ماذا لو غاب القمر

 

القمر بحجمه وشكله ونوره وجماله ودورته وتعلقه بين السماء والأرض بلا عمد  كل هذا وغيره يدل دلالة بليغة على عظمة  الله الخالق تبارك وتعالى وأنَّ لهذا الكون إلهاً خالقا قادرا موصوف بكل صفات الكمال منزه عن النقصان وعن صفات الخلق، فهذا النظام الدقيق للقمر والحركة المنتظمة له والدقة الكاملة لبزوغه وطلوعه والمنازل المتنوعة والمراحل المختلفة التي يمر بها في كل ليلة من لياليه هلالاً ثم يصير بدراً منيراً وقمراً متكاملاً ثم يعود وهكذا على مر السنين، كل هذا وغيره فيه من الايات ما يدهش العقول ويحير الألباب ويحرك النفوس عل التأمل في هذا المخلوق العجيب والتفكر بأنّ الله تبارك وتعالى هو الذي دبر الزمان وجعل الأوقات لعباده مقسمة ما بين ليل ونهار، ليعلم الناس المواقيت والشهور، ولولا ذلك ما كان يُعرفُ وقت الصلاة ولا متى يصوم المسلم ولا متى يفطر، وما كانت تعرف مدة  الإستئجار ولا تعرف العدد المتعلقة بالأحكام كالطلاق وكفارة اليمين وغير ذلك، قال الله تعالى: (( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ  فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)) ، والشهور التى يُعَدُ بها التأريخ وتدور على مدار السنين وهي إثنا عشر شهراً بنص القرءان العظيم  قال الله:(( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ))، وتسمى هذه الشهور القمرية لأنَّ دخول الشهر وخروجه متعلقٌ بالقمر ورؤية الهلال علامة بدء الشهر فيها ، قال الله تعالى:(( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ))، فجعل الله تعالى منازل للقمر ليتمَّ بحركته وسيره دوران الشهور وليعرف به الأوقات من أشهر الحج ورمضان وبداية العام ونهايته وإمضاء الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهور والأيام، قال الله تعالى:(( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ  قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ ))، والأهلة جمع هلال وهو القمر عند ظهوره أول الشهر يبدو دقيقاً قال بعضهم " والهلال مثل قلامة الظفر" أي يظهر دقيقاً وسمي هلال من الرؤية كما قال الجوهري: أستهل بمعنى تبين وقيل للقمرعند ظهوره هلال، أ ه. ولأنَّ الناس كانوا إذا رأو القمر الهلال يرفعون أصواتهم بالأخبار عنه ، والشهر هو مجموع الأيام التى يدور بها القمر بمنازله وهو عدد معروف من الأيام سمي بذلك  لشهرته لأن الناس يشهدون دخوله وخروجه ولا يكون الشهر القمري إلا تسع وعشرين أو ثلاثين لا أكثر. والعرب قديما كانت تحسب أيامها وشهورها بالقمر وبقي ذلك حتى بعد بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم رؤية القمر هي العلامة الدالة على دخول الشهر وفي ذلك يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته فإنّ غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ". ومع وجود الفلكين العرب وأهل الحساب جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرؤية للقمرهي القاعدة في دخول الشهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا " يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين". رواه البخاري ومسلم. قال القاضي عياض في شرح الحديث: وصفهُ أيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأمية وأنهم لايحسبونَ ولا يكتبونَ إذا كانوا لا يجهلون الثلاثين ولا التسع والعشرين ولم ينفي عنهم  معرفة مثل هذا الحساب وإنمّا وصفهم بذلك طرحاً للإعتداد بالمنازل وطرق الحساب، أ ه.

أي إننا لانعتمدُ الحساب لدخول الأشهر إلا بالرؤيا ، وأغلب المسلمين اليوم لايعرفون حسابات الفلكين ولا يحسنونها تماماً ، كما كان الأمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالعرب كانوا يعرفون بالنجوم والفلك كما يعرف أحدنا اليوم طرق مدينته وكما ينظر الواحد منا في الساعة التى في يده لشدة معرفتهم بمنازل القمر والنجوم وارتباطهم بها للتأقيت والتأريخ ومع ذلك كله قيدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ دخول الشهر بالرؤية والمشاهدة والعيانية، روى مالك وأبو داوود والترمذي وغيرهم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإنّ غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، فوضحَ أنَّ الشهر ثلاثين ما لم يُرى الهلال في التاسع والعشرين منه، و من قال أنَّ العبرة بغير الرؤيا فقد ردَّ ما أمرَ به النبيّ صلى الله عليه وسلم وما شرَعُهُ لأمتهِ حتى يوم القيامة ، ولقد شدَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ التشديد على مراعاة ترائى الهلال حتى إنه عندما قال بعض التابعين عن الهلال هو ابن ليلتين وقال بعضهم ابن ثلاث سألهم ابن عباس" ايُ ليلة رأيتوه " فقالوا ليلة كذا وكذا فقال" إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللهَ مَدّه للرؤية( أي أطال مدته إلى الرؤية) فهو ليلة رأيتموه، وهذا الكلام من النبي صلى عليه وسلم كافٍ في هدم كل ما يقوله البعض في أيامنا من أنَّ العلم تطور ولزم الأخذ بالحساب والفلك فليس لأحد كلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والصحابة الكرام عملوا بهذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روى البيهقي عن سفيان بن سلمة  قال أتانا  كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونحن بخانقين( مدينة ناحية العراق) أنَّ الأهلة بعضها أكبر من بعض فإن رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس.أه، فهذا عمر رضي الله عنه لم يكتف بعدم الإعتماد على الحساب بل إنّه أمرَ من رأى الهلال بعيني رأسه نهاراً أنّ لايعتمد على ذلك لأنَّ هذا ليس هو الرؤية التى أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرشد إليها، وقول عمر أنّ الأهلةَ بعضها أكبر من بعض صريحٌ في مخالفة من قال يعمل بالحساب وبأنَّ ما قالوه من الإعتماد على الحساب فاسد إلا إن كان من ينادي اليوم بالعمل بالحساب لدخول رمضان وغيره يدعّي أنه أفهمَ للأحاديث النبوية من عمر بن الخطاب ومن كان معه !؟، وعلى الإعتماد على الأهلة درج المسلمون واعتمدوا في الأحكام الشرعية في كل بلاد الدنيا وبذلك أفتى فقهاء الأمة منهم إبن عابدين الحنفي قال في كتاب حاشية الدر المختار وهو من أشهر كتب السادة الحنفية: لاعبرة في قول الموقتين أي في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج لا يعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجّم أن يعملَ بحساب نفسه،أه . وقال في موضع آخر من الكتاب " صرحت أئمة المذاهب الأربعة بأنَّ الصحيح أن لاعبرة برؤية الهلال نهاراً وأنما المعتبر رؤيته ليلاً وأنه لاعبرة بقول المنجمين". فإن قال قائل أنَّ في تعين دخول الشهر وحدة للمسلين بأن يصوموا في يوم واحد، فيقال الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال للناس عينوا يوماً لتصوموا سوية ، بل قال " الشهرُ تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه " وكان بإمكانه صلى الله وسلم أن يُحدِدَ بطريق أهل الحساب ويوحد الصوم كما وحدَّ الوقوف بعرفة في التاسع من ذي الحجة ولكن سنة الدين أن يبقى دخول الشهر برؤية الهلال وهي الطريقة السهلة التي يستطيع أهل البادية وأهل الحضر وغيرهم معرفة أيامهم وأوقات عبادتهم. فلسنا ضد تطور العلوم الكونية ولا ضد توحيد الصف شرط أن لايكون على حساب تحريف الأحاديث النبوية والعبث بالنصوص الشرعية ولسنا ممن يعاكس فعل المسلمين سلفهم وخلفهم في مشارق الأرض ومغاربها على مرور السنين. والمسلمون على مر الزمان كل ما دارة شهور العام وجاء أواخر شعبان ترقبوا هلال رمضان  وعيونهم مُحدِقةٌ بلَهَف المشتاق  لإنبثاق هلال رمضانَ  الذي سيطلُّ عليهم  بالخير والبشر والفرح، يترقَّبون ذلكَ الهلال بعد فراق أحد عشر شهراً ليستبشروا ببداية شهرٍ رمضان وليبقى دخول هذا الشهر وغيره مرهون ببزوغ الهلال أو اكمال العدة وكذا إنتهائه ما دامت الدنيا ورؤيا القمر أو غـاب.