ابن أم مكتوم الصحابي الذي عاتبَ اللهُ نبيَهُ فيه

عبد الله بن أم مَكتوم صحابي جليل إبتلاهُ الله بالعَمى، لكنه مع ذهاب بصره حازَ قوة في بصيرته، وهمة عالية في طلب المعالى والتزود من الخيرات. أسلمَ مع أوائل الصحابة وهاجر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر مسجد النبيّ صلى الله وسلم للصلاة ولسماع الخير والتزود من العلم سماعاً من النبيّ صلى الله عليه وسلم . وفي يوم من أيام مكة جاء ابن أم مكتوم الى مجلس النبيّ صلى الله عليه يتحسسُ بعصاه الطريق ولا يرى وجه النبيّ ولكن يسمع صوته، فدخل وسلمَ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم منشغلٌ يكلم بعض زعماء قريش يدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم في الدخول فيه، وقبل فراغ النبي صلى الله وسلم  من كلامه قال ابن أم مكتوم يا رسول الله علمني مما علمكَ الله وجعل يكرر ذلك..، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ملتفتٌ إلى مع من يرجوا بإسلامهم أن يتبعهم الكثير من أتباعهم إذ إنه قد قوي طمعهُ في إسلامهم وإسلام من وراءهم من قومهم، فكرهَ رسول الله قطع كلامه معهم وأعرض عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه ولم يعطه ما سأل فعاتبه الله تعالى في ذلك في الآيات التى في مطلع سورة "عبس" قال الله تبارك و تعالى معاتباً نبيه لإعراضه عن ابن أم مكتوم: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى )، أي قطبَ ما بين عينيه وتولى أي أعرض بوجهه الكريم عنه، وبعد نزول السورة كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رأى إبنَ أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول:" مرحباً بمَن عَاتبني فيه ربي" ويقول هل " لك حاجة "؟ وفي كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم للأعمى أشدُ بيان أنَّ الآيات عِتابٌ لطيف للنبيّ، أي توجيه وتنبيه بلطف أن لا يعود إلى هذا ، وليست الآيات تعنيفاً للنبيّ صلى الله عليه وسلم بل مجرد معاتبة وإرشاد له عليه السلام من الله تعالى بشأن هذا الضعيف الأعمى الذي لم يؤذهِ النبي أيَّ إيذاء لا بلسانه ولا بغير ذلك ولم يُغلِظ عليه ولم يكسر خاطره، وحَاشَا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل مثل هذا وهو الذي أنزل الله في مدح أخلاقهِ الشريفة:(( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ))، فمن كان على خُلق عظيم ومن كان خلقهُ القرءان لا يجرح ولا يؤذي صحابياً أعمى كان أو بصيراً، إذ إنَّ النبيّ عليه الصلاة والسلام أسوة للناس في أخلاقه العالية الشريفة. وجُلُّ ما حدث أنه عليه السلام لم يعط الأعمى ما طلب رغبة في تحصيل فائدة للمسلمين، وهي أسلامُ صناديد قريش، لكن الله تعالى ما شاء هدايتهم فلم يسلموا، وفي الحادثة دِلالة  واضحة على أنَّ النبيّ لا يعلم الغيب، وأنَّ الهداية بمعنى خلق الإهتداء في القلوب لا تكون إلا من الله عز وجل، فهو الموفق والهادي لا إله إلا هوَ، يهدي من يشاء ويضلُ من يشاء، هدى قلب ابن أم مكتوم رضي الله عنه مع كونه لم يبصر المعجزات إذ هو أعمى البصر قوي البصيرة، وأضلَ الله قلوب البعض من أهل مكة ممن شاهدوا المعجزات الباهرات الخوارق للعادات الواضحة النيرات الشاهدات على صدق دعوته صلى الله عليه وسلم فيما بلغ ودعا إليه. يقول تبارك وتعالى ( أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ) جائت الآية بذكر الأعمى ولم يذكر باسمه للإشعار على أنَّ الصحابي وهو ابن أم مكتوم معذور في ما فعل حيث إنه لم يكن يبصر من في المجلس ولو أبصر ما كانَ ليقطعَ كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم ، بل جُلُ أمره أنه سمع صوت النبيَ صلى الله عليه وسلم فطلب الاستزادة من العلم والمزيد من سماع القرأن. قال تعالى:( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي: أيّ شيء يجعلك عالماً بحاله حتى تعرض عنه؟ لعله يزكى، أي: لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما تُعلمُه أياه، ( أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أي: أو يتعظ فتنفعه الموعظة. ( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ) أي: من استغنى عن الإيمان والقرءان بما له من المال والجاه والزعامة ، (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أصلها تتصدى أي: تُصغي لكلامه، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى): أي الكافر وهذا تحقير لشأن الكفار والمعنى ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام من تدعوه إليه فإنه ليس عليك إلا البلاغ، إذ الهدى بيد الله تعالى وأنت عليك أن ترشدهم وتدلهم وتحثهم على الدخول في الإسلام، أما خلق الإهتداء في قلوبهم فهو إلى الله تعالى وحده ليس لأحد غير الله خلق الإهتداء في القلوب. قال تعالى: "وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ". ( وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ) أي: مسرعاً إليك ، طالباً أن ترشده إلى الخير طالبا للعلم والقرءان ، (وَهُوَ يَخْشَى)، أي: يخاف الله تبارك وتعالى ،( فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) أي: تتشاغل وتعرض عن الإقبال عليه.((كَلَّا)) أي لا تفعل بعدها مثلها، مع أن فعله صلى الله عليه وسلم لم يكن معصية كبيرة ولا صغيرة، ومن قال هو معصية صغيرة أخطأ لإنّ النبيّ صلى الله عليهم وسلم لم يحصل منه إيذاء لابن أم مكتوم بتاتاً. كيف وابن أم مكتوم رضي الله عنه هو ابن خال السيدة خديجة رضي الله عنها واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم مرتين على الصلاة بالناس في المدينة المنورة في غزوتين من غزواته، وكان يؤذنُ للنبيّ عليه السلام مع بلال وله الأذان الأول في السحر وفيه قال عليه الصلاة والسلام:« إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم » رواه البخاري.

فمما يجب التحذير والتنبه له قول بعض الجهلة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم آذى الأعمى وكسر قلبه وهذا باطل لا أصل له..!!!

وكذا قولهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكرهُ قراءة سورة عبس..!!! وهذا فساد كبير فالسورة تُقرأ من غير كراهة لا في الصلاة ولا في غيرها، وليس في السورة تنقيص من قدرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن ظنَّ هذا فقد هلكَ فالقرأن كلهُ نزلَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم شرفاً له وتكرُمَةً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم .