عادات طيبة في العيد

 

العيد هو يوم فرحة المؤمن بطاعة الله تعالى ويومٌ شرع الله فيه إظهار البهجة والسرور، إنّه يوم عيد الفطر المبارك والنّاس بالتقاليد لهم الكثير في العيد ويختلف بين مجتمع وآخر وبينَ زمن وآخر، ونحنُ في بلاد الغربة خليطٌ متنوع بين عادات البلاد الإسلامية في العيد، ولكن ما يهمُنّا المحافظة عليه ما هو ثابت في الدين ولا مخالفة فيه بشأن العيد، ومن المهم أن لا نتركَ التمسك بتقاليدنا المفيدة المستقصاة من الشريعة في بلاد الإغتراب، فيومَ يتأمرك العيدُ ويصبح العيد على الطريقة الأمريكية لن يفرحَ أحفادنا بالعيد كما فَرِحنَا أيام العيد في بلادنا، لو فعل العيد على غير طريقة المسلمين فسيصيرُ يوم العيد يوماً عادياً عند أبنائنا يذهبون فيه إلى المدرسة ويمارسون برنامج حياتهم العادية لن يذقوا ما ذاقه الآباء والأجداد من فرحة العيد وأنسه ولن ينتظروه ويشتاقوا إليه من عام إلى عام، لذلك من المهم أن نتمسك بجذورنا وتقاليدنا وسنة نبينا في العيد، مهم أنّ تَضج بيوتاتنا ومساجدنا بالتكبير والتهليل، مهم أن نتصافح الرجال مع الرجال والنساء مع النساء والأرحام ونقبلُ بعضنا البعض  ونذهب الغلّ من الصدور، مهم أن يرى أبنائنا البسمة مع شروق الشمس والفرحة بطاعة الله تعالى، مهمٌ أن يشعُرَ أولادنا أنه يوم إستثنائي باللباس والفرحة والنشاطات، مهمٌ أنّ نتصل بالأهل واحد واحد نعيَدهم ونتواصل مع أقاربئنا كل هذا وغيره له في نفوس أبنائنا الشىء الكثير ولذا هناك عادات يعملها الناس بالعيد ومنها ماهو سنة نبينا عليه الصلاة والسلام منها:

صلاة العيد

وهي سنة مؤكدة، وهي ركعتان، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال ما قبل الظهر، ولكنّ الأحسن تصلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح، أي بحسب رأي العين، وتسنُ الجماعة فيها، وتصحُ لو صلاها الشخص منفردًا ركعتين كركعتي سنة الصبح، ويسنُ في أول الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام سبعَ تكبيرات، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام، ويقول بين كل تكبيرتين: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". ويسن خطبتان بعد الصلاة يكبر الخطيب في الأولى منهما تسع تكبيرات،  وفي الثانية سبع تكبيرات. ويسنُ التبكير بالخروج لصلاة العيد من بعد صلاة الصبح، إلا الخطيب فيتأخر إلى وقت الصلاة، ويسنُ الغسل ويدخل وقته بمنتصف الليل، والتزيّن بلبس الثياب وغيره  والتطيب ، فمن أمكنهُ الصلاة مع الناس فعل ومن لا يمكنه  صلاها هو و أهل بيته وإنّ كانَ الخروج أولى لكن لو بعدت المسافة أو لحاجة لاينبغي تركها بل تصلى فرادا وجماعة.

 ومن العادات الطيبة التصافح والتقبيل وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة فتستحب لقادم من سفر وفي يوم عيد مع السلام  فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم)) . ويستحبُ التجمل بالثوب والتطيب ليوم العيد وذلك إظهار للفرحة ومما يستحيب ويتأكد في العيد صلة الأرحام وهي وصل الأقارب بزيارة أو رسالة أومكالمة هاتفية لأن قطيعة الرحم من الذنوب التى نهى الله عباده عنها ففي كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أمرٌ بصلة الرحم، وترغيب في ذلك، قال الله تبارك وتعالى: (( وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ ))، وصلة الرحم والمعنيُّ بالرحم أقاربَك من جهة أبيك وأمك، إخوانَك وأخواتِك، أعمامَك وعماتِك، أبناءَ أخيك وأبناءَ أخواتك، أبناءَ عمك، وأقاربَك من حيث الأب، أخوالَك وخالاتِك، أقرباءَ أمك، كلُّ أولئك رحم، أنتَ مدعوٌّ لصلة تلك الرحم . وهذه الزيارة أو الرسالة  تجعل صلتَك بأقاربك قويةً متينة، يشعرون منك بالوصل و بالرحمة والشفقة والعطف عليهم، بسؤالك عنهم، و بإحسانك إليهم إن كانوا بحاجة لذلك، ومن ذلك دعوتُهم إلى الخير والنصح لهم، وإرشادهم إلى الهدى، وهذه الصلة للرحم من الواجبات على المسلم تجاه أقرباءه المسلمين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( من كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليصل رحمه )) ففي الحديث إشارة إلى جعل صلةَ الرحم من علامات كمال الإيمان بالله واليوم الآخر، فأكملُ الناس إيماناً من كان واصلاً لرحمه. وقد يحول بينك وبين وصل رحمك أمور منها  إختلاف في وجهات النظر أحياناً، فتحمِل بعضَ الناس إلى الحقد على رحمه، وكراهية ومعادات رحمه، وقد يكون السبب أحيانا تعصب لزوجة أو العكس أو لأخ ونحو ذلك، فتحمل زوجَها على البعد عن أرحامه وقطيعة رحمه، وتزين له السوءَ، وتنقل كلَّ خطأ قاله الرحم أو فعله،  لتبعد زوجَها عن رحمه واقاربه، وتحولُ بينه وبين رحمه واقرابائه، فتقول: رحمُك وأقاربك قالوا: كذا، قالوا: كذا، فعلوا كذا، قالوا: كذا، لماذا !!؟  تريد أن تجعلها وسيلةً للحيلولة بين الإنسان وبين رحمه وأقربائه، أو قد يكون العكس من الزوج تجاه زوجته وأهلها فكم من زوجٍ حرَضَ زوجته على قطيعة أقربائها بل مع التهديد بالطلاق ونحوه وما أبعدَ هذا الفعل عن الصواب وعن ما جاء في الشريعة، ولكنَّ المؤمن الذي يخاف الله ويتقيه لا يُصغي لمثل هذه الكلمات ولا يقيم لها وزناً، لأن صلته لرحمه لا يريدُ بها جَزاءً من الخلق ولا ثناءً منهم، ولا كونَه فوقهم مرتبةً، ولا أنَّ يتسلَّط عليهم بنفوذ الأمر والكلمة، كلُّ تلك التُرهات لا تخطر بباله، إنمّا يُريدُ من صلة رحمه قربةً يتقرَّب بها إلى الله و طاعةً يطيع الله بها، وعملاً صالحاً يرجو من الله الأجر والثواب في الآخرة، ولذا يقولُ سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام:(( ليسَ الواصلُ بالمُكافئ، إنمّا الواصلُ الذي إذا قطعت رحمهُ وصلها ))، ليس الواصلُ الذي يقول: رحمي زارني سأزوره، رحمي دَعاني سأدعوه، رحمي أهدى إلي سأهدي إليه، رحمي... لا!، ولكن الواصلَ الذي يصل ولو أدبروا ولو قطعوا فإذا قطعت الرحم وأبعدت الرحم لاتعاملهم بالمثل بل كُنّ عاملاً بمّا علمنا رسول الله  أنك تصل وليس تكافىء وتجزي فقط من يعاملك بخير!. وصلة الرحم فيها منافع في الدنيا والآخرة فهي تسلُ الحقد من القلوب وتقوى الروابط الأسرية التى أمرَ الشرع بها وليس من عادات المسلمين ما يفعله البعض من أنه يقول من لايزورني لا أزوره ومن لايرد لي المكالمة لاأبادر بالإتصال به بل في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صِل أرحامَكَ ولو همّ أدبَروا ))، أي ولو لم يبادروا هم بالسؤال عنك بادر أنتَ وأغنم الأجرَ من الله تعالى،  واحذر أن تكونَ قاطع لرحمك بسبب شهوة النفس والإنتصار لها قال الله تعالى:(( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ / أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ)) .والنبيّ صلى الله عليه وسلم حثَّ حثاً شديد على صلة الرحم بقوله عليه الصلاة والسلام: (( من أحبَ أن يُبسَط له في رزقه ويدفعُ عنه ميتةَ السوء فليصل رحمه ))،  فصلةُ الرَحِمْ سببٌ لبَركةِ الرزق، وسببٌ لبركة العمر، أو بركة في لياليه وأيامه وتوفيقاً لعمل صالح وسبب لمدح الإنسان حياً وميتاً، والعيدُ مناسبة ليصل الإنسان رحمه ولو بإتصال أو زيارة أو رسالة يرضى بها رحمه ويطلب الثواب من ربه، وأما زيارة القبور فهي مستحبة في أي وقت ولا تخصص لها بالعيد لكن لابأس من زيارة القبور للإعتبار والتفكر بحال الدنيا والقرءاة والنفع للأموات المسلمين ومن قال أنه يوم عيد لاينبغي ذكر الموت فيه فقد أخطأ لأنَّ نبينا عليه الصلاة والسلام كان في صبيحة  العيد يقرأ سورة "ق" وهي من السور التى فيها الكثير من الآيات عن ذكر الموت والآخرة،  وامّا زيارة النساء للقبور فيجوز إنّ كان ضمنَ حدود السَتر والحشمة للإعتبار لأنَّ النّبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بالحكمة من زيارة القبور فقال: ((كنتُ قد نَهيتكم عن زيارةِ القبور ألا فَزوروها فإنّها تذكرنا الآخرة ))، قال الإمام النووي رحمه الله في هذا الحديث جاءَ الإذنُ من النّبي بزيارة القبور بلفظ عام ولم يُخصص فيه الرجال دونَ النساء ومما يدلُ على جواز زيارة القبور للنساء قولُ النّبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين سئلت ما أقول إذا مررتُ بالقبور فقال قولي السلام عليكم  دار قوم مؤمنين  لو كان ممنوع  لها لقال لها لا تدخلي ولا تقولي شىء، فزيارة القبور أمرٌ فيه نفع للزائر بالإعتبار وللميت بالثواب الذي يُهدى له ويستحبُ أن يقولَ الزائر ما روى مسلم وابن ماجه وأحمد وغيرهم عن بريدة رضي الله عنه قال: " كانَ رسولُ الله صلىَّ الله عليه وسلم يُعلِمُهم إذا خَرجوا إلى المقابر فكانَّ قائلهم يقول: " السلامُ على أهلِ الديّار منَّ المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاءَ الله للاحِقون". وروى مسلم والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". وروى مسلم أيضًا والنَسائي وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " السلامُ على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إنْ شاءَ الله للاحقون". وروى الترمذي في سننه عن إبن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر". أما حديث: "لعنَّ اللهُ زوارات القبور" فهو منسوخ ( النسخ هو رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق ) بحديث: " كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها " رواه مسلم. فهو صريح لجواز زيارة القبور، وأجمعوا على أنَّ زيارتها سنة للرجال والجمهور على أنها سنة للنساء أيضًا. فزوروا أمواتكم أو لا تنسوهم من دعوة صالحة أو قراءة نافعة  تصل إليهم فأنَّ في صدقات الأحياء حسنات في صحائف الأموات.

زكاة الفطر

إنّ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم شرعَ لنّا في نهاية هذا الشّهر صدقةَ الفِطر، فصدقةُ الفطر فريضةٌ  فرضَها رسول الله صلى الله عليه وسلم على من ملك  زائدا عن نفقته ونفقت من يجب عليه نفقتهم من زوجة وأولاد دون البلوغ وأم وأب فقراء يوم العيد وليلته ،  يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على الذّكر والأنثى والحرِّ والعبد والصغير والكبير. فيؤدِّيها المسلم عن نفسِه، وعمّن يلزمه الإنفاقُ عليه من زوجةٍ وأولاد، وهذه الفِطرة أوجبَها رسول الله صلى الله عليه وسلم في طعام الآدميِّين من التّمر والشعيرِ والزبيب، قال ابن عمر: فرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقةَ الفطر صاعًا من طعامٍ تمرٍ أو صاعًا من شعير، والصاعُ مِلءُ أربع حَفنَات من اليد  ويقدر اليوم على حال بلاد أمريكا بنحو" 7 " دولارات ومن تطوع بالزيادة كان خيراً له فيخرج عن كل ولد صغير وزوجة هذا القدر. ولهذه الزكاة وقت محدود لايجوز التأخر عنه ووقتها يبدأ من أول رمضان لكنَّ السنة تأخيرها لما قبل صلاة العيد ويجوز إخراجُها قبل العيد بيوم أو يومين، لكن لايجوز تأخيرها إلى ما بعدَ غروب شمس أولِ يوم العيد، وتعطى لفقير أو لمن يَستحق الزكاة  ويجوز أن يوكّل بإخراجها كأن يوكّلَ ثقة في بلد آخر أنّ يُخرجها عنه ويفى له بالمال.إفرحوا ايها المسلمين بيوم الفطر واذكروا إخوة لكم نزل بهم من البلاء الكثير أدعوا الله لهم أن يكشف الله ما نزل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم

 اللهمَّ نسألك أن تُعيد علينا هذه الأيام بالخير واليمن والبركات وكل عام وأنتم بخير.