قصة حديث: متى يفطر الصائم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا وأشار بيده نحو المشرق فقد أفطر الصائم.

سبب ومناسبة قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذا الحديث الشريف النافع ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن أبي أوفىَ رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما غابت الشمس قال لرجل: إنزل فاجدَحْ لنا، فقال يا رسول الله لو أمسيت، قال: إنزل فاجدَح لنا، قال إنّ علينا نهارًا، فنزلَ فجدَحَ له فشرب، ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا وأشار بيده نحو المشرق فقد أفطرَ الصائم. 

وفي لفظ قال: فأتاه به فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من هاهنا وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم رواه الشيخان واللفظ لمسلم.وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم صحيح البخاري. وفي سنن ابي داود عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَذَهَبَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا»، - زَادَ مُسَدَّدٌ - «وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»

والجَدْحُ هو تحريك الدقيق أو الشعير بالماء أو اللبن، ويسمونه السويق يحملونه بالسفر سهل الصنع والحمل. قال النووي في شرح صحيح مسلم معنى الحديث: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا صياماً وكان ذلك في شهر رمضان كما صرح به في رواية يحيى بن يحيى، فلما غربت الشمس أمره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالجدح ليفطروا، فرأى المخاطَب آثارَ الضياء والحمرة التي بعد غروب الشمس فظنَّ أنَّ الفطر لا يحل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يرَها فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: إنَّ عليك نهاراًلتوهمه أنَّ ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى: لو أمسيت أي تأخرت حتى يدخل المساء، وتكريره المراجعة: لغلبة اعتقاده على أنَّ ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى ذلك الضوء نظراً تاماً فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء.

قال الخطابي قوله فقد أفطر الصائم معناه أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل، وقيل: معناه أنه قد دخل في وقت الفطر، وحان له أن يفطر، كما قيل: أصبح الرجل، إذا دخل في وقت الصبح، وأمس وأظهر، ومن فوائد هذا الحديث بيان وقت إفطار الصائم وهو عند مغيب قرص الشمس تماماً، وفيه أيضاً أنَّ الصائم يفطر لإحدى ثلاث إما رؤية مغيب قرص الشمس كاملا، أو رؤية عتمة الليل آتية من جهة المغرب، أو سماع أذان مؤذن ثقة عارف بالتوقيت يؤذن إخباراً عن علم ويقين، أما التسرع كما يحصل في أيامنا من إفطار البعض عند الغروب إعتماداً على محطات إذاعية أو تلفزيونية أوعلى توقيت الأجهزة الألكترونية الموجودة اليوم كالكمبيوتر والهاتف المحمول فلا يعتمد عليها، لأنَّ الذين يديرون هذا ويضعونه كثيراً ما يكونون لا علم لهم بمعرفة الأوقات وليسوا من الثقات الذين يُعتمد عليهم في دخول وقت الفجر والمغرب وغيره، ولقد وجدَ في بعض البلاد برامج وضعت على آلة تشير لدخول وقت المغرب وما زال قرص الشمس واضحاً لأهل البلد فلينته لذلك، فوقت إفطار الصائم غروب الشمس تماماً فمن تعجلَ وأهمل وأفطر قبل غروب قرص الشمس بالكامل فلا صوم له وعليه القضاء وعليه ذنب في إفساده صيام نهار رمضان بجهله وتسرعه، فما نراه في أيامنا من الخطأ الشنيع تسرع البعض بتناول مفطر في نهار رمضان قبل التحقق من غروب الشمس يجب التحذير منه كما يجب على معرفة دخول أوقات الصلوات.

وكم نرى ونسمع أن البعض يقلقُ ويعاتب وينزعج من حرص بعض المؤذنين الذين يتأخرون ثواني قليلة معدودة تحقيقاً لدخول الوقت، وربما تسرع وأفطر بعضهم قبيل الغروب بثوان معدودة إعتماداً على أذان سمعه بواسطة آلة، أو محطة إذاعة أو تلفزيون ولو من بلد بعيد يختلف فيه توقيت المغرب عن بلده، فيفسد بذلك صومه ويعصى ربه وكل ذلك تسرعاً لأجل شهوة الطعام، وكان الواجب عليه أن يُمسك عن المفطرات ويصبر ويتحقق من دخول الوقت وقد صبرَ ساعات طوال صائماً وقضى أغلب نهاره ممسكاً فلماذا لا يصبر ثوانٍ ليتأكد من دخول الوقت!؟

فيا أيها الصائمون اتقوا الله في ما أمركم به من الصيام، فالقرءان حُدِدَ فيه بداية الليل من غروب الشمس إلى طُلُوع الفجر، وبدايةُ النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما جاءَ في نَصِ القرءان العظيم قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، الليل هو مغيب قرص الشمس كاملاً كما في القرءان والحديث، فالصائم إما إنّ يجتهد في مراقبة مغيب الشمس، وإما أن يتأكد أن الظلام هبط من جهة المشرق، وإما أن يسمع المؤذن التقي الثقة الورع.

وأنتم أيها المؤذنون اتقوا الله فيما وكلتم به من أداء الأذان لوقته فقد قال عليه الصلاة والسلام: الْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ رواه أبو داود، قيل المراد أنه أمين على مواقيت الصلاة، فالمؤذنون مؤتمنون على إعلام المسلمين عن وقت صومهم وفطرهم وصلاتهم، فإنّ أدوا بأمانة الأذان فلهم الأجر العظيم، ومن أمانة الأذان التأكدُ من دخول الوقت قبل الأذان، وكن على ذكر أيها القارىء أنّ خيار عباد الله هم الذين يتحققون برؤية الشمس والقمر والنجوم لأجل الصلاة كما جاء في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ خيارَ عِباد اللهِ الذين يُراعُونَ الشّمسَ والقمرَ والنُّجومَ والأظلّةَ لذكر الله عزّ وجل فكن من خيار عباد الله وراقب وتحقق دخول وقت الصلاة والإفطار والإمساك ولا تعتمد إمساكية أو إعلام إلا من الثقات الذين لهم أمانة وورع.

وليذكر المسلم أن الليل والنهار ءايتانِ من ءايات الله الدالة على عظيم قدرته، قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فالليل والنهار والشمس آيات مسخرات لمنافع العباد ودلالة على مواقيت لبعض العبادات كالصلاة والصيام وهي بينةٌ واضحة سهلة الرؤية للأقوياء والضُّعفاء، والأغنياء والفقراء، كلهم ينتفعون بها، ولا يملك أحدٌ منَ الناس مهما كانت قوته أن يحولَ بين أهل الأرض وبين الانتفاع بالليلِ والنهار، والشمس والقمر، قال الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وقال الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ، فالشمس والقمر والليل والنهار يتحركان بخلق الله وتدبيره ومشيئته وقدرته تبارك وتعالى، والله تعالى يذهب الليل ويأتي بالنهار حكمة منه، وءاية على أنَّ الله هو الخالق المدبر سبحانه وتعالى قال الله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى، وقال تبارك وتعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

اللهمَّ إجعلنا من الصوامين المقبولين، واجعل صومنا بتوفيق منك على هديٍ وسنةٍ، يا الله يا أرحم الراحمين.