اليمين الكاذبة الفاجرة الغموس

اليَمينُ الكاذبة الفاجرة الغموس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

قال الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). اليمين هو القَسَمُ والحلفُ، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الْحَلِفِ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه، وقيل لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسُمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسُمي المحلوف عليه يمينًا لتلبسه بها. ( من كتاب لسان العرب)، واليمين الكاذبة تسمى اليمين الغموس لأنها تَغمِسُ صاحبها في الذنب الذي يستحق عليه الإنغماس في نار جهنم والعياذ بالله تعالى ويقال لها اليمين الفاجرة، وذلك لما في هذه اليمين الكاذبة من تهاون باسم الله تعالى أو صفة من صفاته. واليمين الغموس كبيرة من كبائر الذنوب بل إن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قرنها بأكبر الكبائر، جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإِشراكِ باللَّهِ، وعقوقِ الوالدينِ، وقتلِ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، فعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قال جاءَ أَعرابِيٌّ إِلى النبِي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّهِ ما الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: " الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ". قَالَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". قَالَ ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: "الْيَمِينُ الْغَمُوسُ". قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: "الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ" وذكر العلامة الشيخ عبد الله الهرري رحمات الله عليه فقال اليمين الكاذبه من الكبائر لأنَّ الحَلِفَ بالله تبارك وتعالى بخلافِ الواقعِ  بذكرِ اسمهِ أو صفةٍ من صفاتهِ كقول وحياةِ الله أو والقرءان أو وعلم الله أو وقدرة الله أو وعَظَمةِ الله أو وعزّةِ الله أو نحو ذلك من صفاتهِ تَهاوُنٌ في تعظيمِ الله تعالى. ولا يجوزُ أن يقال وحياة القرءان لأنّ القرءانَ لا يوصَفُ بالحياةِ ولا بالموت. انتهى كلام العلامة الهرري رحمه الله تعالى، ومن الآفات المهلكة الحلفُ بالله كذباً لترويج البضاعة والسلع ، وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ،صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ) . ومعناه أنّ يحلف صاحب السلعة أنه أُعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا، وهو كاذب في ذلك وإنما يريد التغرير بالمشتري ليصدقه باليمين..!، فيكون هذا الحالف عاصيًا لله لأجل البيع والربح والمال مع ذكر الأيمان الكاذبة عمداً ، فيعاقب بذهاب البركة مما كسبه بهذه اليمين الفاجرة الكاذبة ، وربما يتلف الله ماله كله بسبب إستعمال إسم الله بالكذب ، والبائع المنفق سلعته باليمين الكاذبة جاء في الحديث بأنَّ الله تعالى لا يُسمِعهُ ما فيه الرضا يوم القيامة بل يسمعه المقت والعقوبة ، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: " ثلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْر فَقَالَ: وَاللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ أُعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾،  قال الخطابي: "وخص وقت العصر لتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت ، لأنَّ الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها ، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤًا، فإن من تجرأ عليها فيه إعتادها في غيره ،أ ه.  ومن صور الحلف الكاذب أكل الحقوق باليمين الكاذبة كمن يحلف أنَّ هذا المال له أو هذه الأرض له أو نحوه فعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَبِى. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ». قَالَ لاَ. قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِى عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ» فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ»، معناه لو حلف كاذباً يكون الله غاضباً عليه يوم القيامة إن لم يتب من ذلك ولقاء الله واعراضه على معنى يليق بالله لا على لقاء المخلوقات والأجسام واعراضها فالله ليس كمثله شىء ، ولا يشترط أن يكون المحلوف عليه شيئاً له قيمة عالية كالأراضي والأموال والذهب ونحوه بل لو حلف في شيء يسير لا سعر له كبير يستحق بذلك عذاب الله تعالى ، قال رَسُولَ اللّهِ  صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ الله لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئا يَسِيراً، يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَضِيبا مِنْ أَرَاكٍ "والأراك عودُ السواك الخشب وقيمته خفيفة، وأما قول النبي أوجبَ الله له النار وحرمَ عليه الجنة إما أن يكون إستحل الكذب مع إسم الله فهو مخلد في النار ، وإما على معنى أنه يستحق العقاب ، لكن قد يعفو الله عنه ويسامحه ويدخل الجنة، وهذا فيمن مات ولم يتب من هذه الموبقة قاله الإمام النووي. ولا ينبغي للمسلم أن يحلف بأحد من الأنبياء أو الملائكة أو بأحد من أولياء الله الصالحين ، ولا يحلف بالكعبة ، ولا بالأمانة ولا بالوالدين، ولا بالشرف ولا بالنعمة؛ روى الشيخانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ:) أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ(، والحلف بغير الله تعالى حرَّمهُ الإمام أحمد بن حنبل وقال الإمام الشافعي إنهُ مكروهٌ كراهةً شديدةً هذا إذا لم يعظّم المحلوف به كتعظيمهِ لله ، فإن عظَّمهُ كتعظيمِهِ للهِ فقد أشركَ هذا معنى ما جاء في حديث رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)، والمتلفظ باليمين الغموس يستحق العقوبة إن مات قبل التوبة ، أما من تاب وندم على فعله وردَّ الحقوق إلى أصاحبها وتحلل منها وعزم على أن لا يعود فقد سقط عنه الإثم ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والحمد لله أولا وآخرا.