍ من ذلك، بل والإنكارُ على من فعلَ ذلك، وتوضيحُ الحقِ له. وإنْ تعجبْ فعجبٌ فعل بعضُ الناسِ في هذه الكِذبةِ عندما يحبِكُونها، حيثُ يقولونَ هذه كِذبةُ أبريل (نيسان)، وكأنهم يستحلونَ الكذبَ في هذا الشهرِ والعياذُ باللهِ من ذلك، ومن يعتقِدُ حِلَّ الكَذِبِ فهو على خطرٍ عظيمٍ فقد أحل ما حرم الله ومن حلل المحرم المعلوم بين الناس حرمته فقد كذبَ النصوص وتكذيب النصوص الشرعية كفرٌ والعياذ بالله رب العالمين، ونبينا عليه الصلاة والسلام أمرنا بالصدق في كل الأقوال ونهانا عن الكذب في الِجد والمزاح فقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الصدق يهدي إلى البر وإنَّ البرَ يَهدي إلى الجنّة، وإنَّ الرجل ليصدقُ حتى يكتبَ عند الله صديقاً، وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يَهدي إلى النّار وإنَّ الرجلَ ليَكذبُ حتى يُكتبَ عنّدَ الله كذابا ))، ومن أنواع الكذبِ المحرم المنتشرةِ بين الناسِ الكذبُ لإضحاكِ الجلساءِ والرفقاء، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:(( ويلٌ للذي يُحدِثُ بالحديثِ ليُضحِكَ به القومَ فيكذِبُ، ويلٌ لهُ، ويلٌ له)). ومعلومٌ أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُمَازحُ أصحابه دونَ إكثارٍ ولا يقول إلا حقًا، فقد قيل للنبي إنك لتمازحنا؟ فقال نعم. ولا أقول إلا الحق". معناه أنَّ المِزاح شىء لابأس به ولكن ليس معنى المزاح أن يكذب الشخص ليُضحكَ الناس بل بالإمكان ممازحة الناس من غير كذب وإيذاء والكلام العربي واسعٌ وفيه فسحة واسعة من الظرافة والدعابة والأدب، فلماذا يلجأ للكذب المحرم!! وتعريف الكذب هو الإخبار بالشيء خلاف ما هو عليه على وجه العلم والتعمد و لا يوجدُ كَذِبٌ أبيضٌ ولا أسود، ولا يَحِل شيءٌ من الكذبِ إلا في عذر شرعي كخوفٍ على مال أو نفس أو نحو ذلك، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا يصلحُ الكذب في جِدٍ ولا هزلٍ" ثم الكذب مراتب، منه ما هو من صغائر الذنوب ومنه ما هو من كبائر الذنوب كالكذب على الله والرسول فهو من أكبر الكبائر والعياذ بالله تعالى،يقول الله تبارك وتعالى: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ } فكل الكذب على الله كبيرة وإن نسب إلى الله ما لا يليق به فقد كفر، بأن نسب له شريكاً أو شبيهاً أو نسب له كلاماً سفيهاً كما حصل من بعض المتهورين أمر عجيب وهو أنه قال: قال الله تعالى "إذا رأيتَ الأعمى فطبو، منك أكرم من ربو!!" والعياذ بالله من هذا الكلام المؤدي إلى الكفر، فقد قال العلماء: " إن من زادَ على القرءان حرفاً ليس منه عمداً كفر" فكيف بهذا الذي نسب هذا الكلام السفيه إلى ربه وجعله قرآناً. فالله تبارك وتعالى لا يأمر بضرب الأعمى وإهانته، بل الله تعالى يأمر بالإحسان إلى الناس ومساعدة المنكوب منهم، وأما من لم يؤد به كذبه على الله إلى الكفر بأن قال مثلاً: خلق الله كذا وكذا فيما مضى لشىء لم يحصل هذا ذنبه ذنب الكذب ليس فيه كفر. وكذلك الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً من الذنوب الكبيرة،فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد" فإن معناه إن الذنب أشد ما يكون في الكذب على مخلوقاته هو في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال الإمام أبو محمد الجويني: " من كذب على رسول الله كفر" لكنَّ الصواب التفصيل وهو أن نقول من كان كذبه على الرسول يؤدي به إلى تكذيب الدين والشريعة أو إلى تنقيصه فهو كفر كمن يفتري ويقول أن الرسول في المعراج لما كان في الملأ الأعلى تكلم الله معه بصوت أبي بكر ليأنس بذلك فهذا تشبيه لله بخلقه وتكذيب لقوله تعالى: { ليس كمثله شىء}، وكذلك من يقول أنَّ الله دَنا من النّبي ليلة المعراج بالحيز والمكان كدنو الحاجب من الحاجب كل هذا كذب على الله وعلى الرسول يؤدي بقائله إلى الخروج من الملة والعياذ بالله تعالى، ثم إنه ( أي الكذب على الرسول) حرامٌ سواء إفترى بنية تأييد شريعته أو بنية تعظيمه فهؤلاء الذين يضعون أحاديث لتنشيط الناس على الصدقة والصلاة ونحو ذلك حتى أنه وضع أكثر من مائة حديث لتنشيط الناس على قراءة القرآن، فليعلم هؤلاء أنهم ملعونون مستحقون للعذاب الشديد في الآخرة. فقد قال عليه الصلاة والسلام: " من كذبَ عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النّار" رواه البخاري. حتى أنه وصل الأمر ببعضهم أنه افترى على الرسول أحاديث بقصد تنشيط الناس لصلاة السنة فأدى به ذلك إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول بعض الناس أن الذي لا يصلي السنة يُلاقي الرسول يوم القيامة وليس على وجهه قطعة لحم. أي من شدة الخجل والعياذ بالله هذا ضد الشريعة لأن هذا معناه أنه يعذب والرسول قال للرجل الذي سأله عما افترض الله عليه في شرعه وقال له " والذي أكرمك بالنبوة لا أزيد على هذا ولا أنقص"، فقد حلف لا يصلي السنّة البتة ولا يصوم سنّة ولا يزكي سنّة بالمرة قال: " دخل الجنة إن صدق " وفي رواية " أفلحَ الرجل إن صَدق" فكيف يقال أنه يلاقي الرسول وليس على وجهه قطعة لحم وكذلك قول بعض الناس أنَّ الرسول قال: " من لم يُصلْ سنتي لم تنلهُ شفاعتي" أو "من لم يصل سنتي فليس من أمتي" كل هذا ضد شرع الله مع انه افترى ووضع بقصد تأييد الشرع وتنشيط الناس للعبادة.

فالحذر الحذر من الوقوع في التحريف والزيغ ولا ترووا كل حديث تسمعونه من الناس فلا بد أن يكون مما تسمعون ما هو صحيح وما هو كذب وقال عليه الصلاة والسلام: " كفى بالمرء إثماً أن يُحدث بكل ما سَمع " ولا يَحمَلكم هواكم على افتراءِ أحاديث بقصد تنشيط الناس للطاعة. فدينُ الله كامل مكمَل خالٍ من النقص لا يحتاج لمن يزيد فيه بنية تأييده وتعظيمه.

أيها المسلمون: لا شكَ أنَّ الكذب عملٌ مَرذول وصفة ذميمة وخصلة من خصال أهل النفاق، والكذب من أسباب نزع الثقة من الكاذب والنظر إليه بعين الخيانة والإحتقار وعدم الإحترام، والكذب دليل على ضعف النفس وحقارة الشأن، والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها، فالكذاب يقلب الحقائق، فيقرب البعيد، ويبعد القريب، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، والكذبُ ينتجُ سوء عواقب وخبث نتائج، لأنه في الغالب ينتج الفساد والنميمة، والبغضاء، والعداوة، ولذلك قيل: من قل صدقه قلّ صديقه، ومما يؤسف له أيها المسلمون ذهاب الصدق في هذه الأزمنة المتأخرة وكثرة الكذب في الأعم الأغلب، فما أقل من يصدق في حديثه، وما أقلَّ من يصدق في علاقاته ومعاملاته، ولذلك ينبغي على المرء أن يعودَ لسانه وأن يربي أولاده على الصدق في الكلام ليصدق في الحال والمعاملات نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين ويجيرنا من الكذب والكذابين والله تعالى أعلم وأحكم .