اشتياق المسلمين لزيارة سيد المرسلين

 

 أيها المسلمون ما أن يُطِلُ شهر ذي القعدة إلا وتتحرك أفواجُ الحُجاج نحو مكة لإداءِ فريضة الحج المُعظمة والمسلمونَ في الدنيا يتحركُ شوقهم لتلك الرحلة العظيمة والتى فيها زيارة قبر نبيهم الكريم صلواتُ الله وسلامه عليه. وإنَّ زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم القُرب إلى الله تعالى، ولايُنكر ذلك إلا محرومٌ بعيد عن الخير ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من زارَ قبري وجبت لهُ شفاعتي رواه البيهقي.            

لطيبةَ عَرجْ إن بين قبابِها      حَبيباً لأدواءِ القلوبِ طبيبُ

إذا لم تَطبْ في طيبةٍ عندَ     طيبٍ به طابتْ الدنيا فأينَ تطيبُ

إن الأمة المحمدية أجمعت على جواز زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  واعتبروها قربةً إلى الله وفضيلة مرغباً فيها. وهذا الإمام المجتهد تقي الدين السبكي ينقل إجماع علماء المسلمين السلف والخلف على ذلك في كتابه شفاءُ السِقام في زيارة خيرِ الأنام. وقد رويَ الطبراني والبيهقي وغيرهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حجَ فزارَ قبري بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي

وروى البيهقي عن مالك الدار وكانَ خازنَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال أصابَ الناسَ قحطٌ في زمان عُمر فجاءَ رجل إلى  قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إستَسقِ لأمتكَ فإنهم قد هلكوا. فأتُي الرجل في المنام (أي رأىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامِه) فقيل له أقرىء عُمرَ السلام وأخبره أنهم يُسقونَ وقل له عليكَ الكيَس الكيس (معناه اجتهد في الدعاء) فَسُرَ بلال بن الحارث المُزني وهو من الصاحبة، واخبر الفاروق عمر أنه ذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم  وقال يا رسول الله  استسق لأمتِكَ فإنهم قد هلكوا،  وأخبره أيضاً أنه رأى النبي في المنام وقال أقرىء عُمر السلام وأخبره أنهم يسقون وقل لهُ عليك الكَيس الكَيس. فبكى عمر لما سَمِعَ من بلالِ ما حصلَ وقال يارب ما ءَالو إلا ما عجزت (أي لا أقصرُ مع الإستطاعة)

ويزدُك شوقاً ما حصلَ من بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي سَكن بلاد الشام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: يا بلال ما هذه الجفوة، مضىَ  زمانٌ لم نَركَ؟؟  فلمّا استيقظ من منَامه غلبه الشوق، لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشدَّ رحَالهُ، وقصدَ القبر الشريف تبركا َولما وصلَ صارَ يمرغُ  نفسهُ بترابِ القبر المبارك تبركاً، وكان ذلك في خلافة عمر فلم يُنكر عليه عمر ولاغيره، وجاء إليه الحسنُ والحسين عليهما السلام فقالا له: نشتهي أن نَسمع أذانك يا بلال، فصعِدَ إلى المكان الذي كانَ يؤذنَ فيه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وبدأ بالأذان: اللهُ أكبر الله أكبر فارتجت المدينة فلمّا قال أشهدُ أن لاإله إلا الله زادت رجتها ولما قال أشهدُ أن محمد رسول الله خرجَ الناس من بيوتهم يبكونَ حتى النِسوة خرجنَّ من بيوتهن ولم يُرَ أشدُ باكياً وباكيةً من ذلك اليوم إلا اليومَ الذي ماتَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم !!.

ويستحبُ لزائرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ينويَ مع الزيارة  التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه. ويستحبُ أن يغتسلَ قبل دخوله ويلبس أنظفَ ثيابه. ويصلى التحية في الروضة الشريفة أو غيرها من المسجد شكراً لله تعالى على هذه  النعمة العظيمة ويسألهُ إتمامَ ما قصده وقبول الزيارة، ثم يأتي القبر الشريف ويستقبل جدارَ القبر ويقفُ ناظراً إلى أسفلِ ما يستقبلهُ من جوار القبر، غاضَاً الطَرف في مقام الهيبة والإجلال والتشريف والمهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارغَ القلب من علائق الدُنيا، مُستحضراً في قلبهِ جلالةَ موقفه. ثم يُسلم ولا يَرفع صوتَهُ بل يقتصد ويقول: السلامُ عليك يا رسول الله. ومن أحسن ما يقول ما رواه كثير من العلماء عن العُتبي مُستحسِنِينَ له قال: كنتُ جالساً عندَ قبرِ رسولِ الله صلىَ الله عليه وسَلم فجاءَ أعرابي فقال السلامُ عليكَ يا رسولَ الله سَمعتُ أنّ اللهَ تعالى يقول: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا، وقد جئتكَ مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بكَ إلى ربي ثمّ أنشأ يقول:                                    

يا خيَرَ من دُفنتْ بالقاعَ أعظُمُهُ      فطابَ من طِيبهن القَاع ُوالأكَم ُ

نفسي الفِداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ         فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكَرمُ

أنتَ الشفيعُ الذي تُرجىَ شفَاعتَهُ     عندَ الصِراطِ إذا ما زلت ِالقَدم ُ

وصاحبَاك فلا أنسَاهُما أبداً          مني السلامُ عليكم ما جرىَ القلمُ

قال: ثم انصرفَ، فغلبتني عيناي، فرأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: ((يا عُتبي الحقِ الأعرابي وبشرهُ أنَ الله تعالى قد غَفَرَ له.

فمن َيسرَ اللهُ له الحج  فليزُر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وليغتنم هذه الفرصَة العظيمة  بالتزود من الخير ومن لم يذهب فليُحّمِل سلامَهُ لمن سَافرَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانَ عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد العابد يُرسِلُ البَريد من الشام إلى المدينة  المنورة  ويحّمّله السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن النبيَ عليه الصلاة  والسلام يَسمعُ سلام المُسلمينَ عليه مهما كثروا ومهما كانوا فهو ماتَ ولكنهُ حيٌ في قبرِهِ يسمعُ سَلامَ المُسَلِمين عليه فقد ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من صَلى عليَّ نائياً أي بعيداً بُلغتهُ ومن صلىَ عليَّ عندَ قبري سَمعته، الصلاة والسلام عليك سيدنا يارسول الله، اللهمَّ بلغنّا زيارته وأنزلنا بجواره المُبارك واحشرنا معهُ يا أرحم الراحمين .