أنظر إلى السماء

هل خرجتَ يوماً بعيداً عن أضواء المدن ووقفت في مكان مظلم ورفعت بصرك إلى السقف الذي فوقنا السماء !؟ إن لم تفعل جرب ذلك ولو مرة وانظر وتأمل بهذا المخلوق العجيب السماء وما فيها من روعة الجمال وإتقان الصنع يمتلىء قلبك ويزداد تعظيماً لله رب العالمين، وتأمل قول الله تعالى في القرءان الكريم: (( أأنتم أشدُ خلقاً أمّ السماء بناها رفع سمكها فسواها ))، وقوله تعالى:((أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج))، أنظر وحدّق بعينك في هذا الملكوت العجيب ثم تفكر كيف أن عينك الصغيرة رأت هذه المساحات البعيدة وكيف بصرك جمع مع ضعفه هذا الأفق كله ثم انظر وتفكر في عظمة الخالق سبحانه وتعالى رفع هذه السماء مع ثقلها وما فيها وما تحمل من غير عمد ولامتكأ وانظر للقمر فيها والنجوم وكيف زينها قال الله تعالى: (( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ /  ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ))، بعد هذ التفكر سيلهج لسانك بذكر الله وتدمع عينك لعظمة المنظر، ويلين قلبك وأنت تسبح الله الخالق وتمجده فهو المبدع الذي أوجد الخلق وهو سبحانه المدبر للجيع المخلوقين، وهذه هي الصفة التى مدح الله تعالى عباده المؤمنين الذاكرين بقوله سبحانه:(( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)). وقد ذم الله الغافلين الكافرين الذين لايبصرون هذه العظمة فقال الله فيهم:(( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ))هذه السماء ما يظهر لنا منها هكذا!!  أما ما في داخلها فهي سبع طباقاً  أي كل واحدة منفصلة عن الأخرى فلقد ذكر في القرءان الكريم وفي السنة النبوية من أخبار ما خلق الله تعالى في السماء فمن ذلك أنها مسكن الملائكة الكرام الذين لايعلم عددهم إلا الله تعالى وهم خلق من النور ذوي أجنحة كما جاء في القرآن الكريم ويسكنون السموات مع كثرتهم ومع سعة هذه السماء فهي ممسوكة بقدرة الله تعالى، قال الله تعالى:(( أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ / أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)) والمقصود من في السماء جبريل عليه السلام الذي يرسله الله بأمره إلى الأرض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أطت السماء (صدر لها صوت) وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى))، والسماء منها تنزل البركات ومنها تهبط الرحمات قال عليه الصلاة والسلام:(( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))، أي يرحمكم أهل السماء الملائكة ينزلون بالرحمة على عباده الرحماء، والسماء هي قبلة الدعاء أمرنا برفع الأيدي إليها في الدعاء لأنها جهة الدعاء، والسماء مكان تشريف من الله تعالى لمن يحب ويرضى، فإليها عرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وإليها رفع الله المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ومنها نزل القرءان الكريم، ومنها ينزل المطر والرحمة، وفيها الجنة وسقفها العرش، وبها البيت المعمور الذي بمثابة الكعبة في الأرض إلا أنه لأهل السماء الملائكة، ومنا تهبط الأرزاق، وإليها تصعد أرواح المؤمنين الأتقياء فهي مكان مشرف ومكرم عند الله تعالى، خلقٌ عجيب يدل على قدرة الله تعالى وعظمته سبحانه وتعالى، ثم هذه السماء مكان خلق من بعد عدم قال الله تعالى: (( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)) ((فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ))، والسماء مكان يفنى بعد وجود قال الله تعالى:((يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ )) وما فيها إلا مخلوقات تعبد الله تعالى:(( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)) وهي مكان وحجم وخلق لله تعالى فلا يصح لافي العقل ولا في الشرع أن تكون مكاناً لله تعالى أو مستقراً لله تعالى الله عن ذلك ، فالمكان والجهة من صفات الخلق والله هو الخالق الذي لايحتاج لشىءٍ بل العالم بما فيه والسموات وما عليها ملكاً لله تعالى مفتقرةً لله تعالى محتاجة لمن خلقها ويمسكها بقدرته وتنزه الله أن يكون محتاجاً لخلقه وللمكان وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: كان الله ولم يكن شىء غيره رواه البخاري، فالمقرر عند المسلمين في إعتقادهم أن الله تعالى خالق المكان ولايحتاج إليه لأنه موجود أزلاً وأبداً بلا مكان ولايجري عليه زمان يقول الإمام علي رضي الله عنه في تنزيه الله تعالى عن المكان:(( كان الله ولامكان وهو الآن على ما عليه كان)) أي بلا مكان، والمسلمون سلفهم وخلفهم اتفقوا وأجمعوا على أنَّ الله تعالى لايحل بمكان ولايحويه مكان ولايسكن السماء ولايسكن العرش لأن الله تعالى موجود قبل السماء وقبل العرش وقبل المكان، فهو تعالى كان موجداً قبل الخلق والمكان بلا مكان وبعد خلق الأماكن هو على ما عليه كان فلا السماء مسكن له ولا العرش مكانا له بل الله تعالى موجود لايشبه شىء قال الله تعالى:(( ليس كمثله شىء وهو السميع البصير )) وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ((مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك)) فانظر أخي في هذه السماء المدهشة وسبح الله الخالق واستغفره من ذنوبك وارفع كفيك بالدعاء فان الله تعالى سميع مجيب وقل ربنّا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار، أيها المسلمون إنَّ التفكر في آيات الله وفي الكون في عتمة الليل وسحره، إذا أظلم الليل ودَجا، وظهرت آيات من آيات الله كانت الموعظة والذكرى، قال:(( إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لاَيَـٰتٍ لأوْلِى ٱلألْبَـٰبِ))، إنها دعوةٌ إلى التدبر في الكون وتأمّل في عظمة الخالق سبحانه وتعالى قال الله تعالى:(( قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ)) إنَّ الناظر في الكون وآفاقه يشعر بجلال الله وعظمته، الكون كلّه عاليه ودانيه، صامتة وناطقه، أحياؤه وجماداته، كلها خلق لله خاضع لمشيئة الله، منقاد لتدبيره، شاهد بوحدانيته وعظمته،قال الله تعالى:(( تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ))، هذه السماء أمامك في كل ليلة فيها العبروالعظات فارفع بصرك إلى السماءواعتبر وانظر.