الخمرةُ حرامٌ شُربها حرامٌ بيعُها

أيها المسلمون إتقوا الله تعالى وتمتعوا بما أحلَّ  الله لكم من الطيبات واشكروه عليها بالقيام بطاعته والبُعد عن معصيته، فإنَّ الشُكرَ سببٌ للمزيد من النعم قال الله تعالى :(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ))، واجتنبوا ما حرّمَ  الله عليكم من المطاعم والمشارب لعلكم تفلحون، فإنَّ الله لم يحرمها عليكم إلا لضررها ولو كانت خيراً ما حَرمَها عليكم و الله ذو فضل على الناس عظيم. فلم يحرم عليكم إلا لحكمة يعلمها الله ظهرت لنا أم لم تظهر و ما فيه ضررٌ في دينكم أو دنياكم أو فيهما جميعاً ، قال الله تعالى في وصف نبيكم  صلوات الله وسلامه عليه: (( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ))، والطيبات هي ما أحَلَّ اللهُ والخبائثُ ما حَرَمَ اللهُ تعالى، أيّها المسلمون المؤمنون بمحمدٍ أنه مرسل من عند الله  وبما أنزلَ عليه من الله رب العالمين ، إنَّ منَ الخبائثِ التي حَرَمَ اللهُ عليكم على لسان نبيكم بالوحي الذي أوحىَ إليه ذلكَ الشرابُ الخبيث:" الخمر"، و تعريفه هو كل شيء مُسكرٍ قليلهُ أو كثيرهُ ولو سُميَّ بأسماء أخرى  مختلفة كما في أيامنا يسمونه بأسماء كالشراب الروحي والعرق والبيرة أو بلغات أجنبية ونحو ذلك قال النبيُ صلى الله عليه وسلم: (( كلُ مُسكِرٍ خمرٌ )) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة رسول الله وصاحبه: ( الخمرُ ما خامَرَ العقلَ )، ومعنى خامرَ العقل غطاهُ بالسُكْرِ والذهولِ فالخمرُ ليس من نوعٍ معين مخصوص بل هو كلُ ما أسكرَ وغطىَ العقل واختلَ به التمييز سُكراً و تلذذاً سواء كان من العنب أو الشعير أو الفواكه وغيرها ، والخَمرُ حرامٌ بكتاب الله تعالى حرامٌ بسنَةِ رسول الله وحرامٌ بإجماع المسلمين إجماعاً قطعياً معلوماً بالضرورة من دين الإسلام لا خلاف فيه ولا نزاع  ولا إشكال ولا لُبسَ ولا يخفى على أحدٍ تحريمهُ قالَ اللهُ تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ / إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ  فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ))، وقالَ النبيُّ صلىَ الله عليه وسلم: (( كُلُ خمَرٍ - وفي روايةٍ: كُلُ مُسْكِرٍ – حَرَام ))، رواهُ مُسلم، وأجمعَ علماءَ المسلمين في مشارقِ الأرض ومغاربها وقديماً وحديثاً على أنَّ الخمرَ حرامٌ إجماعاً قطعياً لا ريبَ فيه فمنْ قالَ: إنهُ حَلالٌ فهو كافرُ يؤمر بالرجوع إلى الإسلام بالشهادتين وإلا فحكمهُ حُكمُ المُرتَدِ المُكذب لكلام الله مع العلم بالتحريم ولأنهُ إستَحلَ أمراً معلومٌ حرمَتهُ بينَّ الناس، أما لو لم يَستحلَ شربَ الخمر بل فعلَ وشَرِبَ يُسمىَ مُسلمأ عاصياً فاسقاً ولايُكفَرُ إنماَ وقَعَ في ذنبٍ كبيرٍ، وليُعلم أن من أعتقدَ أنَّ الخمرَ حلالُ فهوَ مُكذِبٌ لكتابِ الله و لرسولِ اللهِ خارجٌ عن إجماعِ المسلمين ، أما من شَرِبَ الخمرَ وهو يعتقدُ بأنها حرامٌ ولكن سَولتْ له نفسهُ بها فشربها فهو عَاصٍ لله فاسقٌ مرتكب لذنب من الكبائر مستحقٌ للعقوبة في الآخرةِ أنّ لم يَتُبْ إلى الله قبل الموت ، وأما ما يُدندِنُ به البعض من أنّ التحريم ليس صريحاً فهو إفتراءٌ ومراوغة، ففي قوله الله تعالى: (( فَاجْتَنِبُوهُ ))، مع قوله تعالى: (( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون))، دليلٌ على حُرمة شرب الخمر، وقبل نزول هاتين الآيتين لم تكن الخمرة محرمةً على أمة محمد أي إذا كانت إلى القدر الذي لا يضرُ الجسم ، مع ذلك فإنَّ الأنبياء لا يشربونها  أبداً ولا يحثون أممهم على شرب الخمر لأنَّ ذلكَ يُنافي حكمة البعثة التي هي تهذيبُ النفوس والإرشاد غلى حفظ العقول لا إلى تضيعها ، وقليلُ الخمر يؤدي إلى كثيره ، وما يزعمُ بعضهم من أنّ سيدنا عيسى عليه السلام قال قليلٌ منَ الخَمر يُفرِحُ قلبَ الإنسان، فهوَ كَذِبٌ عليه ولا يليق بالسيد المسيح  عليه السلام مثل هذا، وأمّا قوله الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىحَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُون))، فهذا نَزلَ قبل التحريم، وكذلك قوله تعالى: (( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالميْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ))، فظَلُّوا يشربونَ الخمر بعد نزول هاتين الآيتين بل لمّا نزلت هاتان الآيتانِ قال سيدنا عمر رضيّ الله عنه " اللهمَّ بيّن لنّا في الخَمرِ بيانًا شافيًا " ثمَّ نزلَ قوله تعالى (( فَاجْتَنِبُوه ))، مع قوله تعالى: (( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ))، لأنّهم فهموا منهُ التحريم القطعيَّ ، والله تعالى تسهيلاً عليهم حتَّى لا يكون عليهم مشقّةٌ زائدةٌ في الإقلاعِ عن شُربِ الخمرِ أنَزَلَ التحريمَ شيئًا فشيئًا حكمة من الله تعالى . ثم لما نزلَ قوله تعالى: (( فَاجْتَنِبُوهُ )) مع قوله تعالى (( فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ )) قال سيدنا عمر "إنتهينا  إنتهينا " وأراقوا الخمرَ حتى جَرت في الطرقات. وروى عن سيدنا أنسُ بن مالك رضى الله عنه قال: (( لعنََ رسُولُ اللهِ في الخَمرِ عشرة: عَاصِرها ومُعتصِرها وشاربها وحامِلها والَمَحمولَةُ إليه وسَاقيِها وبائعها وآكلَ ثمنهَا والمشتريَ لها والمشتراةُ له )). والحديثُ ليسَ فيه ذِكرُ ناظرُها فأنَّ منَ النّاس من يَزيدُ من عندِه قولَ ناظرُها على أنَّ الناظرَ للخمرِ لايكونُ عاصياً إلا أن استحَسَنَ ولم يُنكِرُها قالَ صلىَ الله عليه وسلم: (( منْ شَرِبَ الخمرِ في الدنيا ثمَّ لم يتُب منها حُرِمَها في الآخرةِ )) رواه مسلم، أي لم يشرب من خَمر الجنّة الذي لا يُسكرُ ولا يُضعف العقل بل به لذة اللشاربين، ولقد وصفَتِ الخمرُ بأقبحِ الصفاتِ في كتابِ الله تعالى وفي أحاديث رسولهِ وصفها اللهُ بأنها رِجسٌ من عَمَلِ الشيطان وقرَنها بالميسرِ ( القمار ) والأزلام وعمل الشياطين فقال تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ  فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ))، والخمر مفتاحُ كل شر وإن شاربها يفقدُ عقلَهُ ويتشبه بالمجانين إنهُ ربما يقتلُ نفسَهُ ويؤذيها أو يقتل غيره وهو لا يشعرُ وربما يزني وهو لا يشعرُ وربما يَعتَدي على غيرِه وهو لا يَشعر و هي تستنزفُ المال ، وتصدّع الرأس، وهي كريهةُ المذاق ناهيك عن أحوال معروفة بالبشاعة والرذالة لمن تعاطها، وهي رجسٌ من عمل الشيطان؛ توقعُ العداوة والبغضاء بين الناس، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما أخبر الله الذي خلقها، وتضعف الغيرة والشهامة وتورث الخزي والندامة والفضيحة بين الناس والمجتمع ، وتلحق شاربها بأنقص الصفات وأقبحها وتسلبه الهيبة والكرامة ومكانته بين الناس ، وفيها مؤاخاة الشياطين في تبذير المال في الحرام، وتهتك الأستار وتظهر الأسرار وتكشف على العورات وشاربها  يجهر بارتكاب القبائح والمآثم والأخلاق الدنية،  ومدمنها كعابد وثن تشبيها لعظم ذنبه كما جاء في حديث رسول الله، وكم حركت من قتال وعراك وشجار ، و كم أذلت من عزيز وكم فسخت مودة لعداوة، وكم فرقت بين رجل وزوجته وعياله، فذهبت بقلبه وراحت بلبّه فترك عياله ولهث وراء السُكر والغيبوبة عما هو ملزم فيه، وكم أورثت من حسرة، وكم فتحت أبواباً من الشر والبؤس والبلايا والمحن ، وآفاتُ الخمر لو تحصى أضعاف أضعاف ما ذكرنا ، وكلها بشعة قبيحة وكيف لا والخمر أمُّ الخبائث فهي موقعة في الذنب مذهبة للعقل مُضرة بالصحة بإجماع أهل الطب المسلمين وغيرهم مدمرةٌ للمجتمع مورثة لأمراض جسدية ونفسية، فإنَ شارب الخمر تجدُه دائماً في ضيقٍ وغمٍ وقلق نفس كل كلمةٍ تثيرُهُ وكلُ عَملٍ يضجرهُ لأنَّ قلبهُ معلقٌ بالخمرِ لا يفرح ولاينشرح إلا بتناولها و الإجتماع عليها. وأما ضرر الخمر في المجتمع فهو إيقاعُ العداوة والبغضاءِ بين الناس وقلة الأخلاق الفاضلة والإغراء بالزنا واللواط وكبائرِ الإثم والفواحش كما شِهدَ بذلكَ الخبيرون بالجرائم وأسبابها في أغلب الدول. ولايخفيَ ما يحصلُ سَنوياً من حوادثِ سيرٍ وشغبٍ في البلاد وما تبذلهُ الحكومات من محاربة لهذا الداءِ المهلك للفرد والعائلة والمجتمع وكم ينفق عليها لبرامج تحذيرة وكم امتلائت سجون بلاد  تدعي الحضارة من المدمنين المجرمين ناهيك عن ما يحصل في الحفلات العامة من أضرار تجند لها الجنود لحفظ الأمن وعدم الإضرار بالناس ولو اكتفوا بحكم الشريعة من التحريم لكفوا مؤنة محاربة المسكرات وأضرارها. وحاصل ما ذكرنا الخمرُ حرامٌ شُربُها، كبيرٌ أثمها، واسعٌ ضررها، حرامٌ بَيعُها لقوله عليه الصلاة السلام: (( إذا حَرَمَ اللهُ شيئاً حَرَمَ ثمَنهُ)).