الفتـنـة

 

يكثر الكلام عن الفتنة والفتن بين الناس وفي القرءان الكريم تتكرر كلمة الفتنة كثيراً، وكذا في الأحاديث الشريفة فرأيت أن نُبينَ المعنى اللغوي لكلمة الفتنة والإستعمال الشرعي لها حيث جائت في القرءان الكريم بعدة معانٍ على حسب سياق الآيات ومعانيها. أولاً تعريف الفتنة في اللغة: قال الأزهري وهو من أكابر اللغوين: جماعُ معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء ، والإمتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب ، أذبتهُما بالنار ليتميزَ الرديءُ من الجيد ، ومن هذا قول الله عز وجل: " يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ " أي يُحرقون بالنار.(من كتاب تهذيب اللغة ). وقد لخص ابنُ الأعرابي معاني الفتنة بقوله:" الفتنة الإختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة الكفر والشرك، والفتنة إختلاف الناس بالآراء والفتنة الإحراق بالنّار ( كتاب لسان العرب لابن منظور).

ثانياً: معاني الفتنة في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة أشهرها الآية المتداولة بينَّ الناس وهي قوله تعالى:(( وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل ))،هنا الفتنة على معنى الكفر والشرك أشدُ من قتل النفس التى حرمَ الله لأنَّ القتل هو أكبرُ ذنب بعد الكفر بالله تعالى، وجائت  الفتنة بمعنى الإبتلاء والإختبار: كما في قوله تعالى: (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ))، أي وهم لا يُبتَلون، وجائت على معنى الإضلال كما في قوله تعالى: (( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ))، فإنَ معنى الفتنة هنا الإضلال أي من يُردِ الله يُضله لأن الهداية والضلال بخلق الله تعالى فمن يهدِ الله لامُضلَ له ومن يُضلل لاهاديَّ له، وجائت أيضاً على معنى تعذيب أهل الأخدود كما في سورة البروج من أنَّ قوماً حَرّقوا المؤمنين بالنار وبهذا جائت الآية قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ))، وهكذا في كثيرٍ من مواضع القرءان وردت كلمة الفتنة والذي ينبغي التحذير منه ما جرى على ألسن الكثير من إيراد الآية الفتنة أشد من القتل على معنى أن من يُحرش بين الناس ويعمل الفتن ذنبه أشدُ من ممن قتل نفساً وهذا غلط مخالف للنصوص القرآن العظيم، بل وفيه تكذيب لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن أي الذنوب أعظم فأجاب " الشرك بالله" قيل له ثم أيّ قال: "قتل النفس التى حرم الله"، فمن المقطوع به عند المسلمين أن قتل النفس أكبرُ وأشد ذنب عند الله بعد الكفر بالله، وليس إفتعال الإفساد بين الناس والفتن بأشد  من قتل النفس عند الله تعالى، فاحذر أن تورد الآية بغير محلها ، وأحذر حذرأً شديدا من أن تعتقد أن معنى الآية هكذا بل الآية سبب نزولها أن مشركي العرب منعوا القتال في أشهر معينة ثم قوتلوا فيه فأنكروا قالوا هذا محمد يدعي الخير ثم يرفع السيف في مثل هذا الشهر !؟ فأنزلَّ الله في تبكيتهم وزجرهم: ((وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل))، أي كفركم بالله وعبادتكم للأصنام أشدُ من القتال في مثل هذا الشهر وليس معنى الآية أن الفتن أشد ذنباً عند الله من القتل، وإن كان عمل الفتن بين الناس أمرٌ نهى عنه الشرع وحذر منه وهو طبعُ وعادة أهل الفساد والنفاق والرذائل، وهاكَ أخي القارىء جملة من أهم كتب التفسير لتكن على علمٍ أن معنى: " الفتنة أشد من القتل" الكفرُ بالله، قال تعالى في سورة البقرة: (( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ))، فالمراد بالفتنة هنا هو الشرك وليس النميمة كما يتوهم بعض الناس فيوردون هذه الآية عند حصول أي شجار ناتج عن نميمة، قال بعض المفسرين في ذلك منهم المفسر الإمام الطبري قال القول في قوله تعالى:(( وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل ))، يعني تعالى ذكره بقوله: (( وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل ))، والشرك بالله أشدّ من القتل، وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار فتأويل الكلام إبتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه أشدّ عليه وأضرّ من أن يقتل مقيماً على دينه متمسكاً عليه محقّاً فيه، وقال القرطبي: أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جُرْماً وأشدّ من القتل الذي عيرّوكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحَضْرمِيّ حين قتله واقد بن عبد اللَّه التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، وقال ابنُ الجوزي: فأما الفتنة، ففيها قولان. أحدهما: أنها الشرك، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وقتادة في آخرين. والثاني: أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان. قاله مجاهد. فيكون معنى الكلام على القول الأول: شركُ القوم أعظم من قتلكم إياهم في الحرم . وعلى الثاني: إرتداد المؤمن إلى الأوثان أشدُ عليه من أن يقتل محقاً، وقال النسفي:(( وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل))، أي شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم، وقال الخازن في تفسيره:(( وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل))، يعني أن شركهم بالله أشدُ وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام وإنما سُميَ الشرك بالله فتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم، وإنما جعل أعظم من القتل لأن الشرك بالله ذنب يستحق صاحبه الخلود في النار وليس القتل كذلك، والكفر يخرج صاحبه من الأمة وليس القتل كذلك فثبت أن الفتنة أشدُ من القتل . وهكذا يتبن أن معنى الفتنة في الآية الشرك والكفر بالله سواءٌ باللسان كالإستهزاء بالدين أو بما جاء في القرءان ومن الشرك الذي هو فتنة أيضا الإعتقاد الفاسد من نحو إعتقاد الصورة والجسم والمكان لله تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا فلا السماء مسكناً لله ولا العرشُ مستقراً لله ولا يُنسب إليه تعالى الصورة والجسم بل الله فردُ صمد لايحتاج لشىء ولا يشبه شىء ليس كمثله شىء وهو السميع البصير، فمن حملَ معتقدا فاسداً أو تكلم بشرك أو كفر فهو عند الله أكبر من قاتل النفس وبعده في الطغيان عند الله القتل ولهذا وصف الله عباده المؤمنين بقوله تعالى:(( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ))، فالقتلُ بغير حق جريمة كبرى والفتن التى تنتج قتل النفوس البريئة ليست بمنىء عن الوقوع في المهالك وكذا من أشعلها ممن حمل راية الزعزعة وإثارة البلبلة في هذه الأيام على أنواع وصور للفتن فقوم جاءوا باسم الإصلاح والصحوة والدعوة ومسميات واسماء ظاهرها يختلف عن باطنها، وحقيقتهم الدعوة إلى الفتن والقلاقل والتنفير والتفرقة وإيقاظ الفتن النائمة ، وقوم تظاهروا بالدعوة للمحبة فأوقعوا بين الأحبة،  وقوم إدعوا العدل والقسط فظلموا وفتنوا إلى أبعد الحدود قال الله تعالى:(( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون* أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)). فالتسويق للفتن والترويج للفساد وزرع القلاقل والنعرات بغير هدى أمر في غاية الخطورة ، لأنه قد يضيع الحق ، ويظهر الباطل ، ويفشو الجهل ، بل وتسفك الدماء ظلماً ، وترمل النساء وييتم الأطفال ، وينتشر الخوف في الناس ، وحينئذ تكون الفتنة أيضا؛ لأنه بالقتل والفوضى يتهم هذا هذا ويحرض هذا على هذا،  والعدو يكيد لهذا ولهذا و يصطاد بالماء العكر بين هذا وهذا!. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفتن في الصلاة وغير الصلاة. فالمال والأولاد والرخاء والعافية والغضب والمصائب ونحوها قد تكون فتنٌ للمرء ليبتلى أيصبر أم يكفر، والله تعالى يعلمُ الصابرين من الشاكرين ولكن ليُبَينَّ للناس من هو أهلٌ للتقوى ومن هو منافق يَكفرُ عندَ المصائب ويرتدُ عند النوازل ومن هو عابد لله في الرخاء والسراء وعند البلاء إلى أن يلقى الله تعالى، وإننا اليوم في معترك فتن عظيمة من هذه، فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضًا، وينسي بعضها بعضًا، فالمال فتنة هلكَ بهُ كثيرٌ من الناس في هذه الأزمنة ، والأولاد فتنة وكم استعصى أمرهم على معظم أولياء الأمور، ومخالطة الأشرار من المنافقين فتنة وكم امتلأت منهم الديار وعظمت بسببهم الأخطار، والنساء الفاجرات فتنة كم جلبنَّ من المصائب على الكثيرين، وكم يكيد بهنَّ الأعداء لإفساد مجتمع المسلمين، نعوذ بالله من الفتن ما ظهرَ منها وما بَطن، ونسأله الهدى والسداد والصلاح في الحال والمآل . وموقف المؤمن من الفتن الثبات على الحق والدعاء فكم للدعاء أثرٌ عظيم في الثبات والنصر، والإستعاذةُ بالله تعالى من الفتن، وفي حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( بادِرُوا بالأعمالِ الصالحةِ فتنًا كقِطعِ الليلِ المظْلِم، يصبحُ الرجلُ مؤمِنًا ويُمسِي كافِرا )) رواه مسلم، وهذا الحديث كأننا نعيش في واقعه ألا ترى من الناس من يبيع الدين بشىء من الدنيا ؟ وذلك لغلبة الفتن وشدة الغفلة وكثرة الجهل بدين الله تعالى ، اللهَ نسأل العصمة من الفتن ما ظهر منها وما بَطن فأنه لاعاصمَ من الفتن إلا الله تعالى ، والله تعالى أعلم وأحكم.