ِقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾
مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْكِرَامَ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَلَا حَقِيقَتَهُمْ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهُمْ خَلْقٌ عَظِيمٌ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَإِنَّمَا سُمُّوا جُنُودًا لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ مُنَفِّذُونَ لِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ بِإِذْنِهِ، لَا يَعْصُونَهُ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا وَحْدَهُمْ، بَلْ لَهُمْ أَعْوَانٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ.
وَهُنَا مَعْنًى مُهِمٌّ: لَيْسَ مَعْنَى “جُنُودِ رَبِّكَ” أَنَّ اللَّهَ يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، لَا يَحْتَاجُ مُعِينًا وَلَا نَاصِرًا، بَلِ الْمَلَائِكَةُ وَالْخَلْقُ جَمِيعًا مُحْتَاجُونَ إِلَى اللَّهِ، مُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، وَمَسْكَنُهُمُ السَّمَاوَاتُ، يَنْزِلُونَ مِنْهَا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهَا.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ أَيْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَعْظَمَ خَلْقَهُ، وَمَا أَوْسَعَ مُلْكَهُ، لَهُ يُسَبِّحُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ شَيْءٍ.