الصراط جِسرٌ من فوق النّار الى الجنة

 إنَّ الإيمان بصدق ما جاءَ به النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم من الأخبار سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة وما يحصل لأهل الجنّة وأهل النار واجبٌ، وهذا داخلٌ بمعني قولنا " أشهدُ انَّ محمداً رسول الله"، أي أُصَدِقُ بكل ما أخبرَ به النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، ومن جملة هذه الأخبار الإيمان بالصراط ، وكلمة الصِراط تُطلق على معنى الطريق الموصل للجنّة كما في قول الله تعالى:(( ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ))، أي يا ربنا وفقنا واهدنا لطريق الحق الموصّل للجنّة، وأما في الكلام عن أحوال الآخرة فالصراط هو جسرٌ خلقهُ اللهُ يَمرُ من فوق نار جهنم ويوصل للجنّة والناس كلهم يوردونَهُ أي يَمرونَ إمّا عليه أو في هوائِهِ ، وذلك لما جاءَ في القرءانِ العظيم والحديث الشريف ما يُثبت ذلك ، ففي قوله تعالى في القرءان: (( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ))، وأيضاً إستفاضت الأحاديث التى فيها ذكر هذا المخلوق العجيب الذي يَردهُ النّاس يوم القيامة كما في حديث البخاري وهو حديث طويل وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال:(( ثم يُؤتىَ بالجسر فيُجعل بين ظَهري جهنم . قُلنا : يا رسول الله ، وما الجسر ؟ قال : مَدْحَضَةٌ مَزلَة ،( أي مَزلقة تَزِلقُ عنه الأقدام) عليه خطَاطِيف وكَلاليب ( شىءٌ يخطفُ النّاس عنهُ الى جهة النار)، وحَسَكة مُفلطَحة لها شَوكة عَقِيفَةٌ ، تكونُ بنَجدٍ، يُقال لها: السعدَانْ ، المؤمن عليها كالطَرف وكالبَرق وكالريح، وكأجَاويدِ الخيل والركاب ، فنَاجٍ مُسَلَم ونَاجٍ مَخدوش ، ومَكدْوسٌ في نار جهنم ، حتى يَمرَ آخرهم يُسحَبُ سَحباً))، وهذا الصراط يكون أحدُ طرفيهِ على الأرض المبدلة لأنَّ الأرض التى نحنُ عليها تُبَدَلُ يومَ القيامة قال الله تعالى:(( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ))، والطرفُ الآخر فيما يَلي الجنّة وتكونُ  جهنم الملتهبة المستَعِره تحته والناسُ كلهم يردونَهُ يَعبُرونه، فالكفار يَتهاوونَ عنهُ إلى جهنم التى تكون تحته فوراً ، الكفار لا تَثبتُ لهم قَدمٌ عليه يَزِلونَ يَسقطونَ من عليه الى النّار والعياذ بالله تعالى، وأما المؤمنونَ فعلى أحوال يعبرونه منهم من يَمرُ فوقه كالبرق الخاطف، ومنهم كالريح ، ومنهم كالخيل المسرعة، والجريان والعبور عليه بحسبِ أعمالهم كما وردَ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الأنبياءُ والأولياء ونحوهم فأولائك يمرونَ بهوائهِ طائرينَ بلا شك ولا يُصيبهم منه خوفٌ ولا فَزع لأنهم آمنونَ من الفَزَع في ذلك اليوم، اللهُ تعالى وعدهم ووعدُه الحقّ قال الله تعالى:(( أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))، وبعض عصاة المسلمين يكون نوع من عذابهم أن يَزلوا ينزلقونَ عن الصراط ثم يعودوا ويدخلون الجنة، تتَخطفُهُ الكَلاليب فتهوي به الى ناحية النّار ثم تُعيدُهُ الى الصراط هذا يكون عذابهم، أما الأنبياء والأولياء يمرونَ في هوائهِ مُطمئنينَ لأنَّ الورود المعنّي في قوله تعالى:(( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ))، نوعان ورودَ دخول وهو للكفار، وورودَ مرور في هواءِ النّارِ وهذا يَصحُ لغةً وشرعاً، كما أخبرَ اللهُ عن موسىَ عليه السلام: (( وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ))، أي وقف عنده، وقال الله تعالى في بيان حال فرعون ومن إتبعه يوم القيامة: (( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ))، هنا معنى الورود الدخول الى النّار، ويُقال وردتِ الإبل الماءَ من غير دخولهِ، ومرت الطائرة بالبلد الفُلاني من غير أن تُلامس أرضهُ، وهذا الموافق للنصوص وهو تكريمُ الأنبياء والأولياء والشهداء في الآخرة بأنّهم لا يكون عليهم خوفٌ يومَ القيامة ولا حُزنٌ فكيفَ يدخلون النّار ولا يخافونَ ولا يحزنون! فوضح بُطلانُ قول البعض إنَّ معنى الآية:(( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ))، أنَّ الناس كلهم يدخلون النار ثم يخرجون منها أفواجاً ! أليسَ الله تعالى قال عن الأتقياء:(( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ))، فالصحيح أنَّ الورود المذكور هو العبور للمؤمنين والدخول للكافرين ولا يُستبعد ذلك لأفراد من البشر من مرورهم من أن يمشوا على الجسر لأنَّ الله تعالى الذي أمسكَ السماء في الهواء بلا عِلاقة ولا عَمَد وسَخَرَ السحاب الثِقال وعليها بحورُ الماء بين السماء والأرض بلا عِلاقة من فوق ولا عَمدٍ من تحت قادرٌ على أن يُمسكَ أحبابهُ الأنبياء والأولياء على أن يعبروا على الصراط في الهواء من غير أن يَلحقُهم أي إزعاجٍ من لهيبِ النار المشتعلة تحت الصراط ، وجاءَ وصفُ الصراط الذي يُنصَبُ بقدرة الله يوم القيامة أنه يكون أوله فيه إرتفاع ثم يستقيم وجاء أنَّ شكله دَحضٌ مَزلة أي على جوانبه مُنزَلقَات يتهاوىَ منها الكفار الى النّار كما في الحديث الشريف: ( دَحضٌ مزلة) أي شديد الخطورة إلا من سَلمهُ الله تعالى، وورد أيضاً أن الصراط أدقُ من الشعرةِ، كما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (( بَلغَني أنهُ أدقُ من من الشعرةِ وأحَدُ من السيف))، فليسَ المُراد ظاهرهُ وإنّما المُراد بذلكَ أن خطرهُ عظيم فإنَّ يُسرَ الجوازِ عليه وعسره على قدر الطاعات والمعاصي ولا يعلم حدود ذلكَ إلاّ الله وقد ورد في  الحديث أنه تجري بهم أعمالهم كما في الحديث أنَّ النبيَ صلى الله عليه وسلم قال: ( فيمرُّ أوَّلُكُم كالبرقِ قالَ : قُلتُ : بأبي أنتَ وأمِّي أيُّ شيءٍ كمرِّ البرقِ ؟ قالَ : ألم تَروا إلى البرقِ كيفَ يمرُّ ويرجعُ في طَرفةِ عينٍ ؟ ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ ، وشدِّ الرِّجالِ ، تَجري بِهِم أعمالُهُم ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ يقولُ : ربِّ سلِّم سلِّم ، حتَّى تَعجزَ أعمالُ العبادِ ، حتَّى يجيءَ الرَّجلُ فلا يَستَطيعُ السَّيرَ إلَّا زَحفًا ، قالَ : وفي حافتيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ بأخذِ منِ أُمِرَتْ بِهِ ، فمَخدوشٌ ناجٍ ، ومَكْدوسٌ في النَّارِ... الحديث))،  وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه، قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ( يُضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكونُ أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحدٌ إلا الرُسل، وكلامُ الرسل يومئذ: اللهمَّ سَلِّم سَلِّم... ) الحديث رواه البخاري ومسلم وليس المراد بالحديث أن الأنبياء يخافون على أنفسهم بل المراد الدعاء بالسلامة لغيرهم وإلا فالأنبياء يبُعَثونَ آمنونَ مطمئنون لا يخافونَ ولا يُصيبهم من أهوال القيامة شيء، فالثبات عليه والجواز بأمان مرهونٌ بالثبات على عقيدة المسلمين الى الممات وعدم الوقوع بالكفر فمن زاغَ في المعتقد فظنَّ بالله تعالى أنَّ له شبيهٌ أو مكان أو أنه يَتخذُ الجهات كسائر الخلق فهو مُشبه لله بخلقه كافر بالله العظيم، ولو ماتَ على هذا فلن يُجاوز الصراط بأمانٍ، بل سيسقطُ الى النار الملتهبة المستعرة، وكذا من نَطقَ بكلمات الكفر التى كسبِّ الله أو الإستهزاء بالجنّة والنّار أو شَتمِ أحداً من الأنبياء أو الملائكة، ومات من غير توبة، من غير أن يَنطِقَ بالشهادتين مُتبراءً من هذا الكفر، فمثلُ هؤلاء لا تثبتُ لهم قدَمٌ على الصراط يوم القيامة ، وأما من اتقى الله بأداء الواجبات وإجتناب المحرمات ومات على ذلك فأولائكَ يمرونَ في هوائِهِ بحسبِ أعمالهم، فمن أرادَ السلامة في ذلكَ الموقف فليُعدَّ له عُدَتهُ من تقوى الله والإكثار من فعل الخيرات والثبات على عقيدة أهل السنة الى الممات .

اللهمَّ سلِمنَا يومَ القيامة واجعلنا اللهمَّ من الذينَ لاخوفٌ عليهم في ذلكَ اليوم العظيم، اللهمَّ آمين آمين. واللهُ تعالى أعلم واحكم.