واذكرواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ

نعيشُ أيام الخير في العشر الأول من شهر ذي الحجّة والتى هي من أفضل أيام العام وفيها عظيم الأجر في عمل الخير، ففي العشر الأول تجتمع أعمال الحج والتكبير والتهليل وفيها يومُ التاسع من ذي الحجة يوم عرفة، ويوم عيد الأضحى المبارك، هذه الأيام المعدودات التى ذُكرت في كتاب الله والتى أقسَمَّ اللهُ بها بقوله تعالى:(( والفَجر وليَالٍ عَشر ))، هي هذه المباركات التى قال الله تعالى فيها:(( وأذكروا اللهَ في أيامٍ مَعدودَات))، فيومُ عرَفَة هو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، ويليهِ يوم عيد الأضحى وهو يوم عظيمٌ مشهود، يومٌ مبارك فضيل، وفي يوم عرفه نَزلَ قول الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم:((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا))، إنَّه يومٌ حافلٌ بالخيرات والبركات، فيه يُعتِقُ الله عزَّ وجل من العباد من النّار ما لا يُعتق فيما سواه وفيه يغفرُ الله تعالى من الذنوب ما هو به أعلم، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((ما من يومٍ أكثر من أن يُعتقَ الله فيه عبدًا من النّار من يوم عرفة))، يومُ عرفة هو يوم الدعاء والتوبة والوقوف بعرفة للحجاج في مشهد عظيم يتكرر في كل عام، وبعده يوم عيد الأضحى ويوم النّحر، وهو يوم الحجِّ الأكبر هذان اليومان هما من أفضلِ الأيام وأعظمُها حرمة عند الله وبركة ، فالنحرِص على الدعاء في هذا اليوم لنشترك مع الواقفين في عرفات بالدعاء، روى مالك وغيره عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:((أفضلُ الدعاء دُعاءُ يوم عرفة، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيُّونَ من قبلي عَشيَّة عرفة:لا إلهَ إلاَّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له، لهُ الملكُ وله الحمّدُ، وهوَ على كُلِّ شَيءٍ قدير)). فأكثروا فيه من الدعاء ومن التهليل والتكبير والتسبيح والدعاء. ويُسَنُ في هذا اليوم الصيام لغيرِ الحاج وذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:((صيامُ يوم عَرفة أحتسَبُ على اللهِ أنَّ يُكفِرَ السنةَ التي قَبلهُ والسَنَةَ التي بَعدَهُ))، فصوموا ذلكَ اليوم يا عباد الله تطوعاُ وسنةً، فإنَّ صيام يوم تطوعاً، قد يكون سبباً لنجاة صاحبه من النار، وبعد يوم عرفة تستقبلونَ أول أيام العيد، ومما يتقربُ إلى الله في هذا اليوم الحرص على صلاة العيد وحضورها مع المسلمين ومن لم يتَسنَ له الصلاة يصحُ أن يُصليها في بيته جماعة أو فرادى ووقتها من بعد طلوع الشمس إلا ما قبلَ الزوال أي قبل الظهر وهي ركعتان يُسنُ أن يُكبر في الأولى سبع تكبيرات مع رفع اليدين، وفي الثانية خمس تكبيرات، ويسنُ في العيد الإغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب وأجمّلها، وليعلم أنّ الأضَاحي سنَّةُ النبيّ إبراهيم عليه السلام وسنّة نبيِّكم صلى الله عليه وسلم، وهي عِبادةٌ عظيمة وثوابها عند الله كثير، وقد دلَّت نصوصُ القرآن وسنّةُ النبي محمّد صلى الله عليه وسلم على مشروعِيّتِها وسنّيتِها، قال الله تبارك وتعالى:(( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ))، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم حثَّ على الأضحيّة بقوله وعملَها وأقرَّ عليها، ففي فضلها يقولُ صلوات الله وسلامه عليه:((ما عَمِل ابنُ آدمَ يومَ النّحر عملاً أحبّ إلى الله من إراقةِ دَم، وإنه ليأتي يومَ القيامةِ بقُرونها وأظلافِها وأشعارها، وإنّ الدمَّ ليقعُ من الله بمكانٍ قبلَ أن يقعَ على الأرض، فطيبوا بها نفسًا))، وقال له زيد بن أرقم: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال:(( سُنّةُ أبيكم إبراهيمَ ))، قال: ما لنا منها ؟ قال:(( بكلِّ صُوفَة حَسَنة)). 

أيّها المسلمون إنها عبادةٌ لله وطاعَة لله، إنها إراقةُ الدمِ طاعةً وتقرّبًا إلى الله، وإحياء لسنة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وسنَةُ نبينا من بعده فحافظوا عليها، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أقامَ النّبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشرًا يُضحِّي كلَّ عامٍ، وكان صلى الله عليه وسلم يُعلِنُ هذه الأضحيةَ ويرفَع مِن شأنها، يقول أنس بنُ مالك رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا صلّى يومَ النّحر دعا بكَبشين أقرنين أملَحين، قال أنس: فرأيتُه واضعًا قدَمَه على صِفاحِهما، يُسمِّي ويكبِّر، ثم ذبحَهما بيدِه صلوات الله وسلامه عليه. إذًا فهي عبادةٌ وطاعة لله وقربة يتقرَّب بها العبد إلى الله لنيل الثواب ومتابعة النبيّ في سننه، الله تبارك وتعالى يقول:((لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ))، فاحرص أيّها المُسلم أن لا تدعَ هذه السُنةَ إن استطعت ما حييت، وهي شاة واحدةٌ عنكَ وعن أهل بيتِك، ولا يخدعنَّك من يهوِّن من شأنَها ويقلِّلُ من قدرِها، أو يقول: اللحمُ كَثُرَ بين الناس ولاحاجةَ للأضاحي، أو يقول: أجعلوا قيمتَها في مواضعَ أُخَر إلى آخر ذلك..، هذه سُنّةُ النّبي محمّد صلى الله عليه وسلم وعمَل أمّةِ الإسلام وشعارها يوم العيد، فالمسلم لا يَستخِفَّ بشأنها ولا يقلِّلَ من قدرها، ولا ينبغي أن يُظنَّ أنَّ إنفاقَها لقيمَتِها قائم مقامَ هذه السنّة وهذه الشعيرةِ العظيمة. وقد بيَّن النبيّ صلى الله عليه وسلم لنا أحكامَ الأضاحي، فالجِنس الذي منه الأضاحي هي بهيمةُ الأنعام: الإبل والبقر والغنَم، والسنُ المجزِئَ في ذلك كما في حديثه عليه الصلاة والسلام:((لا تَذبَحوا إلاّ مُسِنّةً، إلا أن يَعسُرَ عليكم فتذبَحوا الجذَعَ من الضّأن))، فدلَّ على أنه لا بُدَّ أن يكون مسِنًّا، وهي في الإبلِ ما تمَّ لهُ خمسُ سنين، وفي البقر ما تمَّ له سنتان، وفي الضّأن الأفضل ما تمَّ له سنة، وفي المعزِ ما تمَّ له سنتين، ولا بُدَّ أن تكونَ هذه الأضحيةُ خاليةً من العيوب المانِعةِ للإجزاء، ففي حديثِ البراء أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قامَ فيهم فقال:(( أربعٌ لا تُجزئ في الأضاحي: العَوراءُ البيِّن عوَرُها، والمريضَةُ البيِّن مرَضُها، والعَرجَاءُ البيِّن ضلعها، والكَسيرة التي لا تَنقِي)). فتبينَ من الحديث أنّ العوراءَ التي استُبين عورُها، انخسفت عينُها أو نتأت، فإنها لا تجزِئ، ومَن كانت عمياءَ كان أولى في عدَم الإجزَاء، وبيَّن أن المريضةَ البيّن مرضها وظهَر أثرُ المرضِ عليها، في أكلِها أومشيها أو في شيء من جِلدها، فإنها لا تجزِئ. وبيّن أنّ العرجاء التي إستَبانَ ضلعُها وتعجِز عن مُواكَبَة الصّحاح أنها لا تجزِئ، وأنَّ الكسيرةَ الهزيلة التي لا مخَّ فيها فإنها لا تجزئ، وكلّما كانت الأضحية كاملةً في صفاتِها كان ذلك أكمَل، وللأضحية وَقتٌ محدَّد في الشرع، وهو من بعدِ صلاة عيدِ يومِ النحر إلى غروبِ شمس اليوم الثالثَ عشرَ من ذي الحجة، هكذا سنّةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيذبَح يومَ النّحر وأيّام التشريق الثلاثة، وإن كان يومُ النحر أفضلَ، لكنّ المدّةَ مستمرَّة إلى غروبِ شمس يومِ الثالثَ عشر، فوَقتُ الذبح أربعةُ أيام، ولا يجزء التأخُّر عن ذلك ولا التَقدُّم، والنبَيّ صلى الله عليه وسلم خطبَ أصحابَه يومَ النحر فقال:((إنّ أوّلَ شيءٍ نبَدأُ بهِ في يومنَا أنّ نُصلّيَ، ثم نَرجِع فنَنحَر، فمن ذبحَ على ذَلكَ فقد أصَابَ سُنّتَنا، ومن ذَبحَ قَبلَ ذلكَ فهوَ لحمٌ لأهلِهِ))، فالسنّة دلَّت على أنهُ لا تُذبَحُ الأضاحي إلا بعدَ صلاةِ الإمام يومَ النّحر، بعد صلاة المسلمين وأدائهم لتلك الصلاة، فيصلّون ثمَّ ينحرون، قال الله تعالى:(( فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ))، وفي السنة النبوية المطهرة آدابَ الذّبحِ، فأوّلاً لا بُدَّ من تسميةِ الله؛ لأنّ الله يقول:(( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ))، وعنه صلى الله عليه وسلم:((ما أنهَرَ الدّمَ وذكِرَ إسمُ الله عليهِ فكُل)). والسنّةُ للمسلِمِ القادر المحسِن أن يتولَّى ذبحَ أضحيتِه بنفسِه، فإنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتولَّى ذلكَ بيدِه مع وجودِ من هوَ أحبُّ إليهم من أنفسِهم وأهليهم، وإنّ لم يفعَل فليحضُر ذبحَها، يُروَى أنه صلى الله عليه وسلم قال لابنَتِه فاطمة رضي الله عنها:((قُومِي إلى أضحيتكِ فاشهَديها)). وسنَّ لنا رسولُنا صلوات الله عليه وسلامه الرِّفقَ بالحيوان والشفقة عليه، فسَنَّ لنا حَدَّ شِفارِ السّكين، وأن تكونَ آلةً حادّة لكي تجهِز الذبيحَة من غير إضرارٍ بها، فيقول صلى الله عليه وسلم:((إنّ اللهَ كَتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قَتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحِدّ أحدكم شَفرتَه، وليُرِح ذبيحتَهُ)).كما أرشَدَنا عليه السلام أن لا نذبحَ بآلةٍ كالّةٍ ليست بالحادة المسرعة لإزهاق الروح، وأنّ لا نُحِدَّ السكينَ في وجهِ البهيمة، وأن لا نَذبَحَ أخرى وأخرى تَنظُر إليها، وأوجَب علينا إراقةَ الدمِ بقطعِ الحلقوم والمريء، ويتمِّ ذلك بقطعِ الأوداج، ليكون في ذلك راحة للذبيحة وإحسان إليها، ولما رأَى رَجلاً يسوقُ أضحيَتَه يجرُّها قال:((سُقها إلى المنحَرِ سَوقًا رفيقًا))، فصلوات الله وسلامه عليه ما أشفقه وما أعظم سنته. والسّنَّةُ للمسلمين أن يأكُلوا من أضاحِيهِم ويهدوا ويطعِموا، والسنةُ أن يُطعم الثُلث مع أهل بيته، وأن يُهدي الثلث للجيران والأصحاب، وأن يَتصدقَ بالثلثِ على الفقراء، ولا يجوزُ بيعُ شىءٍ منها ولا إعطاءُ الجزار شىء منها على أنه أجرة بل يعطى كهدية من غير الأجرة.

أيها المسلمون هذه سنةُ نبينا صلوات الله عليه وسلم ولا نَنسىَ في العيد صلة الأرحام وعمل البّر فإنها أيام طاعة وتكبير وتهليل وذكر لله تعالى، فيسنُ التكبير عقبَ الصلوات الخمس من ظهر يوم التاسع إلى عصر يوم الثالث عشر من ذي الحجة أعادهُ الله علينا وعلى الأمة بالخير والبركات.

اللهُ أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، ألله أكبر و للهِ الحمّد.