شرح الصدر بفضائل ليلة القدر

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يدور الفلك دورته وتمضي الشهور والأيام والليالي ويُقبل شهر رمضان أفضل شهور العام وفيه ليلة هي أفضل ليالي السنة، جعل الله فيها الأمان والسلام وتهبطُ فيها الملائكة الكرام وُيرجى فيها قبول الدعوات وتضاعف فيها الحسنات ويسعِدُ الله فيها من شآء بما شآء،  إنها ليلة القدر، هي الليلة التى قال الله فيها :

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ { سُميت ليلة القدر لأنها ليلة الشرف العظيم وفيها أنزِلَ القرءان الكريم إلى بيت العزّة فقد أمرَ الله تعالى جبريل فأخذ  القرءان من الذكر أي اللوح المحفوظ فنزل به جبريل إلى مكان في السماء الدنيا يسمى بيتَ العزة دفعة واحدة ثم بعد ذلك صار ينزلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم  نجوماً أي متفرقاً نحو ثلاث وعشرين سنة من الوحي وقيل سميت ليلة القدر من الضيق أي هي ليلة تضيقُ فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون،  وقيل في سبب تسميتها ايضاً أنه نزل فيها كتابٌ ذو قدرٍ وملائكة ذوو قدر، وإذا ما ذكرتَ ليلة القدر تبادرَ إلى أذهان كثير من الناس في هذه الأيام أنَّ الكلامَ عن آخر رمضان والصحيح أن ليلة القدر قد تكونُ في أول يوم من رمضان أو في أي يوم من أيام رمضان المبارك إلا أنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ] ألتمسوها  في العشر الأواخر[ أي الغالب أنها تكون في العشر الأواخر من رمضان، ولهذه الليلة العظيمة خصوصيات ومزايا من ذلك أنه في هذه الليلة العظيمة المباركة يُفرَقُ كلُ أمرٍ حكيم أي أن الله تعالى يُطلع بعض ملائكته على ما يصيبُ العباد من الأمور التى تحدث إلى العام القابل من موت  ورحمة ومرض وفقرٍ وغير ذلك مما يطرأ للبشر. قال الله تعالى:} إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ{  وقد فسرَ عبد الله بن عباس الآية أنه في ليلة القدر يكون تقسيم القضايا التى تحدث في العام  المقبل ويُظِهرُ اللهُ للملائكة ويبينُ لهم تفاصيلَ ما هم مأمورونَ بفعله فينسَخونَ في صحفِهم من اللوحِ المحفوظ ما يجرى للعباد خلال هذه السنة من موت وحياة و أرزاق ومصائب وفرح ونحو ذلك.

ومن خصائص هذه الليلة المباركة أيضاً أنّ من يسرَ الله له وأدرك رؤيتها ودعا الله بدعوة كان ذلك علامة الإجابة فكم من أناس سعدوا من حصول مطالبهم التى دعوا الله بها في هذه الليلة.

وفضل هذه الليلة في أمرين: قيامها أو رؤية علامتها الدالة على أنها ليلة القدر أما القيام فيحصل بالصلاة فيها وإن كان عدد الركعات قليلاً أو كثيراً وإطالة الصلاة بالقراءة أفضلُ من تكثير السجود مع تقليل القراءة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ]من قامَ ليلةَ القدر إيماناً واحتساباً غفرَ لهُ ما تقدَمَ  من ذنبهِ[. وإما رؤيتها فإما أن يراها يقظة وإما أن يراها بالمنام . ورؤيتها باليقظة أقوى وهو أن يرى شيئا من علامات ليلة القدر كرؤية نور يخلقه الله غير نور الشمس والقمر والكهرباء يراه الشخص و لايراها من معه إن لم يوفقوا لرؤية تلك الليلة المباركة بل الشخص الذي وفقَ لرؤيتها يرى هذا النور العظيم وحده. ومنها أيضا رؤية الأشجار ساجدة أو سماع صوت الملائكة  بالتسبيح ونحوه أو مصافحتهم أو رؤيتهم على أشكالهم الأصلية ذوات أجنحة مثنى  وثلاث ورباع و قد يتشكلون بشكل بني ءادم ذكوراً و لا يتشكلون بصور الإناث . ومن علامتها أيضاً طلوع الشمس في صبيحتها لطيفة. فمن حصل له شىء من هذه  العلامات يكون أدرك رؤية ليلة القدر و إن رءاها في المنام دلَّ ذلك على خير لكنه أقل من رؤيتها يقظة ومن لم يرها مناماَ ولا يقظة واجتهد في القيام والطاعات وصادف تلك نالَ من عظيم  بركتها. وفضل ثواب العبادة في تلك الليلة أفضل من ثواب العبادة في ألف شهر، قال الله تعالى:

} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ {و الظاهر أن ألف شهر يرادُ به حقيقة العدد وهي ثمانونَ سنة وثلاثة أعوام وثلث عام  فالعمل في تلك الليلة أفضلُ من العمل في هذه الشهور والحكمة من أن هذه الليلة لم تحدد بيوم معين بل بقيت خافية إذ في إخفائها يقوي اجتهاد العباد في ليالي رمضان كلها طمعا في إدراكها ولو حددت لترك كثير من  الناس الاجتهاد في بقية الليالي وتفرغوا لتلك الليلة كما أخفى الله ساعة الإجابة في يوم الجمعة ومعنى قول الله تعالى: }تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ{ أي تنزل الملائكة وجبريل في تلك الليلة إلى الأرض قال رسول الله صلى عليه وسلم: (( إذا كانت ليلة القدر نزلَ جبريل في َكبْكبَةٍ ( أي جماعة) من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبدٍ قائم أو قاعد يذكرُ الله  فينزلونَ من لدنّ غروب الشمس إلى طلوع الفجر ))،  واختلف المفسرون في معنى الروح فقال منهم الروح ملكٌ عظيم الخلقة، وقال بعضهم الروح هو جبريل وقال ءاخرون طائفة من الملائكة لاتراهم الملائكة إلا تلك الليلة حين ينزلونَ ما بين المغرب إلى الفجر . وقول الله تعالى: }بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ{ أي بما امر به وقضاه وينزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة إلى قابل .

 }سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ { أي ليلة القدر سلام قيل في معناها أي لا يحدث فيها داءٌ ولا يرسل فيها شيطان قاله مجاهد. وقيل إن معنى السلام: الخيرُ والبركة وذلك حتى طلوع الفجر.

وأما ما اعتادَ عليه الناس من الإجتماع للصلاة والدعاء في أغلب البلاد ليلة السابع والعشرين أوليلة تسع وعشرين أو ثلاث وعشرين ولا يشترط أن تكون في ليالي الشفع أو الوتر فقد  تكون في الثاني و العشرين و الرابع و العشرين مثلاً فالقرءان الكريم أولُ ما نَزلَ  كانت ليلةُ أربع وعشرين من شهر رمضان ، فعن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أنزلت صحفُ إيراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لستٍ مضينَ من رمضان و الإنجيل لثلاثِ عشرة خَلتْ من رمضان وأنزَلَ الفرقان لأربع وعشرين خلتْ من رمضان"  رواه الإمام أحمد. فثبتَ في الحديث أن ليلة القدر صادفت شفعاً وليس وترأ كما هو شائع عند بعض الناس ولايقال إن ليلة القدر لاتأتي إلا ليلة السابع والعشرين و من أسعده الله برؤية هذه الليلة يُسن له أن  يدعوا الله بالدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجته عائشة رضي الله عنها فقد سألته: أرأيتَ إن علمتُ أي ليلة ليلةَ القدرما أقول فيها؟ قال: (( قولي اللهمّ إنك عفوٌ تحبَ العفوَ فاعفُ عني )) رواه الترمذي.

أخي المسلم إغتنم ليالي هذا الشهر المبارك واشتغل بطاعة الله عسى أن تخظى بهذا الخيرالعظيم أوتجمع زاداً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم . نسألك اللهم عملاً متقبلاً وبركة في أوقتنا وأعمارنا وزودنا التقوى يا أرحم الراحمين والله أعلم.