إختلاط النساء والرجال بين الجائز والمحرم

الإختلاط... كلمة تستعمل في أيامانا على معنى إجتماع النساء والرجال بمجلس واحد وهذا الأمر منه ما هو محرم مذموم كالإجتماع مع كشف العورات، أو كان بخلوة بين رجل و إمرأة لوحدهما، أومع التلاصق بالأبدان فهو محرم ، إلا ما كان لضرورة كضيق مسعى ومطافٍ ونحوه فيعفى عن التلاصق للضرورة، وأما إجتماعُ النساء بالرجال في مكانٍ واحدٍ من غير ساترٍ بينهم مع ستر العورات فلا يمنعه إلا المغالونالذين شنعوا على الناس الإختلاط الإطلاق ، بل وعَلتْ أصواتهم بتحريم الإختلاط حتى في المساجد والأسواق ونحوها بغير دليل مخالفين بذلك ما هو معمولٌ به عند المسلمين منذ الصدر الأول من إجتماع وإختلاط النساء بالرجال مع الستر في الحرمين والمساجد والدور والأسواق والسفروغيرها ، ولو لم يكن إباحة أي إجتماع بين الرجال والنساء البتة لما أمروا بغض البصر..!! قال الله تعالى:((قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ))، ولم يثبت بحديث صحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين أنهم منعوا إختلاط النساء بالرجال في الأسواق والمساجد والدور والسفر ونحوه، وإنما جاء فصلُ النساء عن الرجال بالمساجد لعادة إستحدثها الناس والعادات والتقاليد ليست هي الحكم في الأصل، ولعل الذين استحدثوا فصل النساء عن الرجال في المساجد ونحوه كان مرادهم الزيادة في الستر لا التحريم، ولأجل أن تأخذ النساء راحتهنَّ بالإجتماع ببعضهنَّ وكذا الرجال ولم يقل بالتحريم أحد من أهل العلم والفقه ولم يذكر في أبواب الفقه وتجنب المعاصي في كتب العلماء حُكم الإختلاط بل هناك حكم النظر والخلوة والمَس ونحوه ، فالمسجد النبوي الذي بناهُ النبيّ في أيامه وصلى به هوَ ومن بعده من الخلفاء الراشدين لم يكن فيه فاصلٌ بين صفوف المصلين من الرجال وبين النساء بتاتاً، بل كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقف للصلاة إماماً وخلفه الرجال وخلفهم الولدان وخلف الولدان النساء من غير ساتر يفصلُ بينهم كحائط أو حاجز مع القدرة على ذلك في ذلك الزمن، وكان يمكنهم فصلُ المسجد بجذوع النخل والجَريد أو بناء حائط خفيف وغير ذلك من الأمور كجلود الإبل والأقمشة والأخشاب ونحوها مما كان يتخذ سترة في أيامهم، ومع ذلك لم يأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بوضع فاصلٍ بين النساء والرجال، بل بقي المسجد مكشوفاً بين الرجال والنساء، فلِمَا ينادي هؤلاء الذين يدعون قمعَ البدع بتحريم الإختلاط حتى في المساجد والفصل بين النساء بجدار أو قماش، والفصلُ  في المساجد بدعة أحدثها الأمويون ولم تعرف من قبل. وإن قيل كما يُشيع المانعون للإختلاط أنَّ زمن النبيّ كانت النفوس شريفة وكان الصحابة بعيدون أن يفتتنوا بالنساء، فيقال لهم الفتنة قائمة بين النساء والرجال في البشر والصحابة ليسوا معصومين عن الوقوع بمثل هذا بل ثبت أنّ منهم من وقع في مثل هذا ويدلُ على ذلك سبب نزول الآية فيما رواه ابن حبان عن ابن عباس قال: " كانت إمرأة تصلي خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلاَ يَراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظرَ من تحت إبطِه ، فأنزل الله في شأنها:( وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَ‍ٔۡخِرِينَ)، ولم يأمر بعدها النبيّ المرأة بعدم حضور المسجد ولم يقل لها إنقبعي في بيتك أو حتى غطى وجهك، فلمّا لم يقل ذلك علمنا أنَّ خوفَ الفتنة لا يُناط به الحُكم ولم يأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد هذه الحادثة بالفصل بالمسجد بين الرجال والنساء وهديهُ خيرُ الهدي صلوات الله وسلامه عليه، ومما يزيد في الإيضاح أنَّ الإختلاط كان في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم ما رواه البيهقي من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت ٍسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من كانت منكنَّ تؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤسهم كراهية أن ترينَّ عورات الرجال)، وهذا فيه التصريح أنَّ النساء كنَّ في زمن النبيّ يصلينَّ خلف الرجال مباشرة ولم يكن بينهم فاصلٌ أو ستارة ولذلك أمرنَّ بالتأخرعن الرفع لأنَّ الرجال في ذلك الزمن كانوا يلبسونَ الأزار وقد يظهر شيْ من فخذ الرجال من الأسفل فنهينَّ عن الرفع أو لضيق الإزار، فإنّ قالَ المانعونَ هذا في المساجد وهي للعبادة أما في غيرها فالأمر يختتلف، يقال لهم حتى في غير المسجد لم يَفصل عليه الصلاة والسلام بين النساء والرجال ولقد حضرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وليمة عرس لصاحبي وكانت زوجته حديثة العهد بالزواج تخدم الحاضرين ولم يمنعها النبيّ من ذلك وحاشا لرسول الله أن يسكت عن منكر بين أصحابه ، ففي البخاري عن سهلٍ بنِ سعدٍ رضي الله عنه قال:(دعا أبو أُسَيْدٍ الساعديُّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت إمرأتُه يومئذ خادمَهم ، وهي العروس، قال سهلٌ: أتدرون ما سَقتْ رسولَ الله، صلّى الله عليه وسلّم ؟ أنقعتْ له تمراتٍ من الليلِ ، فلما أكل سقتْه). وفي رواية:(فما صنع لهم طعاماً ، ولا قرّبه إليهم إلا امرأتُه أمُّ أُسَيْدٍ).. وعنونه البخاري بــ( باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس)، وأم أُسَيْدٍ إسمها سَلاّمة بنت وهيب، عروسٌ في ليلةِ عرسِها تقدمُ لرسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وصحابتِهِ الطعامَ، وتقومُ على خدمةِ من حضر وليمةَ عرسِها، ومن لوازم ذلك نظرُ المرأة للرجال ومخالطتهم. وأقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم إجتماعاً بين رجل وزوجته على مائدة طعام وأثنى الله عليهم في القرأن، روى البخاري ومسلم عنأبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلنَّ ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من" يَضُمُّ" "أو يضيف هذا"، فقال رجل من الأنصار أنا، فانطلق به إلى إمرأته فقال أكرمي ضيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما عندنا إلا قوت صبياني فقال هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومّت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان فباتا طاويِينِ، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(ضحكَ الله الليلة) أو(عجبَ من فعالكما)، فأنزل الله:(( وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))، وضَحِكَ هنا بمعنى رضيَّ وليس كضحكِ البشر كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح، يقول العلامة الإمام عبد الله الهرري في كتابه صريح البيان فهذا " يعني الحديث" نصٌ صريح صحيح في أنَّ الصحابي جلسَ هو وزوجته مع الضيف كما يجتمع الأكَلةُ على الطعام من التقارب، وقد أقرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك _أنتهى، وأخرجَ البخاري ومسلم عن عائشة، قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر، فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال:" دَعهُما"، قال الحافظ ابن حجر في شرحه " عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم دالٌ على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقرهُ " وقال: "واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولم ينكر على أبي بكر بل أنكر إنكاره " وفيه اجتماع الرجال بالنساء، وعن الربيع بنت معوذ أنها قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم غداة بنيّ علي، فجلس على فراشيكمجلسك مني، وجويريات يضربنَّ بالدف، يَندِبنَّ من قتل من آبائهنَّ يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبيٌ يعلم ما في الغَد، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم(لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين)أخرجه البخاري، والجويريات تصغير جارية وهي الفتية منالنساء،والحديث يفيد جواز الإختلاط وجواز دخول الرجل على المرأة متى كان معها غيرها من النساء وفيه جواز إستماع الرجل لغناء النساء وضربهنَّ بالدُف، ولم يقبل النبيّ منع النساء من المساجد وحضور الجمع والجماعات لا بليل ولا نهار فقال صلى الله عليه وسلم:(لا تمنعوا إماءَ الله مساجد الله)، رواه البخاري ومسلم، والأحاديث كثيرة في بيان أنّ النساء يجوز لهنَّ الإجتماع مع الرجال في موضع واحد من غير أن يكون بين الرجال والنساء ساتر ممدود وفيها أنَّ إختلاط الرجال والنساء بدون تلاصق جائز، وإنما المُحرم مع تلاصق الأبدان أو حصول الخلوة أي أن يجتمع رجل وأمراة أجنيبة غير زوجته وغيرمحارمه وحدهما في مكان لايراهما ثالث يُستحى منه، وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام:(لا يخلون َّرجل بأمرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، ففي هذا الحديث دليل في قوله عليه السلام بأمرأة " أنه إذا كانت النساء أكثر من واحدة ليس بحرام، وكذلك إذا اجتمع رجلان بأمرأة ليس بحرام وقال عليه الصلاة والسلام:(لا يدخلنَّ أحدكم على مُغِيْبِة إلا ومعه رجل أو رجلان) رواه مسلم، والمُغِيبة هي المرأة التى زوجها غائب، فحرم علينا رسول الله أن يدخل الواحد منا على المُغيبة وأذنَ في دخول إثنين فأكثرعلى هذه الواحدة وفيه دليل إجتماع رجلان بأمرأة أو العكس وهذا الحكم يشمل إجتماع الرجال بالنساء على هذا الوجه الذي دلَ الحديث على جوازه إن كان الإجتماع لأمر دنيوي لا معصية فيه أو لأمر ديني كتعلم الشرع أو للذكر إن كنَّ مغطيات رءوسهنَّ وما سوى ذلك مما هو عورة، فمن خالف ذلك وحرمَّ إجتماع النساء عند رجل لتعلم علم الدين فالويلُ له لأنه حَرّمَ ما لم يُحرمه الله، فباطل ما قاله داعية حزب الإخوان فيصل مولوي من التحريم في مجلة الشهاب العدد التاسع السنة السابعة 1973 ص/16/ : " لا يجوز التكلم مع البنات من أجل الدعوة إلى الإسلام ولو كان الكلام في حدود الحشمة فالرجل ليس مكلفًا أصلاً بدعوة النساء للإسلام وباب دعوة الرجال مفتوح لم يغلق وحجة تبليغ الدعوة للنساء مدخل كبير من مداخل الشيطان قد يؤدي بصاحبه إلى الخروج من الدعوة ومن الإسلام!!" كيف يحرم هذا وثبت في الحديث صلاة النساء خلف صفوف الرجال بدون ساتر بل كان المسجد مكشوفا وكذلك ورد في البخاري أن الرسول كان يأمر بخروج النساء إلى لصلاة العيد إلى المصلى وهو مكان بالمدينة قريب المسجد، كانت الشابات يحضرن ليصلين العيد خلف الرسول في ذلك المصلى والحيّض يعتزلن المصلى ليشهدنَّ الخير ثم في بعض المرات إعتزل هو وبلال رضي الله عنه إلى النساء فوعظهنّ، ومن أين يطلق القول بتحريم خلطة الرجال بالنساء والرسول عليه السلام يقول للنساء في البعية:"لا تخلونَّ بالرجال وحدَانا " أي واحدة بواحد، والوحدان جمع واحد، وفي صحيح ابن حبان أنه جاء أبيُّ بن كَعب رضي الله عنه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه إجتمع نسوة في داره وصلى بهنَّ قيام رمضان ثمان ركعات وأوتر، فكان شبهُ الرضا ولم يقل شيئا. ولم يزل في البلاد الكبيرة أنَّ بعض العلماء كان يخص النساء بدرس في جانب المسجد فاتقوا الله أيها المحرمون لتدريس الرجل النساء علم الدين بغير دليل شرعي وبعد هذا البيان للحكم الشرعي لا يجوز مخالفته من أجل العادة التى ألفَ الشخص في بلده، ومن أقبح القبيح أن يترك الشخص أحاديث رسول الله الصحيحة ويتعلق بعادة بلده، ومن حرمَّ الإختلاط على الإطلاق فقد وقع في الغلو الذي نهانا عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: "إياكم والغلوّ في الدين فإنما أهلكَ من كان قبلكم الغلو في الدين" .