سجود الشكر

شكر الله تبارك وتعالى على نعمه يحصل بأنواع من العبادات ومنها سجدة تسمى سجدة الشكر، تُسَنُ عند تجدد نعمة أو إندفاع نِقمة أو رؤية مبتلى، وهي سجدة واحدة تشبه سجدة التلاوة، لكنها تُشرع خارج الصلاة لا فيها، فيسنُ للمسلم عند إندفاع النِقم ونزولِ النِعمِ، أن يَخِرَ ساجداً متذللاً شاكراً لربه، معترفاً بفضل الله تعالى على عباده وعظيم كرمه، وإنما قُيدت سُنية سجدة الشكر بالنِعم المتُجددة لا النِعمَ المستمرة كالعافية والإسلام، لأنَّ نعمَ الله  تعالى على عباده كثيرة لا عدَّ لها ولا حصر، قال سبحانه وتعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.

فلو أراد العبد أن يسجدَ لله على كل نِعمَةٍ لاستغرق ذلك عمره كله فنِعمُ الله تتوالى علينا ليل نهار وفي كل لمحة ولحظة وحين. إنما لو فَتح الله على العبد برزق وفيرٍ مثلاً، أو بُشر بمولودٍ، أو بُشِرَ بعودةِ غائبٍ وما أشبه ذلك من النعم المفاجئة المفرحة سواء كانت النعمة نازلة به أو بغيره كولد أو أخ ونحوه، يُسنُ له أن يسجد شاكراً لله على ما أنعم وتكرم به من العطايا، وكذا لو كانت النعمة حصلت لعموم المسلمين كنزول المطر بعد القحط والجفاف، وكالنصر على الأعداء ففي كل هذا ومثله يُسن له سجدة شكر لله تعالى.

وتسن أيضاً عند إندفاع النِقم كنجاة من مصيبة أوهدمٍ أو غرقٍ ، وكذا من به مرض عُضال أذهبه الله عنه وشفاه أو عن غيره، ويسجد للشكر لإندفاع النقم أو بلوغ المؤمن خبراً يفرحه كزوال بلاءٍ عن المسلمين أو موت ظالم، أو هلاك طاغية فاجر، وفي حديث أبي داود عن أبي بَكرَةَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جاءهُ أمر سرور أو بُشّرَ به خَرَّ ساجداً شاكراً لله، وفيه أيضاً أنه أتاه بشيرٌ يبشره بنصر جُندٍ له على عدوهم فقام عليه الصلاة والسلام وخرَّ ساجداً شاكراً. وفي الحديث عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته حتى دخل نخلاً فسجد فأطال السجود، حتى خِفتُ أو خشيتُ أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال: فجئتُ أنظر، فرفع رأسه فقال: ما لكَ يا عبد الرحمن؟ قال: فذكرت ذلك له فقال: إنَّ جبريلَ عليه السلام قال لي: ألا أبشرُك؟ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَ يقول : منَ صلى عليكَ صليتُ عليه، ومن سَلمَ عليك َسلمتُ عليه فسجدتُ شكرًا  ، ومعنى صليتُ عليه أي أعطيتُه رِفعَةً وثوابًا جزيلاً. وذكر البيهقي بإسناد، أنَّ علياً رضي الله عنه لما كتبَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان وهي قبيلة في اليمن أسلموا على يد عليّ رضي الله عنه فلما بَلغَ خبر إسلامهم الى النبي صلى الله عليه وسلم ، خَرَّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال: السلامُ على هَمدان، السلام على همدان. وكذا إذا رأى مبتلي ببلية أو بمعصية فيستحب له ان يسجد شكرا لله تعالى ثم إذا سجدَ لنعمةٍ أصابتهُ أو بَليةٍ إندفعت عنه ولا تعلق لها بالغير، أظهر السجود وإن كان لبلاء في غيره نَظرَ إن لم يكن ذلك الغير معذورًا فيه كالفاسق فيظهر السجود بين يديه تعييراً له فربما ينزجر ويتوب، وإن كان معذوراً كمن به عاهة مزمنة ونحوها فيُخفى كيلا يتأذى وقال وقال الحمد لله الذي عَافاني ممَا ابتَلاكَ بهِ، وفَضَلَني على كثيرٍ ممنْ خَلقَ تَفضِيلا، وعلى هذا دأبَّ المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدونَ سجودَ الشكر لله، فالخليفة الراشد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه سَجَدَ حينَ جاءهُ خَبرُ قَتلِ مُسيلمةَ الكذاب الذي كان إدعى النبوة، وكذا علي بن ابي طالب رضي الله عنه سَجدَ شكراً لله تعالى حينَ وجدَ ذا الثُّديّة (وهو أحد زعماء الخوارج) في الذين قتلهم في النَهروان وهي معركة قام بها الإمام علي رضيّ الله عنه بأرض ناحية بغداد، وسَجَدَ الصحابي كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءتهُ البُشرى بأنَّ الله قبِلَ تَوبَتهُ وغفرَ له خَرَّ ساجداً لله شاكراً ، وتوارى الحسن البصري عن الحجّاج سبع سنين فلما بلغه موته قال: اللهمَّ قد أمتّه فأمت سُنَتهُ، وسَجدَ شكراً لله وقرأ قول الله تعالى:  إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُور.