لباس النبيّ صلى الله عليه وسلم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

حُسن الهيئة والزيّ الحسن من شمائل الأنبياء وخصالهم النبيلة ، وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أحسن الناس منظراً وأحلاهم ثوباً ، فقد كان لباسه لباس التواضع مع الهيئة الجميلة والنظافة ، وشأن لباس النبيّ صلى الله عليه وسلم وثيابه شأن غيره من السنن التي ينبغي على المسلم أن يقتدي فيها هدي النبي صلى الله عليه وسلم وإتباع سنته، فإن خير الهدي هديه وأحسن الخصال خصاله صلوات الله وسلامه عليه ، فكان عليه الصلاة والسلام يلبس ما تيسر له من اللباس الحلال الساتر للعورة والمظهر الحسن، سواء أكان صوفاً أم قطناً أم غير ذلك ، من غير تكلف ولا إسراف ولا شهرة ولا تكبر، بل كان لباس تقوى وستر وتجمل وكان يلبس للحرب وللسفر وللحل والترحال وللجمعة والأعياد ولقاء الوفود أثوابا مختلفة الألوان والهيئات والأسماء ، وكان صلى الله عليه وسلم يهتم بنظافة ثيابه ويحرص على تطييبها، ويوصي أصحابه بذلك. وقد لبس عليه الصلاة واالسلام من الثياب " القميص" وكان أحب اللباس إليه لما فيه من الستر وحسن الهيئة للرجل والمنافع العديدة ، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت كان أحب الثياب إلى رسول الله القميص ، والقميص هو ما يعرف في أيامنا بالدشداشة أوالتوب في بعض البلاد، وكان قميصه صلى الله عليه وسلم واسعاً يصل لنصف الساق وله كُم ، ففي حديث أسماء بنت يزيد قالت كان كمُّ قميص رسول الله إلى الرُّسْغ ، ( أي ما بعد الكف) وفي الترمذي من حديث معاوية بن قُرّةَ عن أبيه قال أتيت رسول الله في رَهْط من مُزَيْنَةَ لنبايعه وإن قميصه لمطلق أو قال عليه زِرُّ قميصه مطلقٌ قال فأدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم"،(وإنما أدخل يده ومرادُه التبرك) .

الجُبَة والخَمِيصَة والمِرْط والقَبَاء.

لبس النبي صلى الله عليه وسلم الجُبة من الصوف أو القطن أو نحوه وهي  ثوب سابغ ، واسع الكُمَّين ، مشقوق المقدم ، يلبس فوق الثياب ، يشبه في زماننا الجُبَة في اللباس التى يلبسها المشايخ وأهل العلم ، ففي الترمذي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية ضيقة الكُمَين ، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها أخرجت جُبَة طَيالسة كسروانية لها لبنة ديباج ، وفرجيها مكفوفين بالديباج ، وقالت : هذه جبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم  كانت عند عائشة فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها ، فنحن نغسلها للمرض نستشفي بها. رواه مسلم وزاد البُخاريُّ في الأدب المفْرد " وكان يلْبَسُهَا للوَفْدِ والجُمُعَةِ ". وفي هذا الحديث بيان تبرك الصحابة بثوب النبي صلى الله عليه وسلم وبالماء الذي أصابه الثوب رجاء الشفاء من الله للمرضى تبركاً بما مس جسده الشريف المبارك عليه الصلاة والسلام. ولبس النبي صلى الله عليه وسلم " الخَمِيصَة " وهي كِساء من صوف أو غيره فيه خطوط ، قال الخطابي: الخميصة كساء مربع من صوف ويكون معلم الطرفين فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة، وعن أنس رضي الله عنه قال لما ولدت أم سُليم قالت لي: يا أنس، انظر هذا الغلام فلا يصيبّنَ شيئا حتى تغدو به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يحنكه ، فغدوت به ، فإذا هو في حائط وعليه خَمِيصَةٌ حُرَيْثِيَّةٌ " رواه البخاري ، ومسلم.

ولبس النبي صلى الله عليه وسلم المِرط ، والمِرْط بالكَسْرِ هو كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ كَتّانٍ يُؤْتَزَرُ به وقِيلَ هو كُلُّ ثَوْبٍ غَيْرِ مَخِيطٍ مربع غير مفصل يلتحف به ، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ خَرجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْط مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ "، رواه مسلم، ولبس النبي صلى الله عليه وسلم القَبَاء، فعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: خَبَأْنَا هَذَا لَكَ"، رواه البخاري ومسلم. والقَباء بفتح القاف لباس ضيق الأكمام والوسط مشقوق ، يُلبس فوق الثياب في السفر والحرب غالبًا.

الحِبَرَةُ والبُرْدةُ

في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: " كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الْحِبَرَة "، أي من أحبها إليه قال النووي هي بكسر الحاء وفتح الباء ، وهي ثياب من كتان أو قطن يمانية ، مُحبّرة أي مُزيّنة ، والتحبير التزيين والتحسين وقيل : إنما كانت هي أحب الثياب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه ليس فيه كثير زينة ، قال الجزري : وفيه دليل على استحباب لبس الحبرة وعلى جواز لبس المخطط ، كما لبس صلوات الله عليه وسلامه البُردةُ من الثياب ففي البخاري عن أنس بن مالك قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية "، وفيه أيضاً عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة بِبُردة قال سهل هل تدري ما البُردة قال نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها قالت يا رسول الله إني نَسجتُ هذه بيدي أكسوكها فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره فجسها رجل من القوم فقال يا رسول الله أكسنيها قال نعم فجلس ما شاء الله في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه فقال له القوم ما أحسنت سألتها إياه وقد عرفت أنه لا يرد سائلا فقال الرجل والله ما سألتها إلا لتكون كفني يوم أموت قال سهل فكانت كفنه"، وهذا يدل على أن الصحابة كانوا في شدة الحرص على التبرك بثيابه وإتخاذها كفناً وتبركاً.

الإِزَارُ والرِداءُ 

 الإزار هو ثوبٌ يُحيط بالنِّصف الأَسفل من البدن ، وقد لبسه رسول الله في الإحرام وغيره وربما كان يلبس الإزار وحده ليس عليه غيره يربطه بعقدة يعقد بها وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ائتَزِرُوا وتَسَرْوَلُوا " رواهُ الإمامُ أحمدُ، ومعناه أي مَرةً إلبسوا الإزار ومرة السراويل هكذا وهكذا، وهذا أمر ليس على الوجوب بل على الندب والإستحباب، ولبسَ النبي صلى الله عليه وسلم السراويل أيضاً والمقصود به السراويل العربية القديمة الفضفاضة الواسعة، ولبس صلى الله عليه السلام الرداء وهو والثّوْبُ يستر الجزءَ الأَعلى من الجسم فوق الإِزار .

العِمَامةُ والقَلَنْسُوَةُ

كان من سيرة النبي أنه يغطى رأسه الشريف في أكثر أحيانه ولربما كشفَ وحَسَرَ عن رأسهِ الشريف، ولبس النبيّ صلى الله عليه وسلم العِمَامَة بكسر العين وفتح الميمين وهي ما يُلفْ على الرأس ، فعن جابر الأنصاري رضي الله عنه قال: دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عِمامة سوداء. رواه مسلم ، و كان يُرخى طرفَها بين كتفيه ، فعن عمرو بن أمية، عن أبيه قال: كأني أنظر الساعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه "، ويقال لها عِصابة  ففي الترمذي عن إبن عباس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عِصابة دسماء ، أي لونها مائل للسواد. ولبس عليه الصلاة والسلام القَلَنسُوَةُ وهي المعروفة في أيامنا بالطاقيه أو القبعة التى يرتديها المسلمون ، والقَلَنْسُوَةُ هي لباسٌ للرأْس مختلف الأَنواع والأَشكال تغطى الرأس ، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قَلنسوة‏‏ بيضاء‏”.‏ رواه الطبرانى. وفي الجامع الصغير برواية الطبراني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس القلانِس تحت العمائم وبغير العمائم ويلبس العمائم في القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانية وهنَّ البيض المضربة ، وما يلبس في الحرب يسمى المِغفر أيضا لبسه عليه السلام في الحرب وهو من الحديد ونحوه.

النَعلُ والخُفْ

لبس عليه الصلاة والسلام النِعال والأخفاف في قدميه الشريفتين وربما مشى حافياً في بعض الأحيان وكان نَعلهُ عليه السلام من جلد له شِراك أي قطعة جلد منه تسير على ظهر القَدم وله قِبال أي شيء يخرج منه الأصابع، ففي الشمائل للترمذي عن عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان ، وفيه أيضا عن عبيد بن جريج، أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها.

وأما الخُف وهو ما يُلبس من جلد ونحوه يغطي القدم كلها ، فلبسه عليه الصلاة والسلام في الحضر والسفر، فعن ابن بريدة، عن أبيه ، أن النجاشي أهدى للنبيّ صلى الله عليه وسلم خُفَين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما .

خاتمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان صلى الله عليه وسلم يَتخَتم في يمينه  بخاتم من فضة وله فَصْ عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَتختم في يمينه"، وكان يجعل فَصَهُ أي ما كان عيله من حجر كعقيق ونحوه لجهة الكف أحيانا فعن ابن عمر: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إتخذ خاتما من فضة ، وجعل فصه مما يلي كفه "، وكان نُقِشَ عليه "محمد رسول الله" فعن أنس بن مالك قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما حلقته فضة، ونقش فيه " محمدٌ رسولُ الله". وعن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه . وعن ابن عمر قال: إتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من وَرِق، (أي فضه)، فكان في يده ثم كان في يد أبي بكر، ويَدِ عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أَرِيس نَقشهُ " محمدٌ رسول الله" 

الألوان التى لبِسها النبيّ صلى الله عليه وسلم

لبس النبي صلى الله عليه وسلم من الألوان الأبيض والأخضر والأصفر والأسود والمخطط بالحمرة والسواد وغيرها، فعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أحدا من الناس أحسن في حُلةٍ حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ، وعن أبي رَمثة قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدَانِ أخضَراَنِ رواه الترمذي. وروى البيهقي في شعب الإيمان، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أحب الألوان إليه أي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخُضرة " كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الأبيض من الثياب وحث على لبسه فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالبياض من الثياب ليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير ثيابكم"، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ …الحديث. رواه البخاري في صحيحه وقال : باب الثياب البيض، وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" البسوا البياض، فإنها أطهرُ وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" .

هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم في اللباس

 كان صلى الله عليه وسلم له سنة في لبس الثياب والنعال ومنها أنه كان يحب التيامن في اللبس والبداءة بالشمال في الخلع لعموم حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تَنعُلهِ وتَرجُلهِ وطُهوره، وفي شأنه كله "، رواه البخاري ومسلم، وكان إذا لبس جديداً دعا الله تعالى وقال:اللهمَّ لك الحمد أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسألك خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ " رواه الترمذي، وإذا لبس ثوبه أو قميصه، حَمِدَ الله تعالى قائلاً: " الحمدُ لله الذي كَساني هذا ورَزَقَنِيه من غير حولٍ مني ولا قُوة " ، رواه أبو داود، وورد عنه أن من  لبس ثوبا جديدا فقال:" الحمدُ لله الذي كَساني ما أُوَارِي به عَوْرَتي وأتَجمَّلُ به في حَيَاتي" ثم يَعمد إلى الثوب الذي أخلقَ أي أبلاه فيتصدق به كان في كنف الله وفي حفظ الله وفي ستر الله حيا وميتا. ومن جملة هديه صلى الله عليه وسلم في لباسه عدم إطالة الثوب والإزار، فكان إزاره لا يتجاوز الكعبين ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين" رواه أبو داود ، وقال أيضاً: " ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" رواه البخاري أي إن كان تكبراً وإلا فيكره.

فهذه خصال من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في اللباس، فلا تُفَوِتْ على نفسك فرصة تطبيق وإحياء سنن الحبيب صلى الله عليه وسلم. واعلم أن من نوى الستر في اللباس كما أمر الله فله نيته ومن نوى الإقتداء بالنبي في لبس القميص الأبيض مثلا فله نيته فاحرص على نية الإقتداء بسنن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعاداته، والله تعالى أعلم وأحكم.