الحمد لله رب العالمين  والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع الإنبياء والمرسلين وبعد فإن القرءان الكريم  كله كلام الله تعالى وسوره عظيمة الشأن رفيعة القدر كلها، وفيه سورة يقرؤها المسلم كل يوم وليلة سبع عشرة مرة  على الأقل في صلاته وهي أول سور القرءان الكريم  في ترتيب المصحف وهي فاتحة الكتاب وأم القرءان جائت بآياتها السبع الموجزة تبين عظيم  الثناء على الله تعالى وعلى الأمر بالعبادة له سبحانه وتعالى وفيها طلب  الثبات والإستقامة على الطريق المستقيم وطلب الأمان من الزيغ والضلال ولأهميتها ولأنها ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها وهي التى يقرؤها الناس تلاوة وتبركا وتداوياً فكانت أعظم السور في القرءان الكريم، روى البخاري في صحيحه عنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رضي الله عنه أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ قَالَ له : (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ)، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ : أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ)، قال ابن حجر في شرحه على البخاري المراد بهذا الحديث أعظم  سورة " عِظم القدر بالثواب المرتب على قراءتها وإن كان غيرها أطول منها وذلك لما اشتملت عليه من المعاني المناسبة لذلك"، إهـ . والسبع المثاني أي ءاياتها السبع التى تشمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف الكمال : وقيل من التثينة لأنها تتكر في الصلاة، قال الله تعالى في سورة الحجر: (( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ))، وتسمى الفاتحة أيضاً بأم القرءان لأنها مفتتحة ومبدؤه، وتسمى أيضاً أم الكتاب ، وسورة الشفاء، وفاتحة الكتاب، وسورة الحمد، وتبدأ الفاتحة بقول الله تعالى: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، والبسملة ءاية من الفاتحة ولا تصح الصلاة بدونها في مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وعند الإمام مالك وأبي حنيفة ليست ءاية من الفاتحة. ومعنى " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"باسم الله أقرأ وأتلو. وقول الله تعالى:" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" أي  الثناء على الله بما هو أهله ووصفه تعالى بصفات الكمال والجلال اللائقة به وحمده تعالى لإنعامه وإفضاله وهو عز وجل مالك العالمين. والعالم هو كل ما سوى الله وسمى عالما لأنه علامة على وجود الله  "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الرحمن معناه الذي شملت رحمته المؤمنين والكافرين في الدنيا وخص برحمته المؤمنين في الآخرة والرحيم هو الذي يرحم المؤمنين فقط في الاخرة قال الله تعالى في سورة الأعراف: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" وقوله تعالى: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" أي أن الله هو المتصرف في المخلوقات كيف يشاء ويوم الدين هو يوم الجزاء فالله تعالى مالك الدنيا والأخرة إنما قال مالك يوم الدين إعظاما ليوم الجزاء لشدة ما يحصل فيه من أهوال أي ليفهمنا عظيم أمور ذلك اليوم وقوله تعالى"  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "أي أن الله تعالى وحده هو المستحق أن يتذلل له نهاية التذلل وهو الذي يطلب منه العون على فعل الخير ودوام الهداية لأن القلوب بيده تعالى. وتفيد الآية أنه يستعان بالله الإستعانة الخاصة أي أنَّ الله يخلق للعبد ما ينفعه من أسباب المعيشة وما يقوم أمر المعيشة عليه وليس المعنى أنه لا يستعان بغير الله مطلق الاستعانة كما تقول الوهابية نفاة التوسل فيكفرون كل من طلب العون من غير الله على الإطلاق ويرد عليهم بحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم : ( وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ). رواه الترمذي (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )).  أي أكرمنا يا ربنا باستدامة  الهداية لنا على الإسلام . (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )، أي دين الذين أنعمت عليهم  واكرمتهم من النبين والملائكة. قال تعالى: (( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ))، أي غير صراط الذين غضبت عليهم بسبب إعراضهم عن صراطك المستقيم وعنادهم وجحودهم .( وَلَا الضَّالِّينَ)، غير صراط التائهين الشاردين عن الصراط المستقيم  الذين غلبت عليهم أهوائهم و شهواتهم فحجبت بصائرهم  عن دلائل الحق والتوحيد. وكلمة ءامين ليست  من القرءان لكن يسن قولها عقب الفاتحة  في الصلاة وغيرها وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري وأصحاب السنن قوله عليه الصلاة والسلام :( إِذَا قَالَ الْإِمَامُ  "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ"  فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وتسن المقارنة بين الإمام والمأموم  بقول امين  في الصلاة الجهرية معا اي يسن ان يقول الامام والمأموم كلمة امين بوقت واحد لا يسبق المأموم الامام وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام:( مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، رواه البخاري ومعنى كلمة ءامين: اللهمَّ استجب. والفاتحة ركن من اركان الصلاة للإمام والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية في مذهب الإمام الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا صَلاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، رواه البخاري وغيره أخذ الشافعي رضي الله عنه بعموم اللفظ فقال بأن الحديث يعني المنفرد والإمام والمأموم فلا يستثنى المأموم عند الشافعي كما يستثنى في المذاهب الثلاثة الاخرى مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل فإنَّ قراءة الإمام قراءة للمأموم عندهم واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم:( وإذا قرأ_ اي الإمام_ فأنصتوا )، رواه مسلم، ومن أخذ بمذهب الإمام الشافعي أخذ بالأحوط في أمر دينيه. ومن أحكام  قراءة  الفاتحة أنه يجب مراعاة قراءتها من إخراج الحروف من مخارجها والتشديدات الأربع عشرة التى فيها ترك شيئا منها لم تصح قراءته ولا صلاته كما ذكر النووي وغيره. فلو خفف مشدداً لم تصح صلاته أيضاً إن لم يعد تلك الكلمة على الصواب كأن ترك التشديد على لفظ إياك وخففها فإن تعمد ذلك وهو يعرف المعنى صار كافرا لأنَّ الإيا ضوء الشمس،  فيصير كأنه قال نعبد ضوء الشمس وإن كان جاهلا أو ناسياً  لا يكفر  وإنما عليه أن يتعلم كيفية قراءة الفاتحة وأن يفرغ وقتا لتعلمها على الصواب لأنَّ الله تبارك وتعالى ما أوجب علينا جميعا تعلم سورة من سور القراءن إلا الفاتحة فرض عينٍ على كل مسلم مكلف أن يتعلم سورة الفاتحة وما سواه فهو من فروض الكفاية لذلك ينبغي مراعاة قراءة الفاتحة بإخراج الحروف من مخارجها فلا يصح إبدال قادر على الصواب أو مقصر في التعلم الضادَ بالظاء مثلا، قال الإمام المحدث الشيخ عبد الله الهرري الحبشي رحمه الله في كتابه بغية الطالب: " أولى الحروف عناية بإخراجها من مخارجها الصاد فإنَّ كثيراً من الناس يأتون بها بين الصاد والسين لا هي صادٌ محضة ولا هي سينٌ محضة وهي حروف إطباق واستعلاء وهمس وإصمات ورخاوة وصفير ويشاركها في الصفير الزاي والسين كما نص على ذلك غير واحد من علماء التجويد"، اهـ. وكلام الشيخ العلامة الهرري في أحرف الصفير واعتناء طلابه  ومريديه في إخراجها على الصواب ليس إبتداعاً بل إتباع للسلف الصالح وكبار القراء والمجودين، ففي كتاب التمهيد في علوم االتجويد للإمام شمس الدين الجزري ما نصه:" الثاني عشر حروف الصفير وهي ثلاثة الصاد والزاي والسين سميت بذلك لإنَّ الصوت يخرج معها عند النطق بها يشبه الصفير والصفير من علامات القوة " وقال الشيخ زكريا الأنصاري في كتاب الدقائق المحكمة في شرح المقدمة باب حروف الصفير صفيرها أي حروف الصفير صاد مهملة وزايٌ وسينٌ سميت بذلك لصوت يخرج معها بصفير يشبه صفير الطائر وكذلك ذكر إبن الحاجب في شرح الشافية وكذا جمع كبير من علماء  التجويد ، فما لهؤلاء الجهلة الذين يعيبون على تلامذة الحبشي في لبنان وغيره من أنهم  يخرجون الحروف من مخارجها وهم لا يعلمون أن هذه هي القراءة الصحيحة التى كان عليها سلف الأمة، وأما حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم:(وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ)، فليس المقصود بهذا الحديث أنَّ الإنسان يقرأ القرءان كما يهوى من غير تعلم أحكام القراءة بل المقصود فيه الذي يجتهد في إخراج الحروف وهي صعبة عليه فيبذل جهداً في تعلمها كالأعمجمي عند تعلم العربية فهذا الذي له الثواب المضاعف قال الإمام النووي في كتاب المجموع نقلا عن الإمام ابي محمد الجويني والد إمام الحرمين ما نصه: ولو أخرج بعض الحروف من غير مخرجه بأن يقول نستعين تشبه التاء الدال أو الصاد لا بصاد محضة ولا بسين محضة بل بينهما  فإن كان لا يمكنه التعلم صحت صلاته، وإن أمكنة وجب عليه التعلم ويلزمة قضاء كل صلاة في زمن التفريط في التعليم  هذا حكم  الفاتحة .أهـ، وكلام الإمام النووي هذا شاهد على وجوب الاعتناء بقراءة الفاتحة وان يفرغ الانسان وقتا لتعلم قراءتها على مقرىء حتى تصح صلاته وينتفع من بركات وأسرار هذه السورة العظيمة التى يستشفى المسلمون ببركاتها، أخرج الإمام مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : نزلنا منزلا، فأتتنا امرأة، فقالت : إن سيد الحي سليم (لدغ) فهل فيكم من راق ؟ فقام معها رجل منا، ما كنا نظنه يحسن رقية، فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوه غنمًا، وسقونا لبنًا، فقلنا : أكنت تحسن رقية ؟ فقال : ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب، قال : قلت : لا تحركوها (أي: الغنم) حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال : «ما كان يدريه أنها رقية ؟! اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم»، واخرج الطبراني في الأوسط  عن السائب بن زيد رضي الله عنه قال عَوذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب، وثبت عن بعض الصحابة أنه رقى مجنوناً بالفاتحة فبرأ بإذن الله،  وكذلك تقرأ الفاتخة سبع مرات على المريض ومن به حمى فيبرأ بإذن الله، ولا عجب في هذا وغيره، فهي السورة التى نزلَ ملكٌ خاص من السماء يُبشر بها النبي صلى الله عليه وسلم ،فعن إبن عباس رضي الله عنهما قال بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال هو باب من السماء فتح اليوم لم يُفتح قط إلا اليوم فنزلَ منهُ ملك فقال هذا ملك نَزَلَ إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ،فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته. رواه مسلم، واعتاد المسلمون  في مشارق الأرض ومغاربها على قراءة الفاتحة عند الأفراح من خطبة النكاح ونحوه للتبرك بها، كذلك عند عقود الزواج والشراكة والعمل والبناء ونحوها، وكذلك اعتاد المسلمين على إهداء ثوابها لأمواتهم في مجالس العزاء وبعد الدفن وعند ذكر أموات المسلمين، فهي عادة  حسنة جرى عليها المسلمون منذ قرون عديدة  ولم يمنعها إلا الوهابية نفاة التوسل الذين يدخلون مجالس العزاء في هذه الأيام فإذا قال أحدهم الفاتحة لأموات المسلمين لم يقرأوها وظهرت على وجوههم علامات الغضب، وينكرون على المسلمين قراءة أعظم سورة في القرءان وليس لهم دليل على ذلك ولا مستند، فالعلماء قبل العامة  عند المسلمين  كانوا وما زالوا على قراءة الفاتحة عند الأضرحة اي قبورالصالحين وفي مجالس العزاء، فهذا الشيخ المَروزي يروي ويقول سمعت الإمام أحمد بن حنبل  يقول إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب، وكذلك الشيخ عبد الغني  النابلسي المتوفى سنة 1143 هـ يذكر في رحلاته التى صنفها، من أنه كان كلما دخل بلدة أو مدينة قرأ الفاتحة لأموات المسلمين فيها ، وكذلك كان يفعل عند زيارة الاضرحة وعند دخوله المدينة المنورة وعلى أهل العلم هناك فاقرأ الفاتحة بإعتناء وتدبر معانيها لتنال فضيلتها.

وإني سائلا أخاً قرأ هذه المقالة أو استفاد منها أن يقرأ الفاتحة ويهدي ثوابها إلى روح سماحة شيخنا الكبيرعبد الله الهرري والى شيخنا الشيخ نزارالحلبي رحمهما الله ولسائر أموات المسلمين.