الخلوة المحرمة

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

رجل مع إمرأة أجنبية في مكان لا يراهما ثالث يُستحى منه هي الخلوة المحرمة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها بقوله:( أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ )، والأجنبية هي من ليست محرماً للرجل ولا زوجة له وتزول حرمة الخلوة بوجود شخص ثالث ذكراً كان أو انثى يرهما ولو لم يسمع كلامهما ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:( لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ عَلَى مُغْيِبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ )، المُغِيبة بضمّ الميمِ وكسر الْغَيْنِ وإِسكَانِ الْياءِ وهِيَ الَّتِي غَابَ عنهَا زَوْجها والمرادُ غابَ زوجها عن منزلِها، سواء غاب عنِ البلَد بِأَن سَافر أَو غاب عن الْمنزل وإِن كَان في الْبلَد. فيجوز أن يخلو رجل بامرأتين أو أكثر وكذا امرأة ورجلين فأكثر فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى في حديثه عن خلوة الرجل الواحد مع امرأة فإذا حصل التعدد من الرجال أو من النساء لا تكون خلوة محرمة. ويستثنى من ذلك أهل الريبة الفسقة، فإن وجود عدد من الرجال الذين لا ثقة بدينهم وأخلاقهم لا يمنع الخلوة، وكذلك وجود عدد من النسوة الفاسقات السيئات السلوك لا يمنع الخلوة، بل ربما ساعد العدد هؤلاء وهؤلاء على الفساد وهذا ما اشترطه الشافعية أن يكون الذكر أو الأنثى من أهل الثقة لمنع الخلوة وهذا فيه تشديد شديد، المالكية لم يشترطوا ذلك وهو اللائق بسماحة الدين، واشترط الفقهاء أن يكون الثالث لمنع الخلوة في سنٍ يُستحى منه كابن إحدى عشر سنة أو أكثر أما من كان في عمر لا يستحى منه كالطفلة أو إبن أربع سنوات فلا يمنع الخلوة، وليس شرطا حضور الثالث معهما في الغرفة بل لو كان يراهما بمرآة أو من وراء زجاج أو نحوه فليست خلوة محرمة، ومن صور الخلوة المحرمة وجود الرجل والمرأة في المصاعد والسلالم التي ليست مكشوفة أو في الغرف المغلقة كالخلوة بالطبيب أو بالعمل مع زميلته منفردين بحجرة مغلقة أو خلوة الخادمة مع الرجل في بيته لا ثالث معها أو دخول المرأة مع رجل خلف ستار عند الخياط أو أي مكان لا يراهما ثالث، ومن الخلوة المحرمة أيضا أن يسكن رجل وامرأة أجنبية بيتا فيه مرافق مشتركة كحمام ونحوه فهذه خلوة محرمة ولو كان كل منهما يسكن في غرفة منفردا بخلاف ما لو كانا يسكنان مكانا لا يتحد فيه المرافق كأن كان كل يستقل بحمام ونحوه وكان المدخل مفتوحا كالفنادق والمساكن المجاورة وما أشبهها فلا خلوة فيها، أما الأماكن المطروقة التي يردها الناس في أي لحظة فليس فيها خلوة محرمة كالأسواق والأماكن العامة المفتوحة شرط أن تكون في وقت يطرقها الناس في أي لحظة من غير موانع فالدكاكين التي في الأسواق أثناء النهار وازدحام الناس ودخولهم إليها ليس خلوة محرمة انفراد امرأة مع رجل فيها لأنه يتوقع دخول آخر في أي لحظة شرط أن لا يكونا وراء ستار أو فوق سُدَةٍ ونحوها، وكذا المساجد في أوقات الصلوات لو دخلتها المرأة فلم تجد فيها إلا رجلا لوحده وكان وقت صلاة إعتاد الناس طروق هذا المسجد في مثل هذا الوقت فلا خلوة محرمة في مكوثهما في المسجد ، أما لو كان الوقت لم يعتاد الناس دخولها في مثل هذه الأوقات كأن يكون في منتصف الليل مثلا أو كانا في مسجد أو دكان منفردين بعيداً لا يقصده الناس بكثرة فهو خلوة محرمة ، وأما خلوة رجل وامرأة في سيارة منفردين فإن كان زجاج السيارة مكشوفاً ليس مغطاً بساتر وكانا في مكان يراهما الناس المارة حولهما فليس خلوة محرمة بخلاف ما لو كانا في السيارة في مكان لا يرهما الناس كالصحراء أو بين البساتين وفي الأماكن البعيدة عن عيون الناس أو في وقت خلا الشارع من المارة تماماً فتلك خلوة محرمة ما لم تكن ضرورة شرعية لذلك، وجلوس رجل وامرأة على شرفة المنزل(البالكون) من غير ثالث معهما خلوة محرمة ولو كان الناس في الطريق يرونهم، ومن الخلوة المحرمة أن يخلو الخاطب بمخطوبته بحجة أن يتعرف كل منهما على أخلاق الآخر فالخاطب ليس زوجا والمخطوبة في حكم الأجنبية منه، ويحرم الخلوة ولو بحجة الرقية أو الفتوى أوالتدريس فكل هذا حرام الرجل الصالح التقى لا يختلى بالنساء وحدانا والمرأة التقية لا تخلو بالرجال وحدان اففي وصية النبي للنساء عند البيعة حذرهنَّ من الخلوة بالرجال وحدانا فقال صلى الله عليه وسلم:" إنما أنبئكن عما نُهيتُنَّ عن أن تعصيني فيه لا تَخلونَّ بالرجال وحدَاناً"، وكم تسببت الخلوة المحرمة بمفاسد كثيرة فإن أكثر حالات الزنا أو مقدماته غالبا ما تبدأ بالخلوة المحرمة وكان شيخنا رحمات الله عليه الشيخ عبد الله الهرري يحكي قصة للعبرة وهي أن رجلا من بلاده نزل ابن اخيه ضيفا عنده في بيته فكان من هذا العم المُضِيف أن يترك ابن أخيه مع زوجته لوحدهما في البيت ويخرج للعمل وذات يوم رجع العم من عمله على غير عادته مبكراً، فوجد ابن أخيه مع زوجته على حالة مُريبة مُخزية فاستشاط غضباً وأخذ سكيناً فقطع أذن ابن أخيه وطرده من بيته، وعاش ابن أخيه بعد هذه الحادثة سنين طويلة يمشي بين الناس وكلما رآه الناس مقطوع الأذن ذكروا قصته وقالوا فلان قطع اذنه عمه لأجل خلوته الشنيعة مع زوجة عمه ، فانظر كيف جلب لنفسه ولابن أخيه العار بأن مكّنه من الخلوة أولاً فكانت النتيجة المعصية والفضيحة!! فكم من الناس يقولون عند الخلوة هذا مثل ابننا هذا مثل أخينا ويتساهلون في الخلوة معه وتحصل الجرائم والفواحش، فلا يضر المرأة المسلمة ولا يشينها إن قالت للطبيب أَدخِل معنا ثالث، ولا يضرُ الرجل أن يقول للمرأة لا أدخل دارك أو المصعد معك إلا بوجود ثالث يمنع خلوة وهذا هو الصواب والسلامة، ومهما وثِق المسلم من نفسه ومروءته وعفته ليس له ان يختلي بامرأة لوحده فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يَنطِق عن الهوى وهو الصادق القائل:( فإنَّ ثاِلثهُما الشيطان) معناها: بأن يُزيِّن لهم الشيطان الوقوع في المحرمات بالوسوسة وتهييج الشهوة ورفع الحياء وتسهيل المعصية فالشيطان اقوى على الأثنين منفردين من الجماعة، ولا عصمة إلا لنبي ، ولا تسقط حرمة الخلوة بالقرابة سواء كانت زوجة لأحد أقرباءه الرجل كأخ وعم أو خال، أو كانت من قريته أو من عشيرته قال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ» والحمو قريب الزوج كأخيه ونحوه في التساهل مع القرابة أخوف إذ لا يظن به الريبة. فليتقِ الله تعالى الرجال والنساء وليبتعدوا عن الخلوة المحرمة حتى لا تكون الخلوة سبب للوقوع في المعاصي. اللهمَّ احفظنا من الفتن. والحمد لله أولا وآخرا.