الإيمان بعذاب القبر

 الله تعالى جعل القبر حاجزاً بين الدنيا والآخرة ويسمى المكوث في القبر الحياة البرزخية، فهو إنقطاع عن الدنيا ولكن المقبور لا يُعامل فيه على إسمه أو جاهه أو رتبته في الدنيا بل على عمله وما قدم قبل الموت، فكان القبر أول منازل الآخرة، والقبر حفرة موحشة مظلمة يخاف منها الإنسان بطبعه وكم أرقت ليالي الصالحين وأسهرت خوفاً منها وتفكرًا فيها ودعاء بالنجاة من عذابها، وكم وعظت بصمت من يتعظ لما في مشهد القبور من مواعظ وعبر، حفرة ضيقة يُوسدُ الميت فيها ثم يُهالُ التراب عليه وينقطع عنه البشر، فلا ضوء ولا شيء معه إلا كفنه وعمله، والكفن يبلى والطيب والحنوط يذهب ويبقى العمل وما قدم المرء لهذا المنزل المهيب الذي يتساوى الناس فيه بافتراش التراب، والقبور وما يجري فيها من العجائب لا ندركها بحواسنا ونحن أحياء عادة ولولا أنَّ الله تعالى أوحى لنبيه وأخبرنا عن القبر وما فيه لما علمنا، فلا بالتجربة ولا بالتنقيب ولا بالحساب ولا بغيرها من علوم البشر ووسائلهم.. لا يُدرك يعلم ما في القبور من أهوال وعذاب بل يدرك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من صحيح الحديث بعذاب القبر ونعيمه ومن لا يؤمن بما جاء به النبي بالوحي لا بد أنه كافر مكذب لخبر الوحي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي القرآن العظيم من الآيات ما يشير الى أحوال بعض أهل القبور من العذاب والنكد ، وكذا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثيرعن ما في القبر وأحواله وأهواله، فعن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ) قال: «نَزَلَتْ في عَذَابِ الْقَبْرِ» رواه الشيخان. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا )  قال: «عذاب القبر» ، وقال الله تعالى: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ )، ولا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما هو في الدنيا، فتبين أنهم معروضون بعد مماتهم على النار. ويدل على ذلك ما جاء في قوله عليه السلام في حديث أصحاب القبرين المعذبين ( إنهُمّا لعَذبِانِ) وكذا في حديثه صلى الله عليه وسلم: ( إستنزهوا من البول فإنَّ عَامةَ عذابِ القبرِ منهُ ) وفي الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام كان يتعوذُ بالله من عذاب القبر علماً أنه صلى الله عليه وسلم  معصوم لا يخش أن يعذبَ في قبره ، ولكن ليُعلم أمتهُ ذلك فعن إبن عباس رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بعد التشهد في الصلاة: " اللهمَّ إني أعَوذُ بكَ من عذابِ جهنم وأعوذ بكَ من عذابِ القبر وأعوذ بك من فتنةِ الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ..." وايضاً في قوله عليه الصلاة والسلام: ( القبرُ إمّا روضةٌ من رِياض الجنة أو حُفرةٌ من حُفَرِ النَار )، وفي تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لسورة الملك بالمانعة المنجية من عذاب القبر أكبر دليل على ثبوته كما سيأتي في الحديث.

عود الروح إلى الجسد في القبر

 ثبتَ في الأخبار الصحيحة عود الروح إلى الجسد في القبر كحديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الحاكم وغيره وهو حديث طويل فيه ذكر العذاب في القبر، وفيه ويُعادُ الروح إلى جسده. وأما حديث ابن عباس مرفوعاً:( ما من أحدٍ يمرُ بقبرِ أخيهِ المؤمن كانَ يعرفهُ في الدُنيا فيُسَلمُ عليه إلا عَرَفَهُ وردَ عليهِ السلام )، ونحنُ نؤمن بما ورد في هذا الحديث ولو لم نكن نسمعُ ردّ السلام من الميت لأنَّ اللهَ حجَبَ عنّا ذلك ويتأكدُ عودُ الحياة في القبر إلى الجسد مزيد التأكد في حق الأنبياء فإنه وردَ من حديث أنسٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام :( الأنبياءُ أحياءٌ في قبورِهم يُصلون ) رواه البيهقي. وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ذكر فتَّاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أتردُ علينا عقولنا يا رسول الله قال: ( نعمْ كهيئَتِكُمُ اليومَ ) قال: فبفِيهِ الحجَر أي سَكتَ، ومعنى الفتَّان الممتَحِنْ ، منكرٌ ونكير سُمّيا بذلك لأنهما يَمتَحِنَانِ الناسَ ولأنهما مخوفَانِ فقد ورد في الحديث الذي رواه ابنُ حبان أنَّ الرسول قال: ( إذا قُبرَ المَيتُ أو الإنسانُ أتَاهُ مَلكانِ أسودانِ أزرقانِ يقالُ لأحدِهما مُنْكَرٌ وللآخرِ نَكيرٌ فيقولانِ لهُ ما كُنتَ تَقولُ في هذاَ الرجلِ مُحمَد )... الحديث ، وقول عمر رضي الله عنه: أتردُ علينا عقولنا يعني السؤال فقال له الرسول: ( نعم كَهيِئَتِكُم اليومَ ) أي يكون الجواب من الجسم مع الروح فقال عمر : فَبِفِيهِ الحَجَر ، أي ذاك الخبر الذي لم أكن أعرفهُ وسكت وانقطع عن الكلام معناه ليس له حُجّة على ما كان يظن ، هو كان يظنُ أنه لا تُرَدُ عليهم عقولهم فلما قال له الرسول بأنه تُرد عليهم عقولهم عَرَفَ خَطأ ظنّه ، ويدل على ذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ العبدَ إذا وضِعَ في قبرهِ، وتولى عنهُ أصحابه، إنه ليسمَعُ قَرعَ نِعَالهم..)  وكل ذلك فيه إثبات العذاب في القبر بالروحِ والجَسدِ عذاباً حسياً

ما جاء في أنواع عذاب القبر

 قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم :( إنَّ العبدَ إذا وِضِعَ في قَبرهِ وتَولىَ عنهُ أصحابهُ وإنّهُ ليَسمعُ قرعَ نِعالهِم إذا انصرفوا أتاهُ ملكان فيقعدانِه فيقولان له ما كنتَ تقول في هذا النَبيّ محمد فأمّا المؤمن فيقول أشهد أنه عبدُ الله ورسولهُ فيقالُ له أنظر إلى مَقعدِكَ من النّار أبَدلكَ الله به مَقعداً منَّ الجَنة فيراهما جميعاً وأما الكافرُ أو المنافق فيقولُ لا أدريِ كنتُ أقولُ ما يَقولُ النّاسُ فيه فيقال لا دَرَيتَ ولا تَليتَ ثمَّ يُضربُ بمِطَرقَةٍ من حَديد ضَربَة بينَ أذنَيهِ فَيصيحُ صيحةً يَسمَعُها من يَليهِ إلا الثقلين)، قال الحافظ العلامة الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله في بيان معنى الحديث: تؤخذُ روحه الى مكان ينظرُ منه الى جهنم فيرى مقعده في النار لو مات على الكفر، وقال ثمّ إنَّ مُنكر ونكير يضربانه بهذه المطرقة ضَربة لو ضرب بها الجبل لانّدكَ، فيصيحُ صيحةً يسمعُها من يَليه من بَهائِمَ وطيور إلا الإنس والجّن فانَّ الله حَجبَ عنهم ذلك . وفي حديث ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بسؤال القبر وعذابه ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال:(وإن كانَ منافقاً قال سَمعتُ النّاس يقولونَ فقلتُ مثلهُ لا أدري فيقولانِ قد كُنّا نَعلمُ أنَكَ تَقولُ ذلكَ فيقال للأرض إلتَئِميِ عليه فتلتئمُ عليه فتختلف فيها أضلاعه فلا يِزالُ فيها مُعذباً حتى يبعثهُ الله من مضجعه ذلك)، إلتائمُ الأرض عليه حتى تختلف الأضلاع أي تتشابك، ثم بعدها يُعذب بأشياء أخرى وردت بالأحاديث ثم يبعث يوم القيامة فيدخل النار وفي الحديث بيان عود الروح إلى الجسد والإحساس، وهنا تنبيهٌ مهم وهو ما يتوهَّمُهُ بعضُ الناسِ مِن أنّ القبرَ يضيقُ على كُلِّ أحدٍ في البدايةِ ثم يُوَسّعُ على المؤمنِ غيرُ صحيحٍ وهو لا يليقُ بِكرامةِ المؤمن التقي عند الله أما بعض العُصاةِ يحصلُ لهم ذلك برهةً من الزمن، وأمّا ما يرويهِ بعضُهم في حَقِّ سعد بنِ مُعاذ رضي الله عنه أنّ النبي قال:" لو نَجا مِنها أحدٌ لنَجَا سَعد" فغيرُ صحيح أوردهُ ابن الجوزي في الموْضوعات، كيف يكونُ هذا وقد ورد في فضل سعد ( إهتزَ العرشُ لموتِ سَعد ) رواه البخاري ، فمن إهتزَ العَرشُ لمَوتهِ كيفَ يليقُ بمقامِهِ أنْ يصيبَهُ ضغطةُ القبر، وما يُروى عنه من أنه كان لا يحترز من البول فغير صحيحٍ بدليل ما وردَ عن رسول الله من أنه وصف سعداً بأنه شديدٌ في أمرِ الله ، وورد عن عائشة أنها قالت في حق سعد: لم يكن في عشيرة بني الأشهل أفضل من سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر .وَيُرَدُّ على مَنْ يقولُ بأنَّ ضَمَّةَ القبرِ للأتقِياءِ تكونُ ضَمَّةَ حنانٍ كَضَمِّ الأمِّ لِولَدِها أن هذا يُعارِضُ ما ذكروا لأن النّجاةَ لا تكونُ إلا مِن العذاب، وقد أخبرَ الرسولُ عكسَ هذا كما جاءَ في الحديث الذي رواهُ مسلم ( إنَّ المؤمنَ التَّقِيَّ يوسَّعُ له في قبرِهِ سبعينَ ذِراعاً في سبعينَ ذراع ) وَتُدفَعُ تلكَ الأحاديث المكذوبة بهذه الآية { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ

يَحْزَنُونَ}، فالولِيُّ لا يحصُلُ لهُ بعدَ مَوتِهِ خوفٌ ولا حُزْن، ولا يختَلِفُ إثنانِ أنَّ ضَغطة القبرِ فيها خوفٌ وحزنٌ وما يتوهمه بعض النّاس من أنَّ القبر يَضيق على كل أحد  في البداية ثم يوسع على المؤمن غيرصحيح .

المعذبون في القبور

 من يعذب في قبره بروحه وجسده هم الكفار وبعض العصاة المسلمين من أهل الكبائر الذين ماتوا قبل التوبة وهم صنفان: صنف يُعفيهم الله من عذاب القبر وصنفٌ يُعذِبهم ثم ينقطع عنهم العذاب ويُؤخّر لهم بقية عذابهم إلى الآخرة. وهناك معاصٍ جاءَ الخبرُ بتأكيد تعذيب مرتكبيها الاّ من رحمَ الله كالغيبة والنميمة والتضمخ بالبول روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن إبن عباس مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: ( إنهما ليُعذَبانِ وما يعذبانِ في كَبيرِ إثمٍ قال بلىَ أما أحدهما فكانَ يَمشي بالنميمة وأما الآخر فكانَ لا يستَـتِرُ منَ البَول ) ثم دعَا بعسيبٍ رَطبٍ وهو غصنُ نَخلٍ أخضر فشَقَهُ إثنين فغرسَ على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: ( لعَلهُ يخفَفُ عنهُما )، فهذا الحديث بعدَ كتاب الله حُجّة في إثبات عذاب القبر، الرسولُ مرَ على قبرين فقال: ( إنهُمَا ليُعذبَانِ وما يُعذبَان في كبيرٍ إثم ) ثم قال: ( بلىَ ). أي بحسبِ ما يرىَ النّاس ليس ذنبهما شيئاً كبيراً لكنهُ في الحقيقة ذنبٌ كبير لذلك قال: بلىَ أما أحدُهما فكانَ يمشي بالنميمة وهي نقل الكلام بينَ اثنينِ للإفساد بينهما، يقول لهذا فلانٌ قال عنكَ كذا ويقول للآخر: فلانٌ قال عنك كذا ليوقعَ بينهما الشحناء، وأما الآخر فكانَ لا يَستنْـزِهُ من البول أي كانَ يتلوثُ بالبول وهذا الفعل تلويث البدن بالبول من المُحرمات الكبائر فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( إستَنْـزِهُوا من البولِ فإنّ عامةَ عذاب القبر منه)، ومعناه: تحفظوا من البول  لا تلوثوا ثيابكم وجلدكم به لأن أكثرَ عذاب القبر منه. هذان الأمران بحسبِ ما يَراهُ الناس ليسا ذنبين كبيرين لكنهُما في الحقيقة عند الله من الكبائر، فالرسول رءاهما بحالةٍ شديدة وأنهما يُعذبان وليس من شرط العذاب أن تمسَّ جسده النار، الله جعل عذاباً كثيراً غير النار في القبر، ولا يقال إنّ الميت إذا كان يرى في القبر في هيئة النائم ولا يُرى عليه شيء من الإضطرابات ولا يصرخ فإذاً هو ليس في عذاب؛ فقد قال بعد الفقهاء: (عدمُ الوجدانِ لا يَستَلزِمُ عدمَ الوجود) فإذا نحنُ لم نر الشىء بأعيننا فليس معناه أنَّ هذا الشىءَ ليس موجوداً ؛ فكثيرٌ من الأمور أخفاها الله عنّا وبعضها يكشِفها الله لبعض عباده .

أسباب النجاة من عذاب القبر

 مما ثبت في أسباب النجاة من عذاب القبر المداومة على قراءة سورة الملك فقد روى الضياء المقدسي من حديث ابي هريرة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إنَّ في القرءان ثلاثين ءاية تستغفر لصاحبها حتى يغفر له ، تبارك الذي بيده الملك )، وعن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وَددت أنها - أي تبارك الذي بيده الملك - في جوف كل إنسان من أمتى ) ، فمن حافظ على قراءة سورة الملك بلفظ صحيح ونية خالصة كان داخلاً في هذه الأحاديث ولا يعذب في قبره إنّ شاء الله، وفي الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا فيه إنسان يقرأ تبارك الذي بيده الملك حتى ختمها، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخبرهُ، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم: ( هيَ المَانِعة هي المُنجِية )، ومن أسباب النَجاة من عذاب القبر أيضاً لمن مات من غير توبة الموت على نوعٍ من أنواع الشهادة غير القتل في سبيل الله كما جاء في الأحاديث كالمطعون والغريق والحريق والمرأة تموت بألم الولادة وغيرهم ممن نالوا الشهادة غيرشهادة المعركة، فأؤلئك كلهم لا يعذبون في قبورهم إن ماتوا على الإسلام وهم متلبسونَ بالمعاصي الكبائر لأنهم نالوا نوع من أنواع الشهادة قال عليه الصلاة والسلام:( من قَتلهُ بَطنهُ لم يُعذب في قَبره)، أي من مات بسبب مرض بالبطن وكذا من قتل ظلماً ومن قتل دون ماله أو عرضه أو مثله مما جاء في عدة أحاديث.

أيها القارىء لا بُدّ لنا من وقفة تَستحق التفكر فيها والعمل لها ألا وهو القبر الذي صار إليه عدد كبير من أقاربنا وأحبابنا ومن نعرف ومن خالطنا وعاشرنا، وحتمًا سنصير إليه، فهل من كثيرعمل قبل الوصول لذلك؟! فاللهمَّ أيقظ قلوبنا من الغفلة وأزِل عنها حُبَ الدنيا ونسيَانَ الموت، ووفقنا اللهمَّ للعمل الذي يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين.