سجود الملائكة لآدم تحية واحترام

الله تبارك وتعالى خلق آدم أبا البشر وأول الأنبياء والرسل وكان خلقه في الجنة من غير أب ولا أم مشرفاً مباركاً ، ثم علمّه الله تعالى أسماء الأشياء واستخدامتها ومنافعها، ليتمكن في الأرض وينتفع بها وينفع ذريته غاية الإنتفاع، قال الله تعالى:((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ))، كما علمه الله تعالى أمور المعيشة من الزراعة والحصاد وإصلاح الطعام والثياب والتنظف وغيرها من أمور المعيشة،وكان خَلقُ آدم من الطين سويَ على هيئة إنسان جميل الخلقة طويل القامة معتدل الأطراف، ثم خلق الله فيه الروح بقدرته، فإذا هو إنسانٌ من لحم ودم وعصب يتحرك ويعقل ويمشي ويتكلم، ثم أمرَ الله ملائكته الذين كانوا في الجنة مع آدم عليه السلام أن يسجدوا لآدم سجود تكريم واحترام وتشريف لهذا المخلوق المكرم عند الله تعالى وليس سجود عبادة لغير الله لأنَّ الله لا يأمرُ أحدًا أن يتوجه بالعبادة إلى غيره فكان الأمر للتشريف والتكريم والتحية والإحترام، قال الله تبارك وتعالى:(( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ((،

فسجد الملائكة كلهم لآدم عليه السلام إمتثالاً لأمر الله ، باستثناء إبليس الذي أبىَ أن يسجد إستكبارًا وعنادًا وكان الأمرُ شَمله مع الملائكة لأنه حينها كان يعبد الله مع الملائكة فكان معنى "وإذا قلنا للملائكة" أي ومن معهم فشمله الأمر لكنه أبى واستكبرَ واعترضَ على أمرِ الله وكفر، ولقد سألهُ الله تعالى وهو أعلمُ به عن السبب الذي منعهُ من السجود لآدم بعد أن أمرهُ به، فاحتجَ بأنه أفضل منه تكوينًا فهو قد خُلق من نار، بينما آدم خلق من طين، والنار في رأيه أفضل من الطين، وأبدى غاية التكبر والإعترض، عندها طرده الله من الجنة، ولعنه لعنة دائمة إلى يوم القيامة بسبب تكبره وكفره قال الله تعالى:(( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ))، ومثلُ قوله تعالى في توبيخ إبليس:( (ما مَنعكَ أن تَسجُدَ لِمَا خَلقتُ بيَديَّ ))، أي بعنايتي وحفظي، فيجوز أن يُقال المراد باليدين هنا العناية والحفظ . فقوله تعالى: ( بيديَّ ) يدل على أنَّ ءادم خُلِقَ مشرفاً مُكرّماً بخلاف إبليس، ولا يجوز أن نحمل كلمة بيديَّ على معنى الجارحة كأيدي المخلوقات ، ولوكانت له جارحةٌ لكان مثلنا ولو كان مثلنا لما استطاع أن يخلقنا، لذلك نقول كما قال أهل التفسير: أي خلقته بعنايتي بحفظي معناه على وجه الإكرام والتعظيم له ، أي على وجه الخصوصية خلق ءادم أي أراد له المقام العالي والخير العظيم . أما إبليس ما خلقه بعنايته لأنَّ الله عالمٌ في الأزل أنه خبيثٌ هذا الفرق بين إبليس وءادم . فيتبينَ أنَّ الله تعالى أمرَ الملائكة الكرام أن يسجدوا تحية وتعظيم ولبيان فضل النبين على الملائكة عند الله تعالى، وآدم عليه الصلاة والسلام أولُ البشر وهو أول النبينَ وأولُ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فكان هذا من السجود الجائز غير المحرم ، والله أعلم وأحكم.